أموال كثيرة سلام قليل..

أموال كثيرة، سلام قليل..
كيف يكشف مؤتمر برلين حدود التعامل الدولي مع الحرب في السودان؟

تقرير: (ديسمبر)

 

لم يعد السؤال في السودان: كيف تُنهي الحرب؟، بل: كيف يُمكن التعامل معها دون أن تنتهي؟. فبعد ثلاث سنوات من القتال، لا تبدو الأزمة مجرد صراع بين طرفين مسلحين، بل حالة يُعاد فيها تعريف ما يُعدّ “استجابة كافية”: هل يكفي منع المجاعة؟، أم أن إنهاء الحرب نفسها لم يعد أولوية قابلة للتحقيق؟.
في هذا السياق، جاء مؤتمر برلين —بتعهدات تجاوزت 1.5 مليار دولار— كمحاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكنه، في الوقت ذاته، كشف حدود هذه المقاربة: المال حاضر، أما السياسة فغائبة.
وترى مديرة البرنامج الأفريقي في مركز الأهرام للدراسات د.أماني الطويل في تحليل موسع أن مؤتمر برلين لا يمكن اعتباره نقطة تحول حاسمة، بل فرصة محدودة لإعادة تنظيم الجهود الدولية، وإدماج البعد الإغاثي في صلب العملية السياسية، بشرط توافر توحيد للقوى المدنية، وتنسيق دولي فعّال، وإرادة سياسية قادرة على الضغط على الأطراف المتحاربة.

إدارة لا تسوية

في برلين، اجتمع مانحون ودول ومنظمات دولية لحشد الدعم الإنساني، لكن الغائبين كانوا الأكثر تأثيراً: الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، الطرفان اللذان يملكان مفاتيح الحرب.
هذا الغياب لم يكن خللاً تنظيمياً، بل يعكس طبيعة المؤتمر نفسه. فبرلين لم يُصمَّم كمؤتمر سلام، بل كمنصة لإدارة تداعيات الحرب. وحتى في التقييمات القريبة من دوائر صنع القرار، لم يُنظر إليه كخطوة نحو تسوية، بل كتحرك محدود في سياق أطول، لا يُتوقع أن يسفر حتى عن هدنة إنسانية في المدى القريب. بهذا المعنى، لا يعبّر المؤتمر عن فشل، بل عن إعادة تعريف للطموح: تقليل الخسائر بدل إنهاء الصراع. أي أن الهدف لم يعد إنهاء الحرب، بل جعلها أقل كلفة على من لا يخوضها.
يرى الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية قيريت كيرتز أنه لا يجب النظر لمؤتمر برلين كمؤتمر سلام تقليدي، محذرًا من رفع سقف التوقعات، إذ إن حتى هدنة إنسانية لا تبدو في الأفق في المرحلة الحالية. ويشير كيرتز إلى أن مخرجات المؤتمر نفسها تعكس هذا السقف المحدود، مع صعوبة التوصل حتى إلى بيان مشترك، في ظل استمرار الانقسامات الدولية حول مقاربة النزاع.
ومع دخول الحرب عامها الرابع، شهدت الخرطوم عودة نسبية للحياة، مع استئناف الأسواق وعودة أعداد من النازحين. هذه المؤشرات قد تبدو إيجابية، لكنها قد تعكس واقعاً مختلفاً: تكيّف السكان مع الحرب بدل انتهائها، والحروب التي يُتعايش معها تصبح أكثر قابلية للاستمرار.

كارثة تتسع

هذا التحول لا يمكن فصله عن حجم الكارثة. فمنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، نزح أكثر من 11 مليون شخص، لتنشأ أكبر أزمة نزوح في العالم. ويواجه نحو 28.9 مليون شخص—أي ما يقارب 61.7% من السكان—انعداماً حادًا في الأمن الغذائي، فيما تشير التقديرات إلى أن قرابة 70% من السودانيين باتوا يعيشون تحت خط الفقر، أي ضعف ما كان عليه الحال قبل الحرب.
الأخطر أن مستويات الدخل تراجعت إلى ما كانت عليه في أوائل التسعينيات، مع انزلاق نحو 7 ملايين شخص إلى الفقر المدقع—بأقل من 4 دولارات يومياً—خلال فترة وجيزة. ما يتغير هنا ليس حجم الكارثة فحسب، بل طبيعتها أيضًا: من أزمة طارئة إلى حالة مزمنة قابلة للاستمرار.
في ظل هذه المؤشرات، تبدو التعهدات بمليارات الدولارات ضرورية، لكنها غير كافية. فالفجوة بين الاحتياجات والاستجابة لا تزال واسعة، ما يعني أن الأزمة تتسع بوتيرة أسرع من القدرة على احتوائها.

 

فراغ سياسي

غياب أطراف الحرب يخلق فراغاً لا يمكن تجاهله. فبدون وجود من يقاتلون، لا يمكن فرض وقف إطلاق نار، ولا التوصل إلى تسوية، ولا حتى اختبار نوايا.
يقول الباحث الألماني كيرتز، إن أطراف النزاع لم تُدعَ للمؤتمر لاعتبارات تتعلق بأن التركيز ينصب على وجهات النظر المدنية. ويدعو كيرتز إلى تحول في زاوية النظر من التركيز على القوى المتحاربة إلى الفاعلين المدنيين، مؤكداً حاجة السودان إلى نظام سياسي جديد تقوده قوى مدنية، لا ترتيبات قائمة على موازنة السلاح.
ويحذر من أن إنهاء القتال عبر تقاسم السلطة بين الأطراف المسلحة لن يحقق سلاماً مستداماً، بل قد يفضي إلى حكومة انتقالية هشة قابلة للانفجار، معتبراً أن الفاعلين العسكريين لا يملكون بمفردهم القدرة على إنهاء العنف بشكل دائم.
هذا الفراغ لم يمر دون محاولة لملئه. إذ دفع المؤتمر، إلى جانب مبادرات أخرى، نحو تعزيز دور الفاعلين المدنيين، من خلال وثائق تدعو إلى إعادة مركزية المسار المدني وربط العمل الإنساني بحل سياسي أوسع. كما تتصاعد دعوات من منظمات العدالة الانتقالية لإشراك الضحايا والمجتمعات المتأثرة بالحرب في أي عملية سياسية مستقبلية.
وترى أماني الطويل أن أحد رهانات برلين هو تحويل الإغاثة إلى مدخل للعملية السياسية، بحيث يصبح الوصول للمساعدات جزءاً من معادلة التفاوض، غير أن هذا الرهان يظل مشروطاً بآليات تنفيذ واضحة تربط بين الإغاثة وسلوك الأطراف المسلحة.

 

رهان بلا أدوات

في محاولة لملء الفراغ، يبرز المسار المدني كبديل تروّج له العواصم الغربية، بوصفه الطريق الأكثر استدامة نحو السلام. وقد تُرجمت هذه المقاربة في مؤتمر برلين عبر وثائق تدعو إلى إعادة مركزية الفاعلين المدنيين، وربط الإغاثة بمسار سياسي أوسع.
لكن هذا الرهان، رغم وجاهته الأخلاقية، يصطدم بواقع أكثر تعقيداً. فالمجتمع المدني في السودان لم يخرج من الحرب كقوة منظمة قادرة على ملء الفراغ، بل كجسم مُنهك ومجزّأ. سنوات العنف والنزوح لم تضعف قدرته التشغيلية فحسب، بل قلّصت أيضاً قدرته على صياغة أجندة موحدة.
الأكثر إشكالية أن هذا الفضاء نفسه يعاني من انقسامات عميقة حول قضايا جوهرية—من العدالة الانتقالية إلى إصلاح القطاع الأمني، وصولاً إلى شكل الدولة المستقبلية.
وفي ظل هذه الانقسامات، لا يبدو المسار المدني كتلة متماسكة يمكن البناء عليها، بل ساحة خلافات موازية. وبذلك، لا يواجه هذا المسار فقط قوة السلاح، بل هشاشة بنيته الداخلية.
ويعزز هذا التقدير المدير التنفيذي للمرصد السوداني للشفافية والسياسات د.سليمان بلدو، في حديثه لـ(ديسمبر)، حيث يرى يرى أن المسار المدني لا يمكن أن يتحقق فعلياً إلا في سياق عملية سلام شاملة، تبدأ بوقف إطلاق النار كشرط مسبق يقع على عاتق طرفي النزاع وحلفائهما.
وبهذا المعنى، يظل أي حديث عن دور مدني مؤثر مرتبطًا بتطورات ميدانية لم تتحقق بعد، لا بضعف الفاعلين المدنيين وحده.

المال وحده لا يكفي

تعهدات برلين قد تنقذ ملايين من الجوع، لكنها لا تغيّر سلوك الأطراف المتحاربة. فالمساعدات تعمل على تخفيف الأعراض، لا معالجة الأسباب.
في بعض الحالات، قد تؤدي هذه التدفقات إلى نتيجة عكسية: تقليل كلفة الحرب، طالما أن المجتمع الدولي يتكفل بتخفيف آثارها الإنسانية. وبهذا المعنى، لا تعمل المساعدات فقط على إنقاذ الأرواح، بل تصبح جزءًا من معادلة تُبقي الحرب قابلة للاستمرار.
وتحذر أماني الطويل من أن المساعدات الإنسانية، في غياب إطار سياسي واضح، قد تُستخدم لتعزيز مواقع الأطراف المتحاربة بدل تقويضها، بما يجعلها جزءاً من ديناميات استمرار النزاع لا إنهائه.
هذا لا يعني أن المساعدات غير ضرورية—بل العكس—لكنه يوضح حدودها، ويُضاف إلى ذلك أن هذا القصور لا يرتبط فقط بحجم التمويل، بل بطبيعة توزيعه. فمنذ اندلاع الحرب، تحوّل الجزء الأكبر من الدعم الدولي نحو الإغاثة الطارئة، على حساب برامج التنمية وبناء السلام. أي أن العالم لا يكتفي بإدارة الأزمة، بل يفعل ذلك بطريقة تؤجل حلها.

 

تناقض مستمر

في الوقت الذي يدعو فيه المجتمع الدولي إلى وقف الحرب، تشير الوقائع إلى استمرار تدفق السلاح إلى أطراف النزاع. فقد أصبحت الطائرات المسيّرة مسؤولة عن نسبة كبيرة من وفيات المدنيين في الأشهر الأخيرة، في صراع يتغذى على دعم خارجي متزايد.
هذا التناقض—بين تمويل الإغاثة وترك قنوات التسليح مفتوحة— ليس عرضياً، بل جزء من بنية الاستجابة الدولية نفسها: العالم يعالج نتائج الحرب، لكنه لا يواجه مسبباتها بشكل مباشر.
ويظهر هذا التعقيد بشكل أوضح في تعدد الآليات الدولية نفسها. فبينما تتولى (الآلية الرباعية) الدفع نحو وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية، تعمل (الآلية الخماسية) على تيسير الحوار السياسي المدني. غير أن بلدو يشير إلى أن هذا المسار يتطلب تنسيقًا وثيقًا بين الآليتين، إذ إن أي تقدم سياسي يظل معتمداً على نجاح جهود وقف إطلاق النار، التي لم تُفضِ حتى الآن إلى نتائج ملموسة رغم استمرار المساعي.
كما يشير بلدو إيضاً إلى أن العوامل الإقليمية الأوسع بما في ذلك التوترات المرتبطة بالحرب في إيران قد تؤثر على مجريات الصراع في السودان، سواء عبر تأثيرها على أسعار الوقود أو على سلاسل إمداد الأسلحة، خصوصًا الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع، وهو ما قد ينعكس بشكل غير متكافئ على أطراف النزاع.
في المقابل يرى بعض المشاركين أن مؤتمر برلين يعكس تنامي الإجماع الدولي حول خطورة استمرار النزاع.
لكن هذا الإجماع يظل محدود التأثير في غياب أدوات تنفيذ حقيقية. فالمؤتمر، رغم زخمه، لم ينجح في جمع أطراف النزاع أو فرض أي التزامات عليها.
ولا ينفصل ذلك عن تعقيدات داخل بعض هذه المسارات، حيث تتداخل أدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين، بما يعكس أحياناً أولويات مختلفة أو اعتبارات إستراتيجية متباينة، وهو ما يحدّ من فعالية الضغط الجماعي المطلوب لدفع الأطراف نحو تسوية.

خلاصة مفتوحة

عند جمع الصورة، يتضح نمط متكرر: تمويل دولي يمنع الانهيار، مقابل غياب ضغط سياسي كافٍ؛ تدخلات خارجية تغذي الصراع، ومسارات مدنية تفتقر إلى أدوات التنفيذ.
النتيجة ليست طريقاً نحو السلام، بل نموذجاً لإدارة الحرب. فالسودان لا يعاني من نقص في المؤتمرات أو الأموال، بل من غياب إرادة قادرة على فرض كلفة حقيقية على استمرار النزاع.
ويرى بلدو أن أي تقدم حتى لو اقتصر على وقف إطلاق نار لأسباب إنسانية—قد يخلق مساحة تتيح للسودانيين التقاط الأنفاس، ومن ثم الدفع باتجاه عدم تجدد القتال والانخراط في مسار سياسي أوسع، مستندين إلى تجارب سابقة أظهروا فيها قدرة على التأثير في مجريات الأحداث.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في غياب الحلول، بل في غياب ما يجعل استمرار الحرب خيارًا خاسراً.
وحتى يحدث ذلك، ستستمر المؤتمرات.. وستستمر الحرب—لا لأنها مستعصية، بل لأنها لم تُجعل مكلفة بما يكفي لإنهائها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *