شبابنا والانتقال إلى هندسة النجاة الوطنية
عروة الصادق
دخلت بلادنا طورًا تاريخيًا تتساقط فيه الأقنعة واحدةً إثر أخرى. انكشفت هشاشة الدولة، وتعرّى فيها العنف من كل ادعاء، وفضح شذوذ الآيدولوجيات وأفكارها، وتبيّن أن الخراب لا ينبت من فوهة البندقية وحدها، وإنما من عقلٍ عام أُنهك طويلًا بالتأجيل، والتسويات المبتورة، والولاء قبل الكفاءة، والغنيمة قبل الفكرة، والسلاح قبل القانون. وفي خضم هذا النزيف يقف الشباب السوداني أمام تكليف تاريخي ثقيل، وهو أن يبرهن أن الجيل الذي قاوم وضحى وصنع التغيير، قادر أيضًا على أن يؤسس، وأن الفئة التي واجهت الموت قادرة كذلك على أن تبني نظام الحياة.
المطلوب من الشباب اليوم لا يُختزل في رفع الصوت، ولا يقف عند حدود الإدانة الأخلاقية للحرب، ولا يكتفي بإحياء ذاكرة الثورة بوصفها رصيدًا وجدانيًا. المطلوب أوسع، وأشق، وأدق، وأرفع مقامًا، وهو أن يتحول الشباب إلى قوة عقلية وتنظيمية وأخلاقية تعيد ترتيب المجال القومي من أساسه؛ قوة تحفظ المجتمع من التفتت، وترد السياسة إلى معناها النبيل، وتستعيد الدولة من قبضة العنف، وتمنح السودان فرصة ثانية لا تقوم على الإشفاق، وإنما على الاستحقاق.
أول ما يُطلب من الشباب السوداني هو إنجاز قطيعة واعية مع وهم الخلاص السريع، وواعدة بالانتقال نحو النهوض. فالأمم التي أكلتها الحروب لا تعود إلى عافيتها ببيان حسن الصياغة، ولا بمبادرة موسمية، ولا بصورة تذكارية تُلتقط في مؤتمر، فالتعافي الوطني يحتاج إلى نفس طويل، وإلى فهم أن الحرب القائمة تمثل ذروة مسار ممتد: عسكرة المجال العام، وتآكل المؤسسات، واستباحة المال العام، وتشويه التعليم، وانسحاب السياسة من وظيفتها المدنية إلى سوق الاصطفاف والولاء، وتمدد الزيف الآيديولوجي والعنف المتطرف المتغذي على النزيف.
ومن ثم فإن أي دور شبابي جاد يبدأ من الفهم البنيوي للأزمة، لا من مطاردة أعراضها فقط.
وهذا يقود إلى الواجب الثاني، وهو بناء معرفة سودانية جديدة عن السودان نفسه، (تاريخه، أدبه، فنونه، سمته الثقافي..إلخ). فالمجتمع الذي يُدار عبر الانفعال يفقد بوصلته، والمجتمع الذي يستهلك روايات غيره عن نفسه يفقد سيادته المعنوية. على الشباب استعادة حقهم في إنتاج المعرفة؛ معرفة دقيقة بالحرب، بأسبابها، بشبكاتها، بتمويلها، بمتطرفيها، بمخادميها، بسدنة انقلابها، بخطابها، بخريطة الضحايا فيها، وبأثرها على المدن والقرى و”الفرقان” والدوامر و”الكنابي”، والتعليم والصحة والاقتصاد والنسيج الاجتماعي. كما أن عليهم إنتاج معرفة بالدولة الممكنة، ما شكلها، كيف تُدار، كيف تُراقَب، كيف توزع السلطة والثروة، كيف تُحمى الحقوق وكيف تنتزع، وكيف يُكبح جماح العنف قبل أن يعود في هيئة أخرى. ومن دون هذا الجهد المعرفي يظل الحقل الشبابي سريع الاشتعال، بطيء الأثر، وتظل مبادراته رهينة اللحظة لا صانعةً لها.
المطلوب كذلك أن يتجاوز الشباب دور “الكتلة المتأثرة” إلى دور “الفاعل المؤسس”. فقد جرى التعامل معهم لعقود بوصفهم فائضًا عدديًا يُستدعى في المواسم ويستخدم كوقود، أو طاقة تعبئة تُستخدم عند الحاجة، أو مادة للاستهلاك الخطابي في منصات السياسة. هذا الموقع ينبغي أن يُطوى، فالشباب في السودان اليوم مطالبون بانتزاع موقعهم بوصفهم شركاء في تعريف المصلحة الوطنية القومية، وصياغة الشرعية العامة، وتحديد أولويات السلام، وبناء هياكل المساءلة، ورسم ملامح العقد الاجتماعي القادم، وتأسيس منصة المستقبل الجامعة المانعة للفرقة والتمزق. فمنطق الاستجداء السياسي لا يليق بجيل حمل البلاد على كتفيه في أحلك الساعات.
على هذا الأساس، يتمثل الواجب الثالث في بناء تنظيمات شبابية جديدة الروح، متينة القواعد، نظيفة اليد، عالية الانضباط، متقدة ومجتهدة. فالحقل السوداني امتلأ طويلًا بأجسام وُلدت من رد الفعل، ثم ذبلت، لأن عاطفتها كانت أوسع من بنيتها، ولأن خطابها كان أعلى من قدرتها على التنظيم. ما تحتاجه اللحظة الراهنة هو أجسام لا تُدار بالهتاف وحده، ولا بالشللية، ولا بالتقارب الشخصي، وإنما باللوائح، والشفافية، والتخصص، والتمثيل العادل، وآليات التظلم، والسياسات المالية النظيفة، وحدود التفويض الواضحة. فالشباب الذين يطمحون إلى إصلاح الدولة مطالبون بتقديم نموذج مصغر للدولة التي ينادون بها؛ قومية، منضبطة، عادلة، شفافة، رحبة، وقابلة للمساءلة.
وهنا تبرز مهمة أخرى ذات شأن بالغ، وهي تحرير العمل الشبابي من كل أشكال الارتهان. الارتهان للعسكر يفسد المعنى، والارتهان للمال المشروط يفسد القرار، والارتهان للأحزاب على صورة التبعية الصامتة يفسد الاستقلال، والارتهان للشهرة يفسد الميزان الأخلاقي. السودان في هذه المرحلة يحتاج فعلًا شبابيًا مستقل الإرادة، صريح الانحياز للمدنيين، حاسم الموقف من الحرب، قادراً على مدِّ الجسور من غير أن يفرِّط في مبادئه.
ومن أدق وأحق ما يُطلب من الشباب إعادة ترميم المعنى الوطني القومي الجامع نفسه، فقد ضربت الحرب الوجدان السوداني في صميمه، ومزقت شبكة الثقة بين الناس، ورفعت منسوب الشك والخوف والتصنيف والعداء، ودفعت كثيرين إلى الاحتماء بأصغر الهويات وأكثرها توترًا. في مثل هذا المناخ يصبح الفعل الشبابي الرفيع هو ذاك الذي يرفض تحويل الألم إلى أحقاد دائمة، ويرفض تحويل الجهة إلى قدر، والقبيلة إلى قفص، والمدينة إلى متراس، والضحية إلى مادة سياسية للاستثمار.
إن الشباب مطالبون بصناعة خطاب وطني جديد متعدد ومتجدد، خطاب يعترف بالجراح من غير مواربة، ويقول الحقيقة من غير اندفاع أعمى، ويفتح باب العدالة من غير أن يحولها إلى أداة لإدامة الانقسام، أو يفرط فيها فيمنح صكوك الإفلات من العقاب.
هذا يقود إلى مهمة مركزية أخرى: حماية المدنيين بوصفها لبّ السياسة، لا ملحقًا إنسانيًا على هامشها. في التجربة السودانية الحديثة جرى فصل السياسة عن البشر الفعليين، وصارت المناورات تدور فوق رؤوس الناس، وصار المدنيون يُذكرون في آخر البيانات كما تُذكر الهوامش في آخر الكتب. على الشباب قلب هذا الميزان. حماية الأرواح، وصون المدارس والمستشفيات والمساكن والأسواق، وتأمين الممرات الإنسانية، ومناهضة التجويع، ومقاومة خطاب الإبادة، كلها يجب أن تقف في قلب أي برنامج شبابي وطني. فالسياسة التي لا تبدأ بالإنسان تنتهي إلى آلة سلطة مهما علت شعاراتها.
كما يُطلب من الشباب أن يدخلوا ملف السلام من بابه الصحيح، لأن السلام في السودان لا يُستوعب لدى البعض بوصفه توقفًا مؤقتًا للصوت العالي، ولا تسكينًا ظرفيًا لجبهة مشتعلة، ولا ترتيبًا مؤجِّلاً للانفجار. إن السلام عمل في طبقات متعددة؛ وقف العنف، حماية المدنيين، فتح الطريق للمساعدات، بناء الثقة المجتمعية، تفكيك اقتصاد الحرب وجماعاته المتطرفة، ضبط السلاح، إصلاح المؤسسة الأمنية، رد الاعتبار للقانون، وإنصاف الضحايا، ومن ثم فإن الشباب مطالبون بإنتاج مفهوم سوداني ناضج للسلام، يربط بين العدالة والاستقرار، وبين السياسة والأخلاق، وبين التفاوض والبناء المؤسسي.
ومن أعظم المهام المطروحة إعادة الاعتبار لفكرة الدولة المدنية من داخل المجتمع، الدولة المدنية تعني إعادة ترتيب العلاقة بين القوة والقانون، بين الإدارة والخدمة، بين الضرائب والحقوق، بين القضاء والمواطن، بين المركز والأقاليم. وهنا الشباب مطالبون بترجمة هذه الفكرة إلى حياة يومية ملموسة في المدرسة والمستشفى وسوق العمل والإدارة المحلية.
كذلك يفرض الواقع صياغة مقاربة متكاملة تكسر الفصل بين السياسي والاجتماعي، الإغاثة جزء من السياسة الرشيدة، والتعليم جزء من الأمن الوطني، والدعم النفسي جزء من إعادة الإعمار، والفنون جزء من مقاومة التوحش، وتمكين النساء جزء من استقرار المجتمع. هذه الرؤية تمثل أساس البناء.
ومن مقتضيات المرحلة إعادة تعريف القيادة: قيادة موزعة، متعاونة، مفوضة، ملهمة، تحترم التخصص، تنصت بقدر ما تتكلم، تقبل التقييم، لأن النماذج القديمة فقدت صلاحيتها لبناء دولة حديثة. كما أن السودان الحقيقي يوجد في الأطراف، في معسكرات النزوح، في الريف، في المدارس المغلقة، الشباب مطالبون بالذهاب إلى هذه المساحات بوصفها منابع الشرعية والمعرفة، ومنها يُعاد تعريف الأولويات الوطنية.
ومما يُطلب كذلك إدارة العلاقة مع العالم بذكاء، شراكات قائمة على الندية، واستفادة دون تفريط في القرار الوطني. الشباب السوداني يمتلك القدرة على بناء هذا التوازن. ثم تأتي معركة الثقافة، حيث يتطلب الأمر إعادة تشكيل الوعي، وتصحيح الصور الذهنية، وبناء قيم التعاطف والعمل الجماعي واحترام القانون، لأن الحروب تولد في اللغة قبل أن تصل إلى الميدان.
ختاما عزيزي/تي القارئ/ـة: يُطلب من الشباب استعادة الزمن الوطني، عبر بناء مؤسسات مستقرة، واحترام التراكم، وتحويل الأفكار إلى مسارات، لأن النهضة تقوم على الانضباط والاستمرارية، فالمطلوب أكبر من دور الجيل الغاضب، وأوسع من حدود التمثيل الرمزي. المطلوب أن يكونوا حملة مشروع وطني جديد، يعرفون الجذور، ويبنون التنظيم، ويحمون المدنيين، ويصنعون المعرفة، ويؤسسون للعدالة، ويعيدون تعريف الدولة. السودان لا ينتظر منهم ملء الفراغ، ولكن إعادة تشكيله، وهذه أمانة تاريخية بهذا الوزن، وهي نقل الوطن من حافة التلاشي إلى عتبة التأسيس.