هل كان لا بد من مثل هذه الحرب؟
إبراهيم حمودة – ناقد وصحفي
“أعطوا فرصة للحرب بين السودان وجنوب السودان، بل وداخل السودان نفسه”. هذه هي دعوة الكاتب الفرنسي جيرارد برونيه Gerard Prunier والتي تبنتها إحدى الحركات المسلحة في دارفور وقتها ووضعتها على صدر موقعها على شبكة الإنترنت، وأنا أتحدث عن العام 2012.
سبب الدعوة الصادمة، وبحسب التوضيح الذي قدمه السيد برونيه، وهو عارف ومحيط بالشأن السوداني وعاش فترة بجنوب السودان، يعود لحالة التوتر الخفيف (الذي لا يفضي إلى حرب ولا يترك فرصة للسلم). ضحايا هذا الوضع المتوتر بحسب قراءته، هم من الفئات الضعيفة من النساء والأطفال والعجزة. نقل عن جيرارد برونيه توضيحه بهذا الشأن، بأن موت بعض الجنود في المعركة أهون شأناً وأقل تدميراً بشكل كبير من ترك آلاف الأطفال والنساء يتضورون جوعاً حتى الموت.
ويمكن أن نضيف لمرافعة برونيه، دون اتفاق معها، ما يزيد عن المليون قتيل في حروب الجيش نيابة عن الدولة السودانية وحرمان الملايين من التعليم والصحة وتعطيل النمو الاقتصادي والتنمية المتوازنة وتعطيل العملية السياسية الديمقراطية لتداول السلطة سلمياً على مدى ستين عاماً.
الحروب الداخلية، مثل التي عندنا في السودان وفي بلدان إفريقية أخرى، تختلف عن الحروب الكلاسيكية المعروفة بين جيش بلد مستقل وجيش دولة أخرى، وهي حروب تم التسليم بها كامتداد للدبلوماسية كما يرددون، ووضع قوانين وشفرات أخلاقية تحكمها فيما يتعلق بمعاملة الأسرى والتعامل مع البنى التحتية والتركيز على استهداف الآلة العسكرية والبنية التحتية العسكرية التي تعمل على تغذية الحرب وإطالة عمرها. باختصار تجريد الخصم من قدرته الفعلية على مواصلة القتال.
الحروب الداخلية لها محركات أخرى تتعلق بالوضع السياسي والاقتصادي واقتسام الموارد والسلطة، وهي عملية لا تضمن السياسة العادية تنظيمها حين تغيب الديمقراطية ويتحكم في البلد حزب واحد مثل المؤتمر الوطني وسابقه الاتحاد الاشتراكي أيام مايو. إذن تنشب الحرب حين يبلغ الغبن مداه ويسود اليأس من الحصول على أي نوع من العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ويخبرنا التاريخ بهذا الصدد بأن الحرب تسبقها عمليات تسلح واسعة، وامتلاك السلاح يحمل معه ضرورة استخدامه. في رواندا تم إنتاج إعداد مهولة من السواطير والسلاح الأبيض، وهي الإمكانات المتوفرة لمجتمع فقير بلا موارد لإدارة الحرب. حين تغيب تكنولوجيا القتل والتدمير بشكلها الحديث تصير الحرب صراع رجل لرجل، الأمر الذي قد يفسر سقوط ما يقارب المليون ضحية في الحرب الرواندية.
في الحرب الحالية تم التسليح تحت ساتر حماية النظام من السقوط، بعد أن جفف عمر البشير موارد الجيش السوداني وقدراته القتالية مثل الدبابات التي تبين أنها نمور من ورق لا تعمل. وقوات المشاة المفككة وغير ذات جاهزية قتالية بسبب مشاكل كثيرة تتعلق بالتدريب والضبط والربط العسكري الذي تمت التضحية به لصالح التراتبية الحزبية بديلاً عن الرتب العسكرية، فكانت قوات الدعم السريع هي البديل المؤقت المأمون لحماية النظام، والذي لا يملك الشبكة الكافية لإدارة انقلاب من الداخل، بحسب منطق الذين أنشأوا هذه القوات.
فيما يخص الجيش السوداني وطبيعة تكوينه وتقلد الوظائف القيادية داخل المؤسسة، ظل الناس يشبِّهون المؤسسة العسكرية بـ”ضب” غامق الجسم أحمر الرأس، في إشارة للتركيبة القبلية التي ظلت تسيطر على قيادة الجيش منذ إنشائه. والناظر للتغيرات الأخيرة التي أجراها البرهان يمكنه مراجعة الأصل القبلي لكامل طاقم هيئة الأركان ليتأكد من هذه المقولة المتداولة.
تكوين القيادة العليا للجيش، الذي ظل يحكم السودان بشكل فعلي منذ الاستقلال عبر العديد من الانقلابات المتعاقبة، يكشف عن شبكة المصالح التي ظل يحميها الجيش، أياً كانت الواجهة الآيديولوجية أو السياسية للسلطة. ومع ذلك ظلت النخب المفكرة تتجاهل هذا الأمر. والأغرب في هذه المفارقة انضمام مجموعة كبيرة من ثوار ديسمبر لمناصرة ذات الجيش الذي أغلق بوابته أمامهم، وذبحهم وأحرق خيامهم ورماهم مقيدين في النيل.
ظلت مجموعات كبيرة من قادة الرأي والكتاب، الصحفيين، الأكاديميين والساسة يناصرون المؤسسة العسكرية باعتبارها الضمان لوحدة السودان وحماية المؤسسات من الانهيار، وهي مؤسسات تم تفريغها من محتواها وتعمل حصراً على التنكيل بالخصوم والثوار، مثل النيابة والقضاء والشرطة. كتب عن هذه الجزئية الأخ خالد كودي في مقال أخير له:
“لا يمكن فهم استمرارية البنية المختلة للمؤسسة العسكرية دون تفكيك الدور الذي لعبته، ولا تزال، النخب السياسية والثقافية، لا عبر الصمت وحسب، بل عبر آليات أكثر تعقيدًا من التشويش المنهجي وصرف الأنظار.!
لقد طوّرت هذه النخب، عبر الزمن، خطابًا مزدوجًا: تدين العنف والانتهاكات بلغة أخلاقية عامة، لكنها تتجنب بعناية الأسئلة البنيوية التي تفضي إلى مساءلة الامتياز نفسه. وبدلًا من طرح السؤال المركزي: من يحتكر المؤسسة العسكرية؟ ومن يحدد شروط الانتماء إليها؟ يُعاد توجيه النقاش نحو قضايا جانبية أو لحظية، تُستنزف فيها الطاقة العامة دون أن تمس جوهر السلطة. وهكذا يتحول الفضاء العام إلى ساحة ضجيج، لا ساحة معرفة”.
وعلى ذكر الثورة، هناك من يرى بأنها سُرقت أو قُبرت، ولكن ما أراه أن الثورات لا تموت بهذه الطريقة. فالثورة نفسها ليست حصراً الزخم الذي شهدناه في ميدان الاعتصام، ولا الهتافات ودماء الشهداء الذين حصدتهم الآلة الأمنية للجيش والدعم السريع. الثورة عملية طويلة صامتة قد تأخذ عقداً أو عقدين من الزمان حتى يتحقق التغيير الشامل المنشود. هذه الحرب، وبسبب ملابسات كثيرة، محطة من محطات الثورة، ولكن في النهاية تحقيق شعارات الحرية والسلام والعدالة لا تأتي من فوهة البندقية التابعة لأي من المتقاتلين، الثورة هي عودة البنادق لثكناتها والإقرار بأن تداول السلطة وتحقيق العدالة يأتي من العمل السياسي حصراً دون أي تدخل بالقوة أياً كان حسن مقصده.