كامل إدريس.. عودة على هامش الحرب
تقارير – (ديسمبر)
كلمة كامل أظهرته رئيساً أو حاكماً للخرطوم دون سواها، وليس رئيساً للوزراء في حكومة السودان
بسبب تأخر حكومة كامل إدريس في العودة للخرطوم وتداعيات هذا التأخير اتخذ قرار العودة على الرغم من صعوبة تشغيل المطار والذي سوف يصعِّب بدوره عمل الحكومة

ما بين “الدعاية السياسية” ورسائل النصر انتقل كامل إدريس وحكومته إلى الخرطوم. وتأتي عودة الحكومة إلى مزاولة نشاطها من العاصمة بعد أكثر من (7) أشهر على تعيين كامل إدريس رئيساً للوزراء. والملاحظة أن تعيين إدريس تزامن مع سيطرة الجيش على العاصمة الخرطوم وإجباره قوات الدعم السريع على الانسحاب منها إلى كردفان.
وطوال الأشهر الستة تولى الجيش إدارة تهيئة البنية التحتية في العاصمة، وترتيب الفوضى التي خلفتها الحرب، عبر “اللجنة القومية لتهيئة بيئة العودة إلى العاصمة القومية” التي أسندت رئاستها إلى عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر، بينما ظل كامل إدريس مقيماً في بورتسودان، إلا أنه عاد اليوم مهتماً برسالة الجيش المتمحورة حول النصر على قوات الدعم السريع، وقدرته على توفير الأمان للمواطن في الخرطوم، بينما الحرب تدور على تخوم مدينة الأبيض التي تبعد (450) كيلومتر عن مقر الحكومة في العاصمة.
عام السلام والانتصارات
دون أن يهتم بتفسير تأخير عودته إلى الخرطوم ونقل الوزارات إليها، اهتم كامل إدريس بالتبشير بأن الجيش في طريقه لحسم المعركة عسكرياً. وقال في خطاب أمام حشد جماهيري في الخرطوم: “هذا العام سيكون عام السلام والانتصارات، سلام الشجعان وسلام الفرسان”. وقبلها بذل وعوداً كثيرة لأهل الخرطوم، في مقدمتها توفير خدمات الصحة والكهرباء والتعليم، وخص بالذكر جامعة الخرطوم.
ومن يستمع إلى كلمة إدريس يظهر له جلياً استخدام لحظة عودة الحكومة للخرطوم ضمن الدعاية الحربية، لكونها تأكيداً على النصر ودحر قوات الدعم السريع، وضمن الدعاية السياسية التي تعمل في سياق توفير تأييد جماهيري للجيش يسمح له بالاستمرار في السلطة. ومن بين الشواهد خلوُّ كلمة رئيس الوزراء المعين من الإشارة إلى مبادرته التي قدمها في أمام محفل في الأمم المتحدة، المتضمنة مبادرة حوار سوداني – سوداني، ولم يشر إلى حكومة مدنية في حال إيقاف الحرب وتحقق السلام. والملاحظة الأخيرة في كلمة كامل أنها أظهرته رئيساً أو حاكماً للخرطوم دون سواها، وليس رئيساً للوزراء في حكومة السودان.
العودة براً
الملاحظة المهمة عودة كامل إدريس لمقر الحكومة الجديد عبر الطريق البري، في إشارة إلى عدم جاهزية مطار الخرطوم. وبطبيعة الحال لا يمكن أن تؤدي حكومة مهامها بكفاءة في غياب مطار، لذلك تعمدت قوات الدعم السريع تخريب المطار أكثر من مرة ن خلال استهدافه بالطائرات المسيرة، في إشارة إلى أنه خارج دائرة الأمان.
في أول الأمر، وعندما أرادت استخدام عودة الحكومة ضمن الدعاية السياسية ودعاية الحرب، أعلنت حكومة بورتسودان عن تشغيل مطار الخرطوم، وعن رحلة إحدى شركات الطيران من بورتسودان إلى مطار الخرطوم، وفي موعد الرحلة ضربت مسيرة المطار. ومن نافلة القول إن قرار تشغيل المطار واستقبال طائرات مدنية يتعدى سلطات الطيران المدني السوداني والحكومة إلى منظمة الطيران المدني الدولي (الإيكاو ICAO)، وهي وكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة تضع المعايير والقواعد للطيران الآمن، وتسهيل التعاون بين الدول الأعضاء البالغ عددها 193 دولة، وكذلك تفرض عقوبات قاسية على إدارات الطيران المدني في الدول الأعضاء – والسودان أحدها- في حال عدم اتباع الإجراءات الصارمة المتعلقة بسلامة وأمن الطيران المدني العامل في نقل الركاب أو البضائع المدنية.
ولا تقتصر عقوبات (الإيكاو) على سلطات الطيران المدني، لكنها تشمل شركات الطيران وقد تصل عقوبتها إلى حد منع طائراتها من التحليق أو الهبوط في المطارات الدولية،. وبسبب تأخر حكومة كامل إدريس في العودة للخرطوم وتداعيات هذا التأخير اتخذ قرار العودة البرية على الرغم من صعوبة تشغيل المطار والذي سوف يصعِّب بدوره عمل الحكومة، ويتسبَّب في عزلتها خاصة في حال وضعنا في الاعتبار أن إدريس رئيس لوزارء السودان وليس الخرطوم وحدها.

وعود كامل وغياب المالية
أعلنت الحكومة من بورتسودان عن انتقالها للخرطوم أكثر من مرة، حتى أن المسألة باتت تخصم من رصيد مصداقيتها المتآكل أصلاً بعد أن وعدت الشعب بحسم الحرب سريعاً ولم تفعل. لذا فإنه وبعد الإعلان عن عودة الوزارات إلى مقارها في الخرطوم مطلع يناير كان لابد من التنفيذ. وهذا يعيدنا إلى البعد السياسي للقرار وخدمته في الدعاية الداعمة للجيش واستمراره في السلطة مع استمرار الحرب. ولما كان خيار العودة هو الخيار الوحيد، عاد كامل، قبل أن يتم تأمين المطار، كما أسلفنا، ودون أن تكتمل ترتيبات عودة وزارة المالية وطرق التحصيل المرتبطة بأنظمة إلكترونية، كما لم يعلن عن عودة بنك السودان المركزي. وقال إدريس في كلمته بمناسبة العودة إن “بقية الوزارات سوف تلحق بنا”. ومعلوم أن الوعود التي أطلقها كامل من المنبر تحتاج إلى نظام مالي فعال وسريع حتى تصبح حقيقة. وبجانب وزارة المالية يظل مصير وزارة الدفاع مجهولاً، خاصة أن قادة الجيش، وفي مقدمتهم القائد العام الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لم يعلن عن موعد انتقالهم وطواقمهم الإدارية إلى الخرطوم بعد.
هل يفي بالوعد؟
بداية حكومة كامل إدريس كانت في غاية الارتباك، حيث تأخر تشكيلها أكثر مما هو متوقع، ثم اعتذر وزير الصحة بعد إعلان اسمه ضمن قائمة الوزراء، وحادثة وزير الثروة الحيوانية مثلت قمة الارتباك، إذ اكتُشِف بعد تعيينه بأنه ذو صلة بإدارة الدولة في الإمارات التي تصنفها حكومة بورتسودان عدواً. وفي حديث للصحفيين في القاهرة أكد كامل للصحفيين “أنه تم تغييره بوزير آخر”، ولكن بعد أيام قليلة من تأكيدات رئيس الوزراء جاء الوزير وأدى اليمين الدستورية وزيراً للثروة الحيوانية. لذلك فإن شكوكا عظيمة تكتنف قدرة كامل إدريس على الإيفاء بما وعد، خاصة أن هذه الشكوك مسنودة بقرائن تؤكد أن العودة سياسية، اختيرت لها العاصمة بينما ولايات كثيرة تشتعل فيها نيران الحرب وتعيش الموت والدمار والنزوح، لذلك تظل عودة حكومة إدريس عودة على هامش الحرب.