إرادة الحرب.. وعجز الدولة
صفاء الزين
في العلاقات الدولية، لا تُدار الحروب بوصفها حالات مفتوحة بلا نهاية، وإنما تخضع لمنظومات حسابية دقيقة ترتبط بالكلفة والنتائج وحدود الاحتمال. وحتى في الصراعات الأكثر تعقيدًا بين دول كبرى مثل إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، يظل التفاوض حاضرًا، سواء في صورته المباشرة، أو عبر قنوات غير معلنة. ويعكس هذا الحضور إدراكًا عميقًا بأن استمرار الحرب خارج أفق سياسي محدد يقود، بالضرورة، إلى إنهاك جميع الأطراف وتهديد تماسكها الداخلي واستقرارها الإستراتيجي.
ويتجاوز هذا الإدراك كونه مجرد تقدير تكتيكي إلى كونه جزءًا من عقل الدولة ذاته، حيث تُفهم الحرب كأداة ضمن منظومة أوسع لإدارة الصراع، لا كمسار قائم بذاته أو غاية نهائية. ومن ثم، فإن كل تصعيد عسكري، مهما بلغ مداه، يظل محكومًا بسقف غير معلن، تُقاس فيه جدوى الاستمرار بميزان الكلفة المركبة، التي تشمل استنزاف الموارد، وتآكل الشرعية، وضغط البيئة الدولية، ومخاطر الانفلات غير القابل للاحتواء. وفي هذه المعادلة، لا يُنظر إلى التفاوض بوصفه تنازلًا، وإنما كآلية لإعادة ضبط الصراع ومنع تحوله إلى تهديد وجودي يتجاوز قدرة الدولة على الاحتمال.
وبهذا المعنى، فإن الحروب في السياق الدولي المعاصر لا تُترك لتتدحرج بفعل منطقها الداخلي، وإنما تُحاصر سياسيًا حتى في ذروة اشتعالها، وتُفتح حولها مسارات موازية تسعى إلى احتوائها وإعادة إدماجها ضمن إطار قابل للإدارة. وهو ما يفسر الحضور المستمر للقنوات الخلفية، والوساطات، وإشارات التهدئة، حتى بين أكثر الخصوم تصلبًا، لأن البديل عن ذلك ليس الحسم، وإنما الانزلاق إلى مسارات تفكك يصعب عكسها. وفي مثل هذه النماذج، تُستخدم الحرب بوصفها أداة ضغط ضمن معادلة سياسية أوسع، ولا تُدار كغاية قائمة بذاتها، ومن هذا المنطلق، ترتبط لحظة التهدئة أو الانخراط في التفاوض ببلوغ الكلفة مستويات تضغط على بنية الدولة نفسها، بما يدفع الفاعلين إلى إعادة ضبط المسار، حتى في ظل استمرار التباينات الحادة والخلافات العميقة.
في المقابل يشهد السودان حربًا داخلية ممتدة منذ اندلاع القتال، في ظل انهيار واسع في البنية الاقتصادية والخدمية، وارتفاع غير مسبوق في معدلات النزوح، وتراجع حاد في قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية، ومع هذا التآكل المتسارع، يستمر القتال دون ظهور مسار سياسي جاد يمكن أن يقود إلى إنهائه أو حتى احتوائه ضمن أفق تفاوضي واضح.
وتقع المسؤولية عن استمرار هذا المسار، بصورة مباشرة، على الحركة الإسلامية وواجهاتها داخل المشهد السياسي والعسكري، التي تتمسك بخيار استمرار القتال، وترفض أي تسوية يمكن أن تفضي إلى إيقاف الحرب، وهذا الموقف يتجاهل حجم الدمار الواقع على الدولة والمجتمع، ويعيد ترتيب الأولويات على نحو يضع حسابات النفوذ والعودة السياسية فوق مسألة بقاء السودان ذاته.
ويعكس هذا التمسك قرارًا سياسيًا واعيًا بإطالة أمد الحرب، في لحظة أصبحت فيها نتائجها جلية بلا لبس: انهيار مؤسسات الدولة، تدمير الاقتصاد، تفكك الخدمات الأساسية، وتهجير ملايين المواطنين. ورغم وضوح هذه المؤشرات، لا يطرأ تحول يُذكر في الموقف، وكأن كلفة الحرب مفصولة عن الجهة التي تصر على استمرارها.
وتتجلى المفارقة في أن هذا الإصرار يأتي في سياق بلغت فيه الدولة حدود الانكشاف الكامل، فأي قراءة موضوعية للمشهد تؤكد أن استمرار القتال لا يفتح مسارًا سياسيًا، وإنما يوسّع نطاق الانهيار، ويعمّق من تعقيد فرص التعافي لاحقًا. ومع ذلك يتواصل الدفع نحو التصعيد، في بيئة لم تعد تحتمل مزيدًا من الاستنزاف على أي مستوى.
وفي الصراعات الدولية الأخرى، حتى في أكثرها تعقيدًا وتشابكًا، يدرك الفاعلون أن الحرب بلا سقف سياسي تمثل تهديدًا مباشرًا لوجود الدولة، وهو ما يفرض التفاوض كخيار اضطراري تُمليه الوقائع. أما في الحالة السودانية، فإن الحركة الإسلامية وحلفاءها ومخادميها وأذرعها تتعامل مع الحرب كوسيلة لإعادة تشكيل موازين النفوذ، حتى لو كان الثمن انهيار الدولة بصورة كلية.
ويعكس هذا السلوك درجة عالية من الانفصال عن الواقع، ففي الوقت الذي يواجه فيه المواطن السوداني تدهورًا يوميًا في مقومات حياته الأساسية، تصدر قرارات استمرار الحرب من منطق سياسي ضيق يتجاهل حجم الكارثة المتراكمة، ويُفسر هذا الانفصال غياب أي إرادة حقيقية لإنهاء الحرب حتى الآن، رغم اتساع نطاق الخسائر.
يتحول هذا النهج بالحرب إلى مشروع استنزاف مفتوح. كل يوم تأخير في الوصول إلى تسوية يضيف طبقة جديدة من الانهيار، يزيد كلفة إعادة البناء، يراكم أعباء يصعب التعامل معها لاحقًا. يستمر الإصرار على المسار نفسه دون مراجعة.
تكشف المقارنة مع الصراعات الدولية أن الفارق في طبيعة القرار السياسي. في الحالات الأخرى، تؤدي زيادة الكلفة إلى إعادة توجيه المسار. في السودان، يجري تجاهل هذه القاعدة مع استمرار الدفع نحو القتال رغم بلوغ الكلفة مستويات تهدد وجود الدولة.
تُظهر التجارب الدولية أن الحروب تُدار ضمن حدود محسوبة، تُضبط إيقاعاتها بما يمنع انزلاقها إلى استنزاف مفتوح. هذه قاعدة استراتيجية شبه ثابتة: الدول تُبقي الباب السياسي مفتوحًا، لأن الحرب دون أفق تفاوضي تتحول إلى تهديد لبنية الدولة.
في السودان، تكمن المأساة في غياب هذا الإدراك لدى القوى التي تدفع نحو استمرار القتال، رغم تجاوز الكلفة حدود الاحتمال. الخسائر لا تنتج ضغطًا نحو التهدئة، يجري التعامل مع الحرب كخيار مفتوح منفصل عن نتائجه.
يمثل الإصرار على استمرار الحرب مسؤولية مباشرة عن تعميق الأزمة. استمرارها في هذه المرحلة قرار سياسي يعيد ترتيب الأولويات على حساب الدولة. كل يوم قتال يترجم نتائج هذا القرار على أرض الواقع.
في هذا السياق، يصبح من الضروري النظر إلى ما بعد لحظة وقف الحرب، بوصفها بداية لمرحلة أكثر تعقيدًا، تتطلب إعادة تأسيس شاملة لمفهوم الدولة ووظيفتها. فالدول التي تخرج من حروب ممتدة لا تعود تلقائيًا إلى ما كانت عليه، تواجه تحديات مركبة تتعلق بإعادة بناء المؤسسات، واستعادة الثقة، ومعالجة التشوهات العميقة التي خلفها الصراع.
غير أن هذا المسار يواجه عقبة أساسية تتمثل في غياب الثقة، داخل المجال السياسي والمجتمعي، وفي العلاقة مع الجهة التي تدفع نحو استمرار الحرب، رغم كلفة ذلك على الدولة. وهو ما يفرض أن تبدأ أي محاولة جادة للخروج من الأزمة بإجراءات ملموسة تعيد بناء هذه الثقة، وتفتح المجال أمام مشاركة أوسع في صياغة المستقبل.
وبذلك، فإن الخروج من هذه الأزمة لا يبدأ من ميدان القتال، يبدأ من كسر المنطق الذي أنتجها، واستعادة السياسة كأداة لإدارة الاختلاف. وعندما يحدث ذلك، يمكن القول إن الحرب انتهت، وجرى تجاوزها، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة تعيد للسودان معناه كدولة وكأفق ممكن للحياة.