السودان في مفترق الطرق.. الخليج عمق وإيران عزلة

السودان في مفترق الطرق.. الخليج عمق وإيران عزلة

محمد هاشم محمد الحسن

 

في قلب التحولات الزلزالية التي تضرب أركان الشرق الأوسط حالياً، يبرز الوضع السوداني كأحد أكثر الملفات هشاشة وتأثراً بالارتدادات الجيوسياسية العنيفة، وذلك نتيجة لسلسلة من الحسابات الخاطئة التي ورَّطت المؤسسة العسكرية في صراعات تتجاوز حدود المنطق الوطني السليم. ويبدو أن قيادة الجيش السوداني تجد نفسها اليوم في مواجهة استحقاق تاريخي مرير، ستدفع ثمنه غالياً بسبب الانسياق خلف حماقة تنظيم الكيزان الذي أثبت عبر تاريخه الممتد عجزاً بنيوياً عن قراءة التحولات الدولية، أو الاستفادة من دروس التاريخ القريبة، مما جعل الدولة السودانية مجرد حقل تجارب لمشاريع أيديولوجية فاشلة.

إن ما نشهده اليوم ليس سوى استنساخ مشوه لتجارب مريرة مرت بها المنطقة، ولعل أبرزها تجربة حربَي العراق والكويت التي دفع فيها النظام ثمن الاصطفاف الأعمى خلف أوهام الزعامة الزائفة، حيث أضاع الكيزان حينها بوصلة المصالح الوطنية وساروا خلف شعارات أدت في النهاية إلى عزلة دولية خانقة ودمار شامل. واليوم يعيد هذا التنظيم الكرة مرة أخرى عبر دفع الدولة نحو اصطفاف استراتيجي خاطئ، والرهان على حصان طروادة في صراع المحاور الإقليمية، مما يضع سيادة البلاد ومستقبلها في مهب الريح ويحول السودان إلى ورقة مقايضة رخيصة في صراعات كبرى لا ناقة للسودانيين فيها ولا جمل، بل هي مغامرة انتحارية تهدف فقط لتأمين بقاء التنظيم في السلطة ولو على أنقاض الوطن.

وبالنظر إلى حقائق الجغرافيا السياسية ودروس التاريخ العميقة، نجد أن المصالح الوطنية العليا تفرض على السودان أن تظل بوصلته متجهة بوضوح نحو تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع دول الخليج العربي، فهي التي تمثل العمق الحقيقي والأمن القومي والاقتصادي للسودانيين، وتربطنا بها أواصر المصير المشترك والمصالح المتبادلة المستقرة. ملايين السودانيين يعيشون ويعملون في السعودية والإمارات وقطر، وتحويلاتهم المالية تشكل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني. حجم التبادل التجاري مع الخليج يقدَّر بمليارات الدولارات سنوياً، بينما لا تقدم إيران سوى وعود أيديولوجية ومشاريع عسكرية مشبوهة.

إيران لا تدخل دولة إلا وتترك وراءها انقساماً اجتماعياً وميليشيات مذهبية. من العراق إلى لبنان واليمن، سجلها واضح هو تفتيت النسيج الوطني لصالح أجندة ضيقة. هل يحتاج السودان، وهو يواجه حرباً أهلية وانهياراً اقتصادياً، إلى إضافة عبء جديد؟ الانحياز لطهران لن يجلب سوى عزلة دولية جديدة، وحرمان السودان من الدعم الخليجي والدولي الذي يحتاجه للبقاء.

إن هذا التخبُّط السياسي الذي يقوده الكيزان يعكس حالة من الانفصال عن الواقع، حيث يحاولون تسويق أوهام النصر في معارك وهمية، بينما الواقع يشير إلى أن المنطقة تعيد رسم ملامحها وفق توازنات جديدة لن يكون فيها مكان للمشاريع التوسعية أو الأنظمة التي تقتات على الأزمات. إن هذه اللحظة الراهنة لا تمثل مجرد أزمة عابرة أو منعطف سياسي تقليدي، بل هي مفترق طرق تاريخي وحاسم يتطلب شجاعة في اتخاذ القرار وتصحيح المسار قبل فوات الأوان.

فإذا ما استطاع السودانيون استثمار حالة الصمود الشعبي المذهلة، وفهم طبيعة التغيرات الكبرى التي تعيد تشكيل المنطقة بصورة صحيحة وواقعية، فإننا سنكون أمام فرصة ذهبية لا تتكرر لاقتلاع جذور مشروع الكيزان من أرض السودان بصفة نهائية. إن وعي الشعب السوداني بطبيعة هذا التحالف الانتحاري الذي يقوده التنظيم سيمهد الطريق بالضرورة لنهاية عهد العزلة والارتهان للمشاريع العابرة للحدود، وبداية مرحلة التأسيس لدولة مدنية حديثة تنتمي لمحيطها الطبيعي، وتضع مصالح المواطن السوداني وأمنه القومي فوق كل اعتبار أيديولوجي أو حزبي ضيق.

إنها لحظة مفترق طرق، وعلى القوى المدنية اليوم استثمار حقيقة أن المنطقة مقبلة على تغيرات جذرية بعد حرب إيران، وأن الإسلام السياسي بات تحت المجهر الدولي والإقليمي، والتحرك بذكاء للاستفادة من القرارات الدولية والأمريكية الأخيرة التي تضيق الخناق على الكيزان. كما يجب إعلاء صوت الإدانة للاستهداف الإيراني الغاشم لدول الخليج، لقطع الطريق على أي محاولة لربط السودان بهذا المحور المنبوذ. إذا أُحسنت قراءة هذه التغيرات، ستكون هذه المرحلة هي البداية الحقيقية لنهاية عهد الكيزان واقتلاع مشروعهم الذي عزل السودان عن محيطه الطبيعي لسنوات طويلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *