6 أبريل: حين حاصرت المؤامرات حلم التغيير

6 أبريل: حين حاصرت المؤامرات حلم التغيير

 

محمد عبد الله إبراهيم

ناشط مدني ومدافع عن حقوق الإنسان

 

في السادس من أبريل، يوم اعتصام القيادة العامة أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة، سطر الثوار واحدة من أعظم لحظات الوعي الجمعي في تاريخ السودان الحديث، لتغدو تلك اللحظة علامة فارقة في مسار ثورة ديسمبر المجيدة، ومعبرة بجلاء عن توق الشعب إلى الحرية والسلام والعدالة. غير أن هذا الأفق المضيء لم يكن معبَّداً، بل حُفَّ بطبقات كثيفة من التحديات ومؤامرات محكمة حيكت في الظلام من قبل فلول النظام البائد، وازدواجية مريبة في مواقف القيادات العسكرية التي ترفع شعارات الثورة نهاراً، وتنسج خيوط التآمر عليها ليلاً. إلى جانب هشاشة بنيوية داخل قوى التغيير سمحت باختراقات أمنية عميقة استهدفت قلب الحراك الثوري، ساعية إلى تفكيكه من الداخل وتقويض وحدته وصلابته.

فمنذ اللحظات الأولى لانتصار الثورة، لم تتوقف محاولات فلول النظام البائد لإجهاضها واستعادة نفوذهم القديم. فقد انخرطوا في نسج مؤامرات خفية، مستغلين كل مناسبة لإثارة الفوضى، وتقويض مؤسسات الدولة الانتقالية، وزعزعة الثقة بين مكونات الثورة. وقامت إستراتيجيتهم على تغذية الانقسامات، واستثمار نقاط الضعف الداخلية، واستخدام أدواتهم الخفية لضرب الثورة من داخلها. وما يبرز خطورة هذه المؤامرات أن آثارها لم تظل افتراضية أو نظرية، بل تجسدت في أحداث وتصرفات كشفت عن عمق التغلغل الذي كان يتمتع به النظام السابق، ليس فقط في مفاصل الدولة، بل أيضاً داخل قلب قوى الثورة نفسها، مستهدفاً وحدتها وصلابتها.

 

 

براغماتية البرهان.. الوجه العسكري للنفاق والانقلاب على الثورة

يعد المجلس العسكري، الذي يمثل في جوهره استمراراً للجنة الأمنية لنظام المؤتمر الوطني، بقيادة عبد الفتاح البرهان، أحد أبرز المكونات المثيرة للجدل في مسار الثورة، خصوصاً بعد رفض الثوار لعوض ابن عوف. فقد بدا البرهان في البداية كداعم للثورة والثوار، حاملاً شعارات التغيير وتطلعات الشعب، إلا أن أفعاله سرعان ما كشفت عن براغماتية سياسية مموهة ونفاق بيِّن، وكان في خطاباته يوحي بالالتزام بمطالب الشعب والثورة، بينما في خلف الكواليس ينسج المؤامرات بالتنسيق مع فلول النظام البائد لإجهاض الثورة وضمان استمرار نفوذ المؤسسة العسكرية للنظام على حساب الثورة والتحول الديمقراطي والتغيير الحقيقي.

وقد كشفت التطورات اللاحقة وصولاً إلى انقلاب 25 أكتوبر، أن أجندة البرهان لم تكن سوى استمرار لهيمنة النظام البائد على المؤسسة العسكرية، مع تقويض أي مسار نحو التغيير. لقد كان النفاق السياسي والمؤامرات التي قادها البرهان أداة مركزية لضرب الثورة من الداخل وإضعاف مشروعها المدني الديمقراطي.

 

اختراق قوى الثورة.. عملاء مدفوعون يضربون من الداخل

لعل أخطر ما واجهته الثورة هو الاختراق العميق الذي مارسه فلول النظام البائد عبر أجهزتهم الأمنية وعناصرهم المزروعة داخل تنظيمات الثورة، مستخدمينهم كأدوات لتفكيك الحراك من الداخل، وكانت هذه الاختراقات بمثابة القشة التي قصمت ظهر قوى الثورة، وأضعفت جبهتها الداخلية بشكل ملموس، ومن أبرز الأمثلة على ذلك عدد من الموظفين في مكتب رئيس مجلس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك.

كما شمل الاختراق عناصر في لجنة إزالة التمكين، أبرزهم ضابط شرطة سابق وتثار حوله اتهامات بالفساد وخيانة الأمانة، وقد أفادت بعض المصادر بأنه أحد مصادر أجهزة أمن النظام البائد، وساهم في تشويه سمعة اللجنة عبر بث تقارير عن شبهات فساد داخلها. كل هؤلاء إلى جانب آخرين، شكلوا شبكة اختراق أمنية عميقة استهدفت قلب أجهزة ومؤسسات الثورة وحاولت تفكيكها من الداخل وإضعاف قدرتها على مواجهة المؤامرات الخارجية، مما هدد مسار الثورة واستقرار أهدافها النبيلة.

وكشفت أحداث حرب 15 أبريل عن الوجه الزائف لعدد من الذين كانوا يدعون الانحياز للثورة والدفاع عن أهدافها، بمن فيهم الأشخاص الذين ذكروا سابقاً. فقد لم يقتصر دورهم على الانحياز لأحد طرفي الحرب “الجيش”، بل تعداه إلى عداء صريح لكل القوى المدنية وكل ما يمت بصلة إلى ثورة ديسمبر، عداء سافر يعكس حقداً دفيناً وكراهية عميقة للثورة. ويتجلى هذا الانحراف في أفعالهم وأقوالهم، ويبرز بشكل خاص في نشاطهم على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يحاولون تضليل الرأي العام وتشويه صورة الحراك المدني الثوري.

ومن أبرز الأمثلة، أحد هؤلاء الذين تم تعيينهم مؤخراً مستشاراً للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية لقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، وهو التحول الذي يطرح تساؤلات جدية حول الدور الذي لعبته بعض الشخصيات في إضعاف الجبهة المدنية للثورة ودعم أجندة المؤسسة العسكرية. وما يزيد الطين بلة هو الادعاء الكاذب بأن الانحياز للجيش يمثل التمسك بالمؤسسة الوطنية، على الرغم من أن الواقع يكشف بأن المؤسسة العسكرية السودانية لا تمثل إرادة وطنية حقيقية، فهي تخضع بالكامل لقيادات النظام السابق التي مكنت عناصرها داخل المؤسسة العسكرية. وقد تجلى ذلك بوضوح في التسريبات المسجلة لعدد من أبرز قادة النظام السابق، مثل عثمان محمد يوسف كبر، الذي شغل سابقاً والياً لولاية شمال دارفور ونائباً للرئيس المعزول عمر البشير، والقيادي الإسلامي الدكتور أمين حسن عمر، ما يشكل دليلاً إضافياً على استمرار نفوذ النظام السابق داخل المؤسسة العسكرية. لا سيما أن الواقع نفسه يكفي لإثبات هذا التغلغل وتأثيره دون الحاجة إلى تصريحاتهم.

 

ولم يتوقف الاختراق عند حدود مؤسسات الدولة أو مكتب رئيس الوزراء، بل امتد ليطول لجان المقاومة، العمود الفقري للحراك الثوري. ففي محاولة لإضعاف القوى الثورية وتقسيمها عملت الاستخبارات العسكرية على اختراق بعض هذه اللجان، من بينها مجموعة “غاضبون بلا حدود”، مستغلة حالة الإحباط بين الشباب. وقد أدى ذلك إلى فصل أعضاء مثل محمد آدم “توباك” بتهم التخريب، فيما تشير الاتهامات إلى أن بعض المجموعات قد أُنشئت أو وجِّهت بواسطة الاستخبارات العسكرية لضرب الحراك الثوري من الداخل، مما يعكس إستراتيجية ممنهجة لتفكيك الثورة وتقويض تأثيرها على الأرض.

 

 

صمود الثورة ودروس المستقبل

على الرغم من كل التآمر والاختراقات، نجحت الثورة السودانية في الصمود وكشفت العديد من المخططات التي حاولت تفكيكها من الداخل. إلا أن الثمن الذي دفعه الشعب السوداني والثوار مقابل هذا التآمر كان باهظاً للغاية، وهو تذكير مؤلم بعمق التحديات التي واجهت مسار التغيير.

إن دروس هذه التجربة المرة واضحة ولا تحتاج الى فلسفة، وعلينا أن نعي أن المعركة ضد فلول النظام البائد وعملائهم تتطلب يقظة مستمرة، وانضباطاً تنظيمياً، ووعياً أمنياً عالياً، لضمان حماية الثورة وصون أهدافها في الحرية والسلام والعدالة، وتحقيق التحول الديمقراطي الحقيقي. وعلى قوى الثورة والتغيير، من أحزاب وتنظيمات داعمة للتحول الديمقراطي، أن تقوم بتنظيف صفوفها من العملاء، خاصة أن بناء جبهة مدنية ثورية متماسكة ونقية يمثل الضمان الوحيد لعدم تكرار أخطاء الماضي، ولتحقيق أهداف الثورة في إقامة دولة مدنية ديمقراطية حقيقية. “فلا يلدغ المؤمن من الجحر مرتين”، وما يتطلبه ذلك هو مراجعة شاملة للآليات التنظيمية والأمنية، وتعزيز الشفافية والمساءلة داخل كل مكونات الثورة والتغيير، لضمان صمودها وحماية مسار التغيير من أي محاولات اختراق أو تآمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *