أبريل السوداني: من إسقاط الديكتاتوريات إلى معركة الدولة المدنية

أبريل السوداني: من إسقاط الديكتاتوريات إلى معركة الدولة المدنية

د.عصام الدين عباس أحمد

 

مدخل: أبريل في الذاكرة السودانية

على خلاف ما هو شائع في العالم، وبمختلف ثقافاته التي تتعامل مع أبريل كشهر لتلك الأكذوبة المزعومة، إلا أنه في السياق السوداني هو تعبير متجدد عن وعي مجتمعي يتجذر في ذاكرة الأمة، ويعيد إنتاج ذاته كلما اشتد القمع وتعمّقت الأزمات. ظل أبريل السوداني محاطاً بالعديد من الأحداث العظيمة المجيدة في تاريخ السودان. وبذات القدر ارتبطت به بعض الذكريات والأحداث المؤلمة والحزينة. ففي أبريل من العام 1898 انتصرت القوات البريطانية الغازية على قوات المهدية في معركة النخيلة، مما مهد لنهاية إحدى أعظم الثورات السودانية. كما شهد هذا الشهر وقوع أكبر مأساة في تاريخ السودان الحديث وهي حرب أبريل 2023 التي عادت بالسودان إلى العصور المظلمة حيث التخلف والعصبية القبلية والجهوية.

وفي المقابل يقف أبريل شاهداً على كثير من الأحداث السعيدة. ففي أبريل 1955 كانت أولى الخطوات نحو الاستقلال، حيث بدأت عملية سودنة الوظائف القيادية في الدولة، وهي المرحلة التي سبقت إعلان الاستقلال من داخل البرلمان في ديسمبر من نفس العام. إلا أن عظمة أبريل السودان تتجلى في ثورتي 1985 و2018. ففي هذا الشهر، لم يكتفِ السودانيون بإسقاط أنظمة سلطوية، بل أعادوا تعريف معاني النضال والثورات والعلاقة بين الشعب والسلطة، مؤكدين أن الشرعية تُنتزع بقوة الشارع ولا تُمنح من فوهة البندقية. من انتفاضة مارس- أبريل 1985 التي أطاحت بأولى التجارب الإسلاموية العسكرية، إلى ثورة ديسمبر – أبريل 2019 التي أنهت أطول وأسوأ تلك التجارب وأشدها قسوة، ظل أبريل رمزاً لانتصار الإرادة المدنية على تحالف العسكر والإسلامويين.

غير أن هذا المسار لم يكن خطياً، بل تعرّض لانتكاسات أعادت إنتاج الاستبداد في صور جديدة، كان آخرها انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي دشّن ما يمكن تسميته بالدكتاتورية الإسلاموية الثالثة. إن خصوصية التجربة السودانية تكمن في أن كل انتكاسة تُقابل بموجة وعي ومقاومة أعمق، مما يجعل أبريل ليس فقط شهراً تخلده الأهازيج الثورية، بل موعداً دائماً لتجديد مشروع التحرر المدني في مواجهة الاستبداد.

 

السياق الإفريقي: جيوش تتوق للسلطة

انتفاضات الشعب السوداني المباركة ليست بمعزل عن محيطه الجغرافي الذي اكتوى بنيران الدكتاتوريات المسنودة من عسكر إفريقيا. فبعد نشوة الاستقلال التي انتظمت القارة الإفريقية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حرصت النخب الاستقلالية على اتباع ذات نهج المستعمر، لكن سوء الحكم والأزمات الاقتصادية حفّز العسكر على الاستيلاء على السلطة. لم تكن مصر فقط أول دولة إفريقية شهدت استيلاء عسكريين على السلطة، ولكنها كانت الملهمة لجميع الانقلابات الأخرى ضد الحكومات الديمقراطية في القارة، بدءاً من السودان في 1958، إثيوبيا في 1960، زائير (الكونغو) في 1960، توغو في 1963، الكونغو برازافيل في 1963، بنين (داهومي) في 1963، الغابون في 1964، الجزائر في 1965، بوروندي في 1965، جمهورية أفريقيا الوسطى في 1966، بوركينا فاسو (فولتا العليا) في 1966، غانا في 1966، نيجيريا في 1966، سيراليون في 1967، مالي في 1968، ليبيا في 1969، والصومال في 1969. إلا أن السودان كان ولا يزال مسرحاً لأخطر وأطول هذه التجارب.

 

النضال المدني الإفريقي: جذوة لا تخمد

لم تمر سيطرة العسكر على السلطة في إفريقيا دون مقاومة شرسة من الشعوب. فبينما سيطرت الدبابات على المشهد السياسي، ظلت جذوة النضال المدني مشتعلة في ربوع القارة، متخذة أشكالاً متعددة من العصيان المدني، والإضرابات العامة، والثورات الشعبية، ورفض شرعية الحكم العسكري. ففي غانا، قادت حركات المجتمع المدني والنقابات المهنية حملات متواصلة ضد المجالس العسكرية المتعاقبة، حتى تحقق التحول الديمقراطي في التسعينيات. وفي نيجيريا، دفع توالي الديكتاتوريات العسكرية المتكرر إلى سلسلة من الانتفاضات الشعبية والإضرابات التي فككت حكم الجنرالات، وبلغت ذروتها بإجبار النظام العسكري على تسليم السلطة للمدنيين عام 1999. أما في الجزائر، فقد لعب “الربيع الأسود” والحراك الشعبي العارم الذي قادته ” تنسيقية العروش” في الحد من سيطرة العسكر وأجبرهم على التراجع مرات عديدة.

لكن السودان يبقى النموذج الأكثر إشراقاً وإلهاماً في هذه المقاومة القارية، حيث لم تنجح أي انتفاضة شعبية في إفريقيا في إسقاط أنظمة عسكرية وإسلاموية متجذرة بنفس الحدة والنمطية التي نجحت بها ثورتا أبريل 1985 وديسمبر 2018 – أبريل 2019. فالشعب السوداني، بامتياز، جعل من جسده درعاً للديمقراطية، ومن إرادته سيفاً على رقاب الانقلابيين، ليؤكد أن النضال من أجل الحرية في إفريقيا لا يعترف باليأس.

 

أبريل 1985: سقوط النظام الإسلاموي الأول

بعد أن قاد المدنيون معركة وحققوه عام 1956، واجهوا أول انقلاب عسكري عام 1958 بقيادة إبراهيم عبود، ثم أسقطوه بثورة أكتوبر 1964. عادت الديمقراطية لفترة قصيرة، لكن انقلاب جعفر نميري في 25 مايو 1969، الذي بدأ يسارياً ثم تحول إسلاموياً، قلب الطاولة مجدداً. نجح الإسلامويون، بعد توقيع المصالحة الوطنية في 1977، في جر قائد انقلاب مايو للتحالف معهم، وهي خطوة وجد فيها هذا الدكتاتور سانحة لبناء تحالف مدني يقمع به تنامي الجبهة الوطنية المدنية. وهكذا تحول نظامه إلى أول تجربة “إسلاموية عسكرية” في السودان. لكن الشعب كان بالمرصاد. ففي مارس وأبريل 1985، قادت نقابات المهنيين والأطباء والمحامين وغيرهم من القوى المدنية انتفاضة شعبية عصفت بحكم النميري وانتصرت إرادة الشعب في 6 أبريل 1985، ونجحت في إسقاط السيطرة العسكرية الإسلاموية بالقوة المدنية السلمية.

لكن الفرحة لم تكتمل. فبعد أقل من أربع سنوات على ثورة أبريل، وفي 30 يونيو 1989، نفذ عمر البشير، بالتحالف مع الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي، انقلاباً عسكرياً على الحكومة المدنية المنتخبة برئاسة الصادق المهدي. جاء هذا الانقلاب ليجهض التجربة الديمقراطية الوليدة، وليعيد إنتاج نموذج أكثر تطرفاً ووحشية من “الدولة الإسلاموية العسكرية الثانية”، التي حكمت السودان بالحديد والنار لثلاثين عاماً.

 

أبريل 2019: ثورة ديسمبر المجيدة وإتمام المسيرة

برغم القبضة الأمنية والآيديولوجية لنظام البشير، ظل السودانيون يقاومون. فقد انتظمت القوى المدنية في تحالفات وتجمعات لمقاومة السيطرة الإسلاموية العسكرية، وانطلقت الهبّات الشعبية في فترات متفاوتة كان أشهرها هبة سبتمبر 2013 التي تم قمعها بوحشية، لكنها لم تَثنِ العزيمة. في ديسمبر 2018، اندلعت أعظم الثورات الإفريقية على الإطلاق، فقد عانق ثوار عطبرة وبربر والعبيدية إخوتهم في الدمازين، واشتعلت مدن بورتسودان، القضارف، وكسلا بأهازيج ثوار الشرق العظام، وثار الإقليم الأوسط بمدنه المختلفة، واصطفت إلى جواره مدن وبوادي كردفان، وكذلك مدن دارفور الثائرة دوماً، وأجمع الكل على إسقاط النظام.

تكاتفت القوى المدنية المنظمة: لجان المقاومة، التي قادها الشباب والنساء، وتجمع المهنيين السودانيين، والأحزاب السياسية وتحالفاتها. ارتجت الشوارع بالملايين، وارتقى الشهيد تلو الشهيد. وفي تتويج لهذه التضحيات، وفي شهر أبريل مجدداً، وتحديداً في 11 أبريل 2019، أعلنت القيادة العسكرية (تحت ضغط الثورة الشعبية الغامر) سقوط نظام الإسلامويين الثاني. وهكذا استعاد الشعب السوداني روح أبريل 1985، وأكد أن ثوار السودان لا يتخلون عن حلمهم مهما طال انتظاره.

 

انقلاب 25 أكتوبر 2021: إجهاض جديد ورفض شعبي

لم تمضِ سوى أشهر قليلة على تشكيل الحكومة الانتقالية المدنية، حتى عادت قوى الإسلامويين وتحالفاتها العسكرية إلى أنماطها التقليدية في السيطرة والإقصاء. ففي 25 أكتوبر 2021، نفذت المؤسسة العسكرية، عبر تحالف الجيش وقوات الدعم السريع، انقلاباً عسكرياً أطاح مؤسسات الحكم الانتقالي، حيث تم حلّ مجلسَي السيادة والوزراء واعتقال رئيس الحكومة المدنية.

ومثّل ذلك الانقلاب بداية ما يمكن وصفه بـ”الدكتاتورية الإسلاموية الثالثة”، التي سعت إلى إعادة إنتاج منظومة الحكم السلطوي بواجهة جديدة. غير أن هذه المرة لم تكن كسابقاتها؛ إذ حاول قادة الانقلاب تفادي توصيف ما جرى كـ”انقلاب”، مروّجين له باعتباره “تصحيحًا لمسار الثورة”. لكن الشارع السوداني قابل هذا الخطاب برفض قاطع، مؤكداً أن وعيه السياسي قد تجاوز هذه السرديات، وأن أي شكل من أشكال الحكم العسكري لم يعد مقبولًا. وعاد المدنيون السودانيون، بقواهم الشبابية والمهنية ولجان مقاومتهم، إلى ساحات النضال، مجددين التزامهم بمناهضة الحكم العسكري والإسلاموي، ومتمسكين بمطلب الدولة المدنية الديمقراطية.

ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين الجيش والدعم السريع، تكشّف بوضوح أن جوهر الصراع لا يقتصر على تنافس بين فصيلين مسلحين، بل يعكس صراعاً أعمق بين مشروع وطني مدني ديمقراطي يسعى لبناء دولة المواطنة، وآخر عسكري-إسلاموي يعيد إنتاج الفساد والاستبداد في صور متعددة.

 

لماذا يقاوم إسلاميو السودان المدنية؟

لا يقاتل إسلاميو السودان، الذين انخرطوا بكتائبهم الجهادية في هذه الحرب، الدعم السريع فقط، بل يحاربون فكرة التحول المدني. مقاومة التحول المدني ليس مجرد خلاف على “شكل الحكم”، بل هو صراع وجودي بالنسبة لهذا التيار. فالدولة المدنية في السودان تعني بالضرورة نهاية عهد الاحتكار السياسي والاقتصادي الذي استمر لعقود، واستبداله بنظام يعتمد على المواطنة والمحاسبة. يمكن تلخيص أسباب هذه الرفض الإسلاموي في النقاط الأساسية التالية:

  1. التعارض الآيديولوجي حول مصدر السيادة: يرى التيار الإسلاموي في السودان أن الدولة يجب أن تقوم على “حاكمية الشريعة”، حيث يُعتبر التشغيل الديني للدولة جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية. في المقابل، تقوم الدولة المدنية على مبدأ أن السيادة للشعب، وأن الدستور والقانون الوضعي هما المرجعية، وهو ما يراه الإسلاميون “تغريباً” للمجتمع وتفكيكاً للمشروع الإسلامي الذي عملوا على ترسيخه لسنوات.
  2. الحفاظ على التمكين: خلال 30 عاماً من الحكم، طبق النظام السابق سياسة التمكين، وهي تغلغل عناصر الحركة الإسلاموية في كافة مفاصل الدولة (الجيش، الأمن، الخدمة المدنية، والقضاء، وغيرها) وسيطرتهم على قطاعات اقتصادية واسعة.

o الدولة المدنية تعني بالضرورة تفكيك التمكين وإعادة هيكلة المؤسسات على أساس الكفاءة لا الولاء الحزبي.

o تخشى هذه المجموعات من فقدان الامتيازات الاقتصادية الكبرى والشركات التي يديرونها.

  1. التخوف من الملاحقة القانونية: يرتبط بمقاومة التغيير المدني خوف حقيقي من المحاسبة على ملفات حساسة تراكمت عبر العقود:

o انتهاكات حقوق الإنسان وحروب الأقاليم (دارفور، جبال النوبة، والنيل الأزرق).

o ملفات الفساد المالي والإداري.

o تدرك النخب القيادية في هذا التيار أن القضاء المدني المستقل قد يفتح ملفات تؤدي بهم إلى السجون أو المحكمة الجنائية الدولية.

  1. العلاقة العضوية مع المؤسسة العسكرية: اعتمد إسلاميو السودان منذ انقلاب 1989 على “التحالف مع البزة العسكرية” للوصول إلى السلطة والبقاء فيها. الدولة المدنية تهدف إلى مهنية القوات المسلحة وإبعادها عن العمل السياسي والحزبي. بالنسبة للإسلاميين، خروج الجيش من السياسة يعني فقدان “الأداة القوية” التي تحمي مشروعهم وتضمن لهم وزناً في موازين القوى.
  2. الشكوك تجاه الارتباطات الخارجية للقوى المدنية: يروج الإسلامويون خطاباً مفاده أن القوى المدنية (خاصة الأحزاب الليبرالية واليسارية) تنفذ أجندات خارجية تهدف إلى علمنة السودان وتفتيته. يستخدمون هذا الخطاب القومي والديني لحشد القواعد الشعبية ضد التحول المدني، وتصويره كأنه تهديد للقيم الإسلامية والسيادة الوطنية.
  3. الخوف من الإقصاء السياسي: بعد ثورة ديسمبر 2018، سادت حالة من الرفض الشعبي الواسع لكل ما يمت للنظام السابق بصلة. يخشى الإسلامويون أن الدولة المدنية، بقوانينها الانتقالية، قد تؤدي إلى عزلهم سياسياً ومنعهم من الممارسة الحزبية لفترات طويلة، مما يدفعهم لمقاومة هذا المسار لضمان وجودهم كلاعب في أي عملية سياسية مستقبلية.

 

مدنية تنهض وعسكرية تقعد: الدروس والعبر

بينما غرقت الأنظمة العسكرية السودانية في الفساد والحروب (السودان في المرتبة السادسة إفريقيًا في مؤشر الفساد 2024، وأحد أكثر الدول هشاشة)، حققت دول مدنية قفزات هائلة: رواندا بعد الإبادة، إثيوبيا بعد إصلاحاتها، غانا بترسيخ الديمقراطية، وجنوب إفريقيا بمؤسساتها الراسخة. السودان، الذي كان يمكن أن يكون من أغنى دول القارة بموارده، أصبح بسبب الدكتاتوريات العسكرية أحد أفقر دول العالم وأكثرها دمارًا، خاصة مع الحرب المشتعلة منذ أبريل 2023.

 

الخاتمة: حتمية الدولة المدنية وإن طال النضال

يبقى الشعب السوداني، رغم كل المحن، متشبثًا بحلمه الديمقراطي، الذي جسّده نضاله الممتد منذ ما قبل الاستقلال إلى ثورة أكتوبر 1964 إلى انتفاضة مارس – أبريل 1985 إلى ثورة ديسمبر – أبريل 2019. فقد أثبت السودانيون خلال هذه الحقب أن إرادتهم في الحرية أقوى من آيديولوجيا الإسلامويين الفاسدة المسنودة بدبابات الانقلابيين. لكن التاريخ يعلمنا أن الثورات وحدها لا تكفي، بل لا بد من بناء مؤسسات ديمقراطية راسخة تمنع العسكر من العودة.

شهر أبريل، هو إذن، وعد وذكرى وتحدٍ: وعد بالحرية تحقق مرتين، وذكرى بدماء الشهداء، وتحدٍ بأن تكون الانتفاضة القادمة هي الأخيرة. إما أن تنتصر الديمقراطية في السودان، أو يظل أسيرًا لدورة مفرغة من الدكتاتورية والفقر والحرب. وخيار الشعب واضح: لا تراجع عن الدولة المدنية، ولا عودة إلى الوراء، وكل عام وأبريل في السودان شهر للحرية والسلام والعدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *