كيف تُعلّمنا الكريهة أدب الحرب؟

كيف تُعلّمنا الكريهة أدب الحرب؟

إبراهيم برسي

 

في الخرطوم، لا تُعرَّف الحرب..

كما لا تُعرَّف في دارفور، ولا في الجزيرة، ولا في تلك القرى التي لا تصلها الأخبار إلا بعد أن تكون قد حدثت بالفعل.

 

كأن ما يحدث أكبر من أن يُسمّى بسهولة..

أو كأن اللغة، كلما اقتربت، أدركت أنها لا تقول ما يكفي.

 

العرب، بحساسيتهم اللغوية، لم يسمّوا الحرب اسمًا واحدًا، ولكنهم تركوا لها حقلًا دلاليًا واسعًا، فقد سموها البأساء، والهيجاء، والضرّاء، وأسماء أُخر..

 

كل اسم يحاول أن يلمس طرفًا من هذا الكائن الذي يبتلع المدن وكل ما فيها من مظاهر الحياة والطمأنينة.

 

في كل تسمية شدة ومحنة، تربط الحرب بالأذى والمعاناة، كأن اللغة نفسها ترتبك أمام هذا الانقسام:

بين تسمية تدين،

وتسمية تُجمّل،

وتسمية تحاول أن تُخفي ما لا يمكن قوله.

 

“الكريهة”

ليست وصفًا..

هي انحياز.

اسم يجعل الحرب فعلًا مرفوضًا ومنفّرًا لما فيه من قبح ومرارة.

في السودان، لم تعد هذه التسمية مجازًا لغويًا..

صارت توصيفًا يوميًا لما يحدث في الشوارع، في البيوت، وفي تلك المسافة القصيرة بين صوتٍ وآخر.

 

هذه الأسماء ليست مترادفات فقط..

كل اسم يحمل زاوية رؤية.

ومن هذه الزوايا يبدأ الأدب.

أدب الحرب ليس الكتابة عن المعركة فقط..

هو الكتابة عمّا تفعله الحرب بالإنسان.

 

تاريخيًا، بدأ منذ الملاحم القديمة مثل “الإلياذة”، حيث كانت الحرب تُروى كقدرٍ بطولي، لا كجرح.

ثم ظهرت نصوص أخرى، من أساطير أقدم مثل “جلجامش”، حيث يصبح الموت أكثر حضورًا من المجد.

وصولًا إلى كتابة لاحقة لم تعد قادرة على رواية الحرب دون أن تنكسر.

 

لقد كتب كثيرون عن الحرب قبلنا، كلٌّ بطريقته..

كتب تولستوي الفوضى التي تتجاوز القادة،

وكتب غسان كنفاني الاختناق الذي لا يحتاج إلى رصاصة،

وكتب عبد الرحمن منيف وصنع الله إبراهيم عن الذاكرة وهي تتكسر ببطء.

 

غير أن ما يحدث في السودان لا يمنح اللغة كل هذا الترف..

يدفعها إلى حافة لا تعرف كيف تقف عليها.

في هذه المسافة بين الكتابة عن الحرب وما تشير إليه، يعيش الناس أكثر أشكال الخديعة قسوة.

يسمعون شيئًا، ويرون نقيضه.

تُقال لهم حكايات عن الكرامة والنصر القريب..

بينما تُغتصب النساء أمام أعين ذويهم، والمغتصبون لا يخفون أنفسهم..

يرتدون بزّات عسكرية، ويتحركون بثقة من يعرف أن أحدًا لن يسأله.

يتكرر ذلك تحت وقع الأحذية الخشنة..

بلا استعجال،

بلا ارتباك.

 

يُقال للناس إن الأمور تحت السيطرة..

بينما تتكاثر نقاط التفتيش كأنها ندوب على جسد المدن..

يتناول القادة العسكريون أطباقهم المفضلة، ويهاتفون عائلاتهم في الخارج،

ويتمنّون لهم نومًا هادئًا وأحلامًا سعيدة.

وهنالك، في بحري، في أم درمان، في أطراف الخرطوم التي لم تعد أطرافًا لشيء،

يتجول العسس والجلاوزة بثقل أحذيتهم الخشنة التي لا تحتملها الأرض..

 

والناس هناك:

لا أحد يسأل.

لا أحد يتوقف.

كل شيء يستمر في صمت.

 

المؤسف أن هذا التناقض لا يربك الناس كما يُفترض.

وهذا يعيد إلى ذهني تلك المقولة التي صرت أكثر إيمانًا بها من أي وقت مضى:

 

“الحرب لا تبدأ حين تُطلق الرصاصة الأولى..

تبدأ حين تُعاد صياغة اللغة التي تبررها”.

ومع الوقت، تصبح جزءًا من الإيقاع اليومي.

يتعلم الناس كيف يعيشون داخلها،

كيف يوزّعون خوفهم على ساعات اليوم

حتى لا ينهار دفعة واحدة.

 

تصير الحرب حالة من التمدد البطيء داخل تفاصيل الحياة..

تتسرّب إلى الأشياء الصغيرة قبل أن تصل إلى الجثث،

قبل أن تدفع الناس إلى الطرقات، وهم يفرّون إلى طريق النزوح واللجوء، يحملون ما خفّ من حياتهم، ويتركون خلفهم ما لا يمكن حمله.

 

باب مفتوح..

صوت في الداخل..

ولا أحد يدخل.

 

تصبح المدن، التي كانت تعرف كيف تصحو على رائحة الشاي والقهوة الصباحية، فاقدةً لهذه القدرة.

لا يعود الاستيقاظ بداية يوم..

يصبح استئنافًا لخوف جديد.

الشوارع التي كانت تحفظ خطوات الناس صارت غريبة،

كأنها أُعيد رسمها بعينٍ لا تعرفهم.

حتى البيوت، تلك التي كانت آخر ما يلجأون إليه، لم تعد تقنعهم بأنها آمنة.

حتى الجنود الذين نجوا..

فقدوا القدرة على العودة إلى أنفسهم،

كأن الحرب خرجت من الأرض لتسكن فيهم.

 

هناك لحظة، يصعب تحديدها بدقة، تتحول فيها الحرب من حدث إلى عادة.

لا يعود القصف خبرًا..

يصبح خلفية.

لا يعود الموت صدمة..

يصبح احتمالًا حاضرًا في كل حركة.

 

هنا يحدث التحول.

ليس في عدد الضحايا.. وإنما في شكل الوعي.

الإنسان الذي كان يرفض هذا كله، يجد نفسه يتكيّف معه.

لا حبًا فيه،

بل لأن البديل هو الانهيار الكامل.

وهنا، تتكشف فداحة الأمر.

ليس فقط فيما ما تفعله الحرب بالأجساد..

بل ما تفعله بالمعنى.

 

كيف تعيد تشكيل ما نظنه بديهيًا.

كيف تجعلنا نقبل بما لم نكن نتخيله.

كيف تدفعنا إلى إعادة تعريف الحياة نفسها،

إلى الحد الذي يصبح فيه البقاء هو الانتصار الوحيد الممكن.

 

في السودان، لا تجري حرب واحدة.

 

هناك حروب متداخلة:

حرب على الأرض،

وأخرى على الذاكرة،

وثالثة على اللغة.

 

كل طرف يحاول أن يكتب قصته،

أن يترك أثره،

أن يفرض روايته كأنها الحقيقة الوحيدة.

وفي السماء، حرب أخرى لا تُرى دائمًا..

مسيّرات تراقب، تختار، وتضرب،

بينما الذي يضغط الزر قد يكون بعيدًا عن كل هذا، لا يرى إلا شاشة بين أصابعه يلهو بأزرارها.

 

غير أن ما يتبقى في النهاية ليس هذه الروايات الحزينة..

يتبقى ما علق في تفاصيل الناس.

في وجوههم.

في صمتهم.

في قدرتهم الغريبة على الاستمرار رغم كل شيء.

 

ربما لهذا، لا يمكن كتابة هذه الحرب من الخارج.

لا يمكن اختزالها في أرقام أو تحليلات.

هي ليست مادة للشرح..

هي تجربة تُعاش بكل تناقضاتها.

 

الكاتب هنا لا يملك امتياز المسافة.

هو جزء من المشهد،

يحمل أثره في لغته،

في اختياره للكلمات،

في الصمت بين الجمل.

 

أكتب هذا..

وأنا غير متأكد إن كانت اللغة قادرة على تحمّل ما أحاول قوله.

أن تكتب عن هذه الحرب يعني أن تُسائل ما تراه،

لا أن تكتفي بوصفه.

أن تقترب من التفاصيل التي تبدو صغيرة،

لأنها تحمل الحقيقة التي لا تظهر في عناوين الصحف ونشرات الأخبار.

أن تقاوم الإغراء السهل للتفسير،

وأن تترك النص مفتوحًا على القلق الذي لا يهدأ.

 

الحرب لا تترك إجابات جاهزة.

تترك أسئلة أثقل من أن تُحمل.

السؤال لا يتوقف عند نهايتها.. بل يمتد إلى ما بعدها:

ماذا يبقى من الإنسان حين يعبر كل هذا؟

 

ربما لم تعد المشكلة في ما يحدث الآن..

المشكلة في قدرتنا على الاستمرار بعد أن أصبح هذا كله ممكنًا.

ليس ما نفقده هو الأخطر.. الأخطر ما يبقى فينا بعد الفقد.

 

شيء يتغير، دون صوت،

دون إعلان.

شيء لا يعود كما كان..

حتى لو توقفت الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *