الحل السياسي في السودان: سنوات التيه والعودة إلى الإطاري

د. محمد الواثق عبد الحميد الجريفاوي

 


السؤال الذي يطارد أطراف الحرب لو قُدِّر للسودانيين أن يوجِّهوا سؤالاً واحداً إلى طرفي الحرب بعد أكثر من ثلاث سنوات من الدم والخراب والنزوح، فربما كان السؤال الأبسط والأكثر إيلاماً هو: ماذا تقولون اليوم غير ما كان مطروحاً قبل اندلاع الحرب؟.

خطابات العيد ومفارقة العودة إلى نقطة البداية

في خطابي عيد الأضحى، بدا الفريق أول عبد الفتاح البرهان والفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) حريصين على الحديث عن المستقبل أكثر من استدعاء الماضي. ورغم التباين الواضح في الروايات السياسية والعسكرية، فإن المتأمل في الخطابين يلحظ مفارقة يصعب تجاهلها: فكثير من القضايا التي يجري الحديث عنها اليوم هي ذاتها القضايا التي كانت مطروحة قبل الحرب، ووجدت تعبيرها السياسي الأبرز في الاتفاق الإطاري.

المعارضة للإطاري… والعودة إليه من طرق مختلفة

غير أن المفارقة الأكبر لا تتعلق بطرفي الحرب وحدهما، بل تمتد إلى القوى السياسية التي ظلت طوال السنوات الماضية تدور بين القاهرة وبرلين وأديس أبابا وغيرها من العواصم، تعقد الاجتماعات وتوقّع المواثيق وتطرح المبادرات، تلك القوى التي كانت من أشد المعارضين للاتفاق الإطاري، وبعضها اصطف مع انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، ثم انتقل لاحقاً إلى الاصطفاف مع الجيش في مواجهة قوات الدعم السريع. لكن النتيجة النهائية تبدو واحدة: الجميع (لفّوا ولفّوا)، واختلفت الطرق والمسارات والشعارات، ثم عادوا إلى النقطة نفسها التي كانوا يقفون عندها قبل اندلاع الحرب.

الاتفاق الإطاري: نص قابل للنقد.. أم إطار للقضايا الجوهرية؟

لم يكن الاتفاق الإطاري نصاً مقدساً، ولم يكن خالياً من العيوب والثغرات، فقد تعرض لانتقادات واسعة ومشروعة من قوى سياسية ومدنية عديدة، غير أن جوهره كان يدور حول قضايا أساسية: الانتقال إلى الحكم المدني، وإنهاء الانسداد السياسي، وإصلاح المنظومة الأمنية والعسكرية، ومعالجة تعدد مراكز القوة المسلحة داخل الدولة، وفتح الطريق أمام عملية سياسية تقود إلى الاستقرار.

الحرب لم تنتج أسئلة جديدة

هذه القضايا نفسها هي التي ما تزال مطروحة اليوم بعد الحرب. فما الذي أضافته الحرب على مستوى الأسئلة الكبرى؟ وأي أجندة جديدة أنتجتها بعد كل هذه التضحيات والكلفة الباهظة؟ الشاهد أن الحرب قد انفجرت أصلاً حول التناقضات المرتبطة بهذه الملفات، لكن المدهش أنها لم تنجح في حسم أي منها، بل على العكس، أعادت فرضها بقوة أكبر. فالحديث اليوم عن الدولة السودانية الواحدة، وعن الجيش المهني الموحد، وعن إعادة بناء المؤسسات، وعن الحكم المدني، وعن الحل السياسي الشامل، ليس سوى عودة إلى العناوين نفسها التي كانت مطروحة قبل إطلاق الرصاصة الأولى.

عندما تفشل الحرب في حل ما عجزت عنه السياسة

لقد أثبتت الحرب حقيقة بالغة القسوة: أن المشكلات التي عجزت السياسة عن حلها لم تستطع الحرب حلها أيضاً. بل إن الحرب جعلتها أكثر تعقيداً، وأكثر كلفة، وأكثر إيلاماً.

من معادلة الإلغاء إلى ضرورة التعايش

بعد آلاف القتلى وملايين النازحين واللاجئين، وبعد دمار المدن والبنى التحتية وتمزق النسيج الاجتماعي، لم يعد النقاش يدور حول من يستطيع إلغاء الآخر، بل حول كيفية التعايش داخل دولة واحدة، وكيفية بناء مؤسسة عسكرية موحدة، وكيفية استعادة العملية السياسية. وهي كلها أسئلة كانت مطروحة قبل الحرب، وكانت محوراً رئيسياً في الجدل الذي أحاط بالاتفاق الإطاري. وهنا تكمن المفارقة الموجعة.

رحلة طويلة بين العواصم للعودة إلى المكان نفسه

فما جرى لم يكن انتقالاً من مشروع سياسي إلى مشروع آخر، ولا من رؤية إلى رؤية مغايرة. بل كان انتقالاً من السياسة إلى الحرب، ثم عودة مضنية إلى السياسة. وكأن السودان سار في طريق طويل ومكلف، ودفع ثمناً وطنياً وإنسانياً هائلاً، ثم عاد إلى حيث كان يقف عند البداية.
ولعل أكثر ما يثير الأسى أن السودان لم يكتفِ بالدوران داخل حدوده، فقد انتقلت الأزمة بين المنابر والعواصم والمواثيق والمبادرات، وتبدلت التحالفات والاصطفافات والمواقف، لكن الأسئلة الجوهرية ظلت هي نفسها. لقد لفّ السودانيون مع أطراف الصراع في دائرة واسعة امتدت من الخرطوم إلى القاهرة وأديس أبابا وبرلين وغيرها من العواصم، وعبرت فوق الدماء والخراب والنزوح، ثم انتهت إلى المكان ذاته.

القضية ليست صحة الإطاري بل كلفة تجاهله

لم تعد القضية اليوم ما إذا كان الاتفاق الإطاري صحيحاً أو خاطئاً، بل لماذا احتاج الجميع إلى حرب مدمرة حتى يعودوا إلى الأسئلة نفسها التي كان يطرحها قبل اندلاعها.؟
ليس المقصود من ذلك الادعاء بأن الاتفاق الإطاري كان حلاً كاملاً أو وصفة سحرية لأزمات السودان المعقدة، كما لا يعني تجاهل نواقصه أو الانتقادات التي وُجّهت إليه. لكن من الصعب إنكار أن كثيراً من الأفكار التي تُطرح اليوم باعتبارها مداخل لإنهاء الحرب ليست سوى إعادة إنتاج للأفكار نفسها التي كانت مطروحة قبلها.

الدرس الأكبر: السياسة أقل كلفة من الحرب

ولذلك فإن الدرس الأهم الذي ينبغي أن يخرج به السودانيون من هذه المأساة هو أن السياسة، مهما كانت بطيئة ومحبطة ومليئة بالتسويات المؤلمة، تظل أقل كلفة من الحرب. وأن الخلافات التي كان يمكن إدارتها حول طاولة التفاوض تحولت، بسبب الرهان على القوة، إلى كارثة وطنية دفعت البلاد ثمنها من أرواح أبنائها ومستقبلها.

لا مخرج من الأزمة السودانية إلا بالسياسة

بعد الزلزال الذي ضرب السودان، يبدو أن الجميع عادوا، بدرجات متفاوتة، إلى الحقيقة نفسها التي كانت قائمة قبل اندلاع الحرب: لا مخرج من الأزمة السودانية إلا بالسياسة.

الخاتمة: الجميع لفّوا ولفّوا ثم عادوا إلى الإطاري

ثلاث سنوات من الحرب لم تُسقط أسئلة الاتفاق الإطاري، بل أعادتها أكثر إلحاحاً. لقد دار الجميع دورة كاملة حول المأساة السودانية؛ من السياسة إلى الحرب، ومن الحرب إلى السياسة، ثم عادوا إلى النقطة نفسها التي كان يمكن أن يبدأ منها الحوار منذ البداية. وربما تكون هذه هي الخلاصة الأكثر مرارة في المشهد السوداني كله: أن الجميع لفّوا ولفّوا، ثم عادوا إلى الإطاري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *