تطورات السودان “مقاربة بين إعادة الهيكلة والتحول السياسي، وأولوية استمرار الدولة ومنع الانهيار”

تطورات السودان

“مقاربة بين إعادة الهيكلة والتحول السياسي، وأولوية استمرار الدولة ومنع الانهيار”

د.محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي

 

مقدمة مرئية

 

تأتي التحركات الإقليمية الأخيرة لرئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في سياق بالغ التعقيد، يتداخل فيه الصراع المسلح الداخلي مع مساعٍ إقليمية ودولية لإعادة ضبط مسار الدولة السودانية. وقد تزامنت زيارات البرهان إلى المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية مع تصاعد الجهود الأمريكية واللجنة الرباعية الرامية إلى وقف الحرب وبلورة ترتيبات انتقالية جديدة. وفي هذا الإطار، تكتسب تصريحات البرهان حول التعاون مع المقترحات الأمريكية، وكذلك إعلان مصر التمسك باتفاقية الدفاع المشترك، دلالات تتجاوز بعدها الثنائي، لتلامس طبيعة الصراع على شكل الدولة ومستقبل السلطة في السودان.

 

(1)

الربط بين التحركات المكوكية للبرهان: زيارة السعودية وزيارة مصر

تعكس التحركات المكوكية للبرهان بين الرياض والقاهرة محاولة مدروسة لإعادة تموضعه داخل شبكة التفاعلات الإقليمية والدولية. فزيارة السعودية، بوصفها أحد مراكز الثقل في الوساطة الدولية وواجهة للتنسيق الأمريكي في الملف السوداني، تشير إلى انخراط محسوب في المسار الدولي الساعي إلى وقف إطلاق النار. في المقابل، تمثل زيارة مصر ركيزة إقليمية مختلفة، تقوم على أولوية استقرار الدولة والحفاظ على المؤسسة العسكرية بوصفها عمودها الفقري. هذا التسلسل في الزيارات يوحي بمحاولة الجمع بين مسارين متوازيين: مسار دولي ضاغط، ومسار إقليمي داعم، بما يمنح البرهان هامش مناورة أوسع في مواجهة الضغوط المتعارضة.

(2)

إعلان البرهان موافقته على التعاون مع المقترحات الأمريكية

يمكن قراءة إعلان البرهان استعداده للتعاون مع المقترحات الأمريكية في إطار ما يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ”الاستجابة التكتيكية للضغوط”. فالقبول المبدئي لا يعكس بالضرورة تبنيًا كاملًا للرؤية الأمريكية، بقدر ما يعكس إدراكًا لكلفة الرفض الصريح وما قد يترتب عليه من عزلة سياسية واقتصادية. وعليه، فإن هذا الإعلان يبدو أقرب إلى محاولة لإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، وتخفيف حدة الضغوط، دون الالتزام بتحولات بنيوية عميقة تمس موقع الجيش أو شبكة النفوذ القائمة داخله.

(3)

زيارة البرهان لمصر عقب عودته من السعودية

تكتسب زيارة البرهان إلى القاهرة، عقب عودته مباشرة من السعودية، أهمية خاصة من حيث توقيتها ودلالاتها السياسية. فهي تعكس انتقالًا من مرحلة التفاعل مع المبادرات الدولية إلى مرحلة تحصين الموقف عبر شريك إقليمي يمتلك تصورًا مغايرًا لمسألة الانتقال السياسي. كما تحمل الزيارة رسالة ضمنية مفادها أن أي تسوية مستقبلية لا يمكن أن تتجاهل المصالح المصرية المرتبطة بأمن الحدود، ووحدة الدولة السودانية، وتوازنات الإقليم، بما يعزز موقع القاهرة كفاعل لا غنى عنه في أي ترتيبات قادمة.

(4)

إعلان مصر التمسك باتفاقية الدفاع المشترك: الدلالات، البنود، وحدود التدخل العسكري

يمثل إعلان مصر التمسك باتفاقية الدفاع المشترك مع السودان خطوة ذات أبعاد مركبة، تتجاوز الإطار الخطابي أو التضامني، لتؤسس لمرجعية قانونية–سياسية تعيد ضبط موقع القاهرة في معادلة الأزمة السودانية. فالاتفاقية، الموقعة عام 1976، تنطلق من مبدأ جوهري مفاده أن أمن كل من الدولتين يُعد جزءًا لا يتجزأ من أمن الأخرى، وهو مبدأ يمنح مصر أساسًا قانونيًا للانخراط في الشأن السوداني دون الحاجة إلى تفويض دولي مسبق، طالما جرى ذلك بطلب أو بموافقة السلطة الشرعية في الخرطوم.

من حيث “البنية القانونية”، لا تنص اتفاقية الدفاع المشترك على تدخل عسكري تلقائي أو آلي، بل تؤسس لثلاثة مستويات متدرجة من الالتزام:

أولها “التشاور والتنسيق” عند تعرض أحد الطرفين لتهديد أمني جسيم، وثانيها “تقديم المساندة بأشكالها المختلفة” وفق ما يتفق عليه الطرفان، وثالثها –وهو الأشد– “المعاونة العسكرية” في حال وقوع اعتداء مسلح خارجي يهدد سلامة أراضي أحد البلدين أو سيادته. وبهذا المعنى، فإن الاتفاقية لا تمنح غطاءً مفتوحًا لتدخل عسكري مباشر في نزاع داخلي، إلا إذا جرى تأطير هذا النزاع بوصفه تهديدًا وجوديًا للدولة أو امتدادًا لعدوان يمس الأمن القومي المشترك.

أما من حيث “حدود التدخل العسكري”، فإن الاتفاقية تضع قيودًا ضمنية مهمة. فهي تفترض وجود سلطة دولة قائمة وقادرة على طلب الدعم، كما تفترض أن يكون الهدف من أي تحرك عسكري هو حماية الدولة ومؤسساتها، لا الانحياز لطرف سياسي أو أيديولوجي بعينه. وبالتالي، فإن استخدامها لتبرير تدخل مباشر يظل مشروطًا بثلاثة عناصر متلازمة: شرعية الجهة الطالبة، وطبيعة التهديد، ومدى ارتباطه بالأمن القومي للطرف الآخر.

في السياق السوداني الراهن، يُفهم الإعلان المصري على أنه “توسيع لهامش الردع السياسي” أكثر منه إعلانًا لنوايا عملياتية. فالقاهرة، عبر استدعاء الاتفاقية، تسعى إلى إرسال رسالة مزدوجة: الأولى موجهة إلى الفاعلين الدوليين، ومفادها أن أي تسوية تتجاهل مركزية الجيش أو تفتح الباب أمام تفكك الدولة ستصطدم بإطار قانوني قائم؛ والثانية موجهة إلى الفاعلين الداخليين، خاصة القوى المسلحة غير الدولتية، بأن استمرار تهديد وحدة السودان قد يستدعي تفعيل أدوات إقليمية مشروعة.

وبناءً عليه، فإن القراءة الأرجح لبنود الاتفاقية تشير إلى أن أي تدخل عسكري مصري مباشر –إن حدث– سيكون ذا طبيعة محدودة ووظيفية، يندرج ضمن دعم استعادة الدولة لسيطرتها على أراضيها ومؤسساتها، وليس ضمن إدارة صراع داخلي متعدد الأطراف. كما أن الاتفاقية لا توفّر غطاءً قانونيًا لتدخل يستهدف إعادة تشكيل التوازنات السياسية الداخلية أو فرض نموذج حكم بعينه، بل تظل محكومة بمنطق الحفاظ على الدولة ومنع انهيارها.

وعليه، فإن إعلان مصر التمسك باتفاقية الدفاع المشترك لا ينبغي فهمه باعتباره تصعيدًا عسكريًا وشيكًا، بل كأداة لضبط المجال التفاوضي، وتحديد سقوف التحول المقبول، والتأكيد على أن استقرار السودان –من منظور القاهرة– ليس مسألة داخلية بحتة، بل جزء من معادلة أمن إقليمي أوسع.

(5)

سكوت البرهان عن إعلان مصر

يكتسب صمت البرهان إزاء الإعلان المصري دلالة تحليلية لا تقل أهمية عن التصريحات المعلنة. فهذا الصمت يعكس وعيًا بحساسية التوازن بين الشريكين الدولي والإقليمي. فالتأييد العلني للموقف المصري قد يُفسَّر باعتباره انحيازًا صريحًا ضد المسار الأمريكي، في حين أن التحفظ أو الرفض سيقوّض أحد أهم مصادر الدعم الإقليمي للبرهان. وعليه، يمكن تفسير الصمت باعتباره خيارًا استراتيجيًا يتيح الاستفادة من الدعم المصري دون تحمل تبعاته الدبلوماسية المباشرة.

(6)

على افتراض التدخل والدعم العسكري المصري المباشر: ضد من؟

إذا افترضنا، على سبيل التحليل، سيناريو تدخل أو دعم عسكري مصري مباشر، فإن طبيعة هذا التدخل ستكون على الأرجح محدودة الهدف والوظيفة. فمن غير المرجح أن يكون موجّهًا ضد التيار الإسلامي داخل القوات المسلحة في حال تحركه انقلابيًا، إذ تنطلق المقاربة المصرية من مبدأ احتواء الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة لا تفجير صراع داخلي قد يؤدي إلى تفكك الجيش. في المقابل، يبدو السيناريو الأكثر اتساقًا مع المصالح المصرية هو توجيه أي دعم محتمل ضد قوات الدعم السريع، في إطار استعادة سيطرة الدولة على الأقاليم الغربية، ولا سيما دارفور وكردفان، ومنع ترسيخ واقع مليشياوي أو تقسيمي يهدد وحدة السودان واستقراره الإقليمي.

(7)

خاتمة

في ضوء ما تقدم، يتضح أن تحركات البرهان والمواقف المصرية لا يمكن فهمها بمعزل عن صراع أوسع بين مقاربتين متنافستين لإدارة الأزمة السودانية: مقاربة دولية تركز على إعادة الهيكلة والتحول السياسي، ومقاربة إقليمية تعطي الأولوية لاستمرار الدولة ومنع الانهيار.

وبين هاتين الرؤيتين، يسعى البرهان إلى تعظيم هامش المناورة، بينما تعمل مصر على تثبيت خطوط حمراء تحكم أي تسوية محتملة. وسيظل مستقبل المسار السوداني مرهونًا بمدى القدرة على التوفيق بين متطلبات التغيير وضمانات الاستقرار، دون التضحية بوحدة الدولة أو إغفال جذور الأزمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *