تكرار المشاهد: من الحركة الشعبية إلى الدعم السريع.. هل الوطنية مجرد انضمام؟
أنس وردي
في تاريخ السودان الحديث، تتكرر مشاهد درامية تبدو مألوفة للكثيرين: حرب طويلة الأمد بين الجيش السوداني وقوى تمرد مسلحة، تليها انشقاقات داخل صفوف المتمردين، ثم احتفال رسمي بالمنشقين كـ”أبطال وطنيين” يعودون إلى “صف الوطن”. هذا النمط لم يكن مقتصراً على عصر واحد، بل يتكرر اليوم في سياق الحرب الدائرة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، تماماً كما حدث في عقود الصراع مع الحركة الشعبية لتحرير السودان قبل انفصال الجنوب عام 2011.
خلال الحرب الأهلية الطويلة (1983-2005) بين الحكومة المركزية في الخرطوم والحركة الشعبية بقيادة جون قرنق، شهدت الجبهات انشقاقات متكررة. قادة ميدانيون وفصائل فرعية انفصلوا عن الحركة الشعبية، متهمين قيادتها بالانحراف عن “السودان الجديد”، أو بالفساد والاستبداد الداخلي. انضم بعضهم إلى صفوف الجيش السوداني، أو شكلوا فصائل موالية للخرطوم، مثل بعض عناصر “الجيش الشعبي لتحرير السودان” الذين رفضوا استمرار التمرد بعد اتفاقيات جزئية. كانت الحكومة العسكرية آنذاك تحتفل بهؤلاء المنشقين في وسائل الإعلام الرسمية، وتصفهم بـ”الوطنيين الأوفياء” الذين أدركوا “خطأ التمرد” وعادوا إلى حضن الدولة. منحتهم مناصب أو عفواً عاماً، واستُخدمت قصصهم لتعزيز الرواية الرسمية: الجيش هو المؤسسة الوطنية الوحيدة، والتمرد خيانة خارجية أو قبلية.
هذه المشاهد تتكرر اليوم بدقة لافتة في مواجهة الدعم السريع. منذ اندلاع الحرب، أعلن قادة بارزون انشقاقهم عن قوات الدعم السريع وانضمامهم إلى الجيش. أبرزهم أبو عاقلة كيكل، القائد السابق لقوات “درع السودان” الذي انشق في أكتوبر 2024، ومنحه الفريق عبد الفتاح البرهان عفواً عاماً. كيكل، الذي كان يتمتع بنفوذ واسع في وسط السودان (الجزيرة والبطانة)، أصبح رمزاً لـ”العودة إلى الوطن”، رغم اتهامات سابقة بمشاركته في عمليات الدعم السريع.
في أبريل 2026، تكرر المشهد مع اللواء النور أحمد آدم “القبة”، أحد مؤسسي الدعم السريع ومن أبرز قادته الميدانيين في دارفور، خاصة معارك الفاشر. وصل القبة إلى دنقلا في الولاية الشمالية قادماً من شمال دارفور، برفقة قواته، واستقبله البرهان شخصياً بحفاوة كبيرة. أكد البرهان أن “الأبواب مشرعة أمام كل من يلقي السلاح وينضم إلى مسيرة البناء الوطني”. وصف الإعلام الرسمي الحدث بأنه ضربة موجعة للدعم السريع، ودليل على تفككها الداخلي.
المشابهة بين الفترتين لا تقتصر على الاحتفال بالمنشقين، بل تمتد إلى الخطاب السياسي والعسكري. في عصر الحركة الشعبية، كانت الحكومة تتهم التمرد بالارتباط بقوى أجنبية أو بالانفصالية، وتصور المنشقين كمن “استيقظوا” على الوطنية الحقيقية. اليوم، يُصور الجيش الدعم السريع كـ”مليشيا خارجة عن الدولة”، بينما يُقدم المنشقون كـ”أبناء الوطن” الذين رفضوا “الخيانة”. في كلتا الحالتين، يُستخدم الانشقاق أداة دعائية لتعزيز الشرعية العسكرية، ويُمنح المنشقون عفواً أو مناصب، رغم الاتهامات السابقة بارتكاب جرائم حرب أو انتهاكات في صفوف التمرد الأصلي.
ومع ذلك، تكشف هذه التكرارية عن تناقضات عميقة في مفهوم “الوطنية”. هل الوطنية مجرد تغيير الولاء من فصيل مسلح إلى آخر، دون محاسبة على الجرائم المرتكبة بحق المدنيين؟. في حرب الحركة الشعبية، أدت مثل هذه الانشقاقات إلى تعميق الانقسامات القبلية والجهوية، ولم تنهِ الصراع بل ساهمت في إطالته حتى الانفصال. اليوم، في حرب 2023-2026، أدت الانشقاقات إلى ردود فعل عنيفة من الدعم السريع، مثل هجمات انتقامية في الجزيرة، مع استمرار النزوح الجماعي والكارثة الإنسانية التي أودت بحياة عشرات الآلاف وشردت الملايين.
السلطة العسكرية في الخرطوم تروج لفكرة أن “الجيش هو الوطن”، وأن أي انضمام إليه يغسل الماضي. لكن هذا الخطاب يتجاهل السؤال الأساسي: لماذا تتكرر الحروب إذا كانت الوطنية بهذه السهولة؟ الصراع مع الحركة الشعبية انتهى بانفصال الجنوب بعد عقود من الدماء، بسبب الفشل في بناء دولة موحدة تتجاوز الهويات الفرعية. الحرب الحالية مع الدعم السريع، التي بدأت كصراع على السلطة بين شريكي الانقلاب، تحولت إلى حرب وجودية تهدد وحدة السودان برمته، خاصة في دارفور وكردفان حيث تتقاطع الخطوط القبلية والجهوية.
الاحتفال بالقادة المنشقين – سواء من الحركة الشعبية سابقاً أو من الدعم السريع اليوم – يعكس إستراتيجية قصيرة المدى: إضعاف الخصم عبر التفكيك الداخلي. لكنه يحمل مخاطر طويلة الأمد. يفقد المجتمع الثقة في مفهوم العدالة، إذ يُعامل اليوم من ارتكب انتهاكات بالأمس كبطل وطني. كما يعمِّق الاستقطاب، إذ يرى البعض في هذه الانشقاقات “خيانة”، بينما يراها آخرون “صحوة وطنية”. في النهاية، لا تبنى الدولة على انشقاقات وعفو انتقائي، بل على مؤسسات وطنية حقيقية تضمن المساءلة والمشاركة المتساوية.
تكرار هذه المشاهد يدعو إلى التساؤل: هل تعلمنا السودان دروس الماضي؟ أم أننا ندور في حلقة مفرغة من الحرب والانشقاق والاحتفال المؤقت؟. الوطنية الحقيقية ليست مجرد تغيير جانب القتال، بل بناء سلام يعالج جذور التهميش والاستبداد. بدون ذلك، ستظل المشاهد تتكرر، والسودان يدفع الثمن.