الحزب الشيوعي السوداني: عبقرية التنظيم وعقدة “الخطوة الأخيرة”
الطيب أبوكروك
يعتبر الحزب الشيوعي السوداني ظاهرة استثنائية في تاريخ الفكر السياسي السوداني، إذ لا يمكن لأي باحث أن يتجاوز تجربته، كونه الحزب الذي أرسى دعائم العمل التنظيمي والجبهوي، وظل لعقود بمثابة البوصلة الراديكالية التي ترفض المساومة مع الدكتاتوريات، والماكينة التي لا تهدأ في تحريك الشارع. ومع ذلك، يبرز مع كل منعطف تاريخي تساؤل ملح حول هذا التناقض بين براعة الحزب في قيادة الدفة نحو التغيير، وبين اختياره القفز من السفينة في اللحظات التي تتطلب ممارسة السلطة وإدارة تعقيداتها.
هذا السلوك، الذي اتضح جلياً منذ انفجار ثورة ديسمبر 2018، يكشف عن نمط متكرر يثير الحيرة؛ فالحزب الذي يمثل المحرك الأساسي في الميدان عبر لجان المقاومة والعمل النقابي، يكون هو أول من يغادر منصات التحالف السياسي، كما تجسد في انسحابه الشهير من قوى الحرية والتغيير. ولا يمكن تفسير هذا الموقف بالخوف من المسؤولية بمعناها المجرد، بل هو نابع من سيكولوجية النقاء الثوري وفوبيا التدجين السياسي، حيث يخشى الحزب التحول إلى مجرد محلل لسياسات لا تتسق مع آيديولوجيته، مثل روشتات البنك الدولي أو المحاصصات مع المكون العسكري، فيفضل مقعد المعارضة النظيف على مقعد السلطة المتسخ بالتنازلات.
وفي هذا السياق، يقع الحزب في فخ شعار التغيير الجذري كبديل لما يصفه بالهبوط الناعم، وهو الشعار الذي – رغم صداه الواسع لدى القواعد الشبابية – يصطدم بصخرة البراغماتية وفن الممكن. إن إصرار الحزب على سقوفه المرتفعة في لحظات التفاوض الحرجة يجعله يبدو غير واقعي في نظر شركائه المحليين والدوليين، مما يطرح إشكالية كبرى حول ما إذا كان هذا الانسحاب ثباتاً على المبدأ أم عجزاً عن المناورة داخل مؤسسات الدولة التي تفرض بطبيعتها قدراً من المساومة.
ولا تبدو اللحظة الراهنة، رغم قتامتها، استثناءً من هذه القاعدة التاريخية؛ ففي ظل الحرب الدائرة منذ أبريل 2023، وما تسرب من كواليس “منبر جدة” أو المبادرات الإقليمية حول العودة لمسار مدني عبر تسوية تجمع بين أطراف عسكرية ومدنية، يجد الحزب الشيوعي نفسه أمام الاختبار ذاته ولكن بحدّة مضاعفة.
تُشير المعطيات الحالية إلى أن الحزب قد حسم أمره مبكراً برفض أي صيغة “هبوط ناعم” جديدة قد تُعيد إنتاج الشراكة مع المكون العسكري، أو تمنح شرعية لأطراف الصراع. فبالنسبة له، هذه الحرب هي “حرب عبثية” يغذيها الطموح السلطوي لجنرالات اللجنة الأمنية للنظام البائد، لذا فإن موقفه المبدئي يتبلور في رفض أي تسوية لا تؤدي إلى خروج المؤسسة العسكرية تماماً من العملية السياسية والاقتصادية وإقرار مبدأ المحاسبة الشاملة، وهي شروط تفتقر إليها معظم التسويات البراغماتية المطروحة حالياً.
إن الإجابة على سؤال “هل سيرفض أم سيتنازل؟” تكمن في قراءة سلوك الحزب الذي يرى أن أي تنازل اليوم ليس مرونة سياسية، بل هو انتحار ثوري وتسليم للبلاد لقمة سائغة لنظام المحاصصات. ومع ذلك، يواجه الحزب تحدياً وجودياً؛ فخطه الصدامي في زمن الحرب قد يؤدي إلى عزلة سياسية لصالح تحالفات أوسع تتبنى خطاب “وقف الحرب أولاً” كأولوية تسبق استكمال أهداف الثورة. بينما يرفض الحزب فصل وقف الحرب عن هزيمة مسببيها، مما يجعله في حالة قطيعة مع معظم القوى المدنية التي تهرول نحو طاولة المفاوضات.
تؤدي هذه التداعيات بالضرورة إلى نوع من العزلة. فعندما يقرر الحزب الانسحاب في الدقائق الأخيرة من عمر التوافقات، فإنه يترك الساحة لقوى قد تكون أقل تنظيماً أو أكثر ميلاً للمساومة، مما يضعف الجبهة المدنية، ويحوِّل الحزب من لاعب أساسي في صنع القرار إلى ناقد خارجي يفقد القدرة على التأثير المباشر في السياسات العامة.
وفي الختام، يظل الحزب الشيوعي السوداني بتاريخه الحافل وصموده الأسطوري مطالباً بالإجابة على سؤال الجدوى، إذ إن الثورات لا تُبنى بالشعارات الراديكالية وحدها، بل بالقدرة على اجتراح الحلول من داخل أجهزة الدولة، والتحول من عقلية المقاومة إلى عقلية الحكم عبر مانيفستو يزاوج بين المبدئية والمرونة اللازمة لإدارة دولة بتعقيدات السودان، كي لا يظل دائماً هو المعلم الذي يوقد الشعلة ثم يترك لغيره مهمة الطبخ على نارها.