صفاء الزين

يمثل إصرار عبد الفتاح البرهان على استمرار الحرب لحظة حاسمة في تاريخ السودان؛ لحظة تتكشف فيها طبيعة القرارات التي تدفع البلاد نحو مزيد من الانهيار، واستمرار القتال يعني استمرار موت الأبرياء، واتساع دائرة الدمار، وتعميق جراح مجتمع أنهكته الأزمات، حتى أصبح يعيش على حدود القدرة على الاحتمال.
هذا المسار يرتبط بصورة مباشرة بالدور الذي تقوم به الحركة الإسلامية وفلول نظام الإنقاذ ومن شاركوا في انقلاب أكتوبر 2021، وما يجري يعكس سعيًا واضحًا لإعادة إنتاج نفوذ فقدته هذه القوى بعد سنوات من الحكم، عبر بوابة مختلفة هذه المرة: بوابة الحرب والفوضى. لذلك تتحول الحرب من صراع عسكري إلى أداة سياسية هدفها إعادة تشكيل الواقع ما يسمح بعودة قديمة بثوب جديد، دون اعتبار لحجم الخراب الذي يتسع كل يوم.
الحركة الإسلامية وسدنة الإنقاذ يدفعون في هذا الاتجاه عبر خطاب سياسي وإعلامي وتحركات تنظيمية تسند استمرار الحرب وتمنحها غطاءً وتبريرًا. الفكرة المركزية في هذا المسار تقوم على أن إطالة أمد الصراع تخلق فراغًا سياسيًا وإداريًا يمكن استغلاله لاحقًا لإعادة التموضع. بهذا المعنى تُقرأ الحرب كأداة طويلة الأمد لإعادة هندسة الواقع السياسي بما يخدم مشروع العودة.
هذا النهج يعيد إنتاج ذات البنية التي قادت السودان سابقًا إلى أزمات متراكمة. فخلال عقود من الحكم السابق تشكلت علاقة مضطربة بين الدولة والمجتمع، حيث تآكلت المؤسسات، وتعمَّقت الانقسامات، وتراجع مفهوم الدولة كإطار جامع. اليوم تعود نفس الأدوات في سياق أكثر قسوة، لأن البيئة التي تعمل فيها أكثر هشاشة، والنتائج أكثر تدميرًا.
يكشف التقييم الواقعي لهذا الوضع أن استمرار الحرب يخدم قوى تعتبر أن الفوضى تمثل فرصة سياسية، فكلما طال أمد الصراع ضعفت الدولة أكثر، وتراجعت قدرة المجتمع على التنظيم، وازدادت الحاجة إلى قوى تمتلك القدرة على فرض حضورها في فراغ السلطة. في هذا السياق يتحول الدمار إلى مساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ، بينما تبقى معاناة الناس خارج حسابات الفاعلين.
هذا المشهد يعكس أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين السياسة والأخلاق في الحالة السودانية، عندما تتحول الحرب إلى وسيلة لإعادة إنتاج السلطة يفقد الفعل السياسي معناه الأخلاقي، ويصبح أداة لإدارة القوة. في هذه الحالة يتراجع الإنسان من مركز القرار إلى الهامش، وتصبح حياته قابلة للتضحية ضمن حسابات الصراع.
هذا الانفصال يتجلى بوضوح في الواقع اليومي. داخل السودان ينهك الغلاء الأسر، والأسواق تعكس حالة اختلال حاد، حيث ترتفع الأسعار بصورة تتجاوز قدرة الناس على المواجهة، السلع الأساسية أصبحت عبئًا ثقيلًا، والقدرة الشرائية تراجعت بشكل كبير، ما جعل الحياة اليومية سلسلة مستمرة من التنازل عن الاحتياجات الأساسية.
القطاع الصحي يعيش حالة ضغط غير مسبوقة. فالمستشفيات تعمل بإمكانات محدودة، ونقص الأدوية والمستلزمات جعل العلاج تحديًا صعبًا. كثير من الحالات لا تجد فرصة للعلاج في الوقت المناسب، ما يحوِّل المرض إلى خطر مضاعف. التعليم بدوره تعرض لتراجع حاد، حيث توقفت العملية التعليمية في مناطق واسعة، ووجد آلاف الطلاب أنفسهم خارج مقاعد الدراسة، بلا أفق واضح للعودة.
هذا التدهور لا يقف عند حدود الخدمات، ولكنه يمتد إلى البنية الاجتماعية نفسها، النزوح الداخلي أعاد تشكيل الخريطة السكانية، وخلق تجمعات بشرية تعيش في ظروف قاسية داخل المدن والمخيمات. هذا الوضع يضغط على الموارد المحدودة أصلًا، ويزيد من هشاشة المجتمع، ويضعف قدرة الناس على التكيف مع الواقع الجديد.
خارج السودان تتخذ المعاناة شكلًا آخر لا يقل قسوة. اللاجئون يواجهون تحديات معقدة تتعلق بالإقامة والعمل والاستقرار القانوني، فرص العمل محدودة، وتكاليف المعيشة مرتفعة، والإجراءات الإدارية معقدة، ما يجعل الحياة في المهجر امتدادًا للأزمة، كثير من الأسر تعيش تحت ضغط دائم لتأمين احتياجاتها الأساسية في ظل غياب الاستقرار.
الأطفال في هذه البيئات يتحملون عبئًا كبيرًا، حيث يتعرضون لانقطاع تعليمي قد يمتد لسنوات، ما يهدد مستقبلهم بشكل مباشر. النساء يتحملن مسؤوليات مضاعفة في ظل غياب الدعم، وكبار السن يواجهون ظروفًا صحية صعبة دون رعاية كافية. هذا المشهد يعكس أن الأزمة لم تعد محدودة جغرافيًا، بل أصبحت حالة ممتدة تطول كل السودانيين داخل البلاد وخارجها.
في ظل هذا الواقع، يصبح استمرار الحرب عاملًا مباشرًا في تعميق الانهيار، كل يوم إضافي من القتال يعني خسائر جديدة في الأرواح، وتراجعًا إضافيًا في الاقتصاد، وتآكلًا أكبر في مؤسسات الدولة. وما بدأ كصراع على السلطة تحول إلى عملية تدمير واسعة النطاق للبنية الاجتماعية والاقتصادية.
اللحظة الراهنة تطرح سؤالًا واضحًا حول المسؤولية السياسية والتاريخية، من يدفع نحو استمرار هذا المسار يتحمل تبعاته كاملة، لأن النتائج أصبحت واضحة ومرئية، الدمار واقع يومي، والمعاناة حالة عامة.
إن الاستمرار في هذا الطريق يعني إطالة أمد الألم، وفتح الباب أمام إعادة إنتاج نفس البنية السياسية التي ارتبطت بأزمات الماضي. الحركة الإسلامية وسدنة الإنقاذ يظهرون في هذا السياق كقوة تستفيد من الفوضى، وتسعى إلى استثمارها لإعادة التموضع، دون اعتبار للكلفة الإنسانية أو الاجتماعية.
السودان في هذه اللحظة لا يواجه أزمة سياسية فقط، وإنما يواجه خطر تفكك شامل في بنيته. الدولة نفسها تتعرض لاختبار وجودي، حيث تتراجع قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، ومع استمرار هذا المسار يصبح السؤال مرتبطًا بمستقبل الكيان نفسه.
الاقتصاد يدخل مرحلة انهيار طويل الأمد، توقف الإنتاج، تراجع الاستثمارات، واستنزاف الموارد في الصراع يجعل أي عملية إعادة بناء أكثر صعوبة. حتى في حال توقف الحرب ستكون عملية التعافي بطيئة ومعقدة بسبب حجم التدمير المتراكم.
الأخطر أن الحرب بدأت تخلق حالة تطبيع مع الألم، الموت أصبح خبرًا يوميًا، والنزوح تحول إلى واقع معتاد، والانهيار الاقتصادي صار جزءًا من تفاصيل الحياة، هذا التطبيع يضعف الحس الجمعي بالرفض، ويجعل المأساة قابلة للاستمرار دون مقاومة كافية.
عليه يبقى الإنسان السوداني مركز هذه المعادلة، حياته وكرامته ومستقبله هي الثمن الحقيقي لكل ما يجري. عندما تُدار الحرب بمعزل عن هذا الواقع تتحول إلى مشروع تدمير ذاتي للدولة والمجتمع، وكل يوم يستمر فيه هذا المسار يعني فقدان المزيد من القدرة على الاستعادة.
السودان يقف أمام لحظة حاسمة لا تحتمل التأجيل، إما وقف هذا النزيف والبدء في مسار مختلف يعيد الاعتبار للإنسان، أو الاستمرار في طريق يقود إلى مزيد من التفكك والانهيار. التاريخ لا ينتظر، والنتائج تُكتب الآن أمام الجميع، والفرصة تضيق مع كل يوم يمر دون تغيير حقيقي في الاتجاه.
في تقديري أن المعضلة السودانية لم تعد أزمة حرب قابلة للإدارة بأدوات تقليدية، ولكنها تحولت إلى أزمة بنية سيادية مهددة بالتفكك، حيث يتآكل مفهوم الدولة من داخله تحت ضغط تعدد مراكز القوة، وتضارب مصادر الشرعية، واصطراع أيادي النفوذ، وتمدد اقتصاد الحرب بوصفه بديلاً وظيفياً لمؤسسات الحكم. وهنا يصبح السؤال الحقيقي متعلقاً بكيفية إعادة إنتاج “الفكرة الحاكمة” للدولة نفسها، وليس الاكتفاء بترديد عبارات ونداءات إيقاف القتال أو إعادة توزيع السلطة، إذ إن أي تسوية لا تعيد تأسيس العلاقة بين المجتمع والسلطة على قاعدة الحقوق المتساوية والاحتكار المشروع للعنف ستظل عرضة للانهيار وإعادة التشكل في دورات صراع لاحقة.
وأرى أن نقطة التحول لن تأتي من موازين الميدان وحدها، ولكنها ستنبع من لحظة إدراك سيادي تتبلور فيها قناعة وطنية جامعة بأن استمرار الحرب لم يعد يحقق مكاسب أياً كانت، وأن كلفته الوجودية باتت تتجاوز قدرات المجتمع والدولة معاً، عندها فقط يمكن أن تتشكل كتلة تاريخية قادرة على فرض انتقال من منطق “إدارة الصراع” إلى منطق “إعادة بناء الدولة”، عبر مسار مركب يعيد ضبط المجال الأمني، ويكسر ارتباط الاقتصاد بالعنف، ويؤسس لشرعية سياسية جديدة تستمد قوتها من التوافق المجتمعي، لا من فائض القوة المسلحة.
ظللت أردد في كثيرة من مقالاتي لازمة “لا يكفي الحديث عن سلام بوصفه وقفاً لإطلاق النار، وإنما ينبغي التعامل معه كمشروع إعادة تأسيس شامل”، يبدأ بإعادة تعريف من يملك القرار، وكيف يُمارس، ولصالح من يُمارس، ويمتد إلى بناء مؤسسات قادرة على ضبط التعدد داخل إطار قانوني واحد، مع تفكيك البنى الموازية التي نشأت خلال سنوات الصراع، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو آيديولوجية أو جماعات متطرفة وكيانات عنصرية، لأن بقاء هذه البنى يعني استمرار الدولة في صورة مجزأة، حتى لو توقفت العمليات العسكرية.
ولعلي لن أمضي في هذه المقالة إلى أكثر من القول بأن بلدنا السودان يقف اليوم أمام مفترق تاريخي حاسم: إما أن ينجح في الانتقال من حالة “الدولة المتنازَع عليها” إلى “الدولة المتوافق عليها” عبر عقد اجتماعي جديد وميثاق يؤسس لعلاقة التعاقد المتراضى عليه، عبر إعادة بناء الشرعية من الأسفل إلى الأعلى، أو أن يستمر – لا قدر الله – في الانزلاق نحو الهاوية. وفي هذه الحالة لن يكون التهديد متعلقاً بمستقبل السلطة فقط، وإنما بمستقبل الكيان السوداني نفسه كإطار جامع للهوية والسيادة والمعنى، ومن لا يرى ذلك المصير القاتم عليه أن يعيد النظر كَرّة وألف كرّة، ويعمد إلى استقراء النماذج المماثلة ليس من خارج الحدود، وإنما لدى أشقائنا الذين فروا بجلدهم عبر تقرير المصير من السياط العنصرية التي أصلت ظهورهم بالعذاب وحمم اللهب، ولا تزال سلطة الأمر الواقع في بورتسودان تتأفف من بني جلدتها وتصمهم بأقذع الأوصاف وتحرمهم من أدنى احتياجات الإنسانية بعد أن عجزت عن الاضطلاع بدورها في حمايتهم وسد رمقهم. هذه السانحة إن لم يتداركها السودانيات والسودانيون فعلى السودان المعروف السلام.