ذكرى ميلاد صحيفة (ديسمبر).. الصحافة في مرحلة الطباعة ثلاثية الأبعاد

ذكرى ميلاد صحيفة (ديسمبر).. الصحافة في مرحلة الطباعة ثلاثية الأبعاد

 إبراهيم حمودة، صحفي وناقد 

 

حضرت قبل سنوات معدودة مضت، مؤتمراً عن مستقبل الصحافة والصحف في زمن الحقبة الرقمية والتضييق على الحريات الصحفية من قبل العديد من الدول ومنها المجر نفسها الدولة المضيفة للمؤتمر.

الواضح من خلال مداولات وأعمال هذا المؤتمر هو مأزق الصحافة الورقية والمؤسسات الصحافية الأخرى على الشبكة العالمية، من ناحية مالية، من ناحية حريات، ومن ناحية المنافسة القادمة من منابر التواصل الاجتماعي والمنابر الرقمية الأخرى.

صرت أشبِّه وضع الصحافة “التقليدية” المتعارف عليها؛ مؤسسة صحفية لها إدارة ورئاسة وهيئة تحرير وصحفيون يعلمون في مجال البحث عن الحقيقة ببداية الصناعات الحديثة والنقلة التي حدثت فيها بتدخل علم الإدارة في تطوير وزيادة الإنتاج، مثل السير المتحرك الذي اعتمدته شركة فورد في العشرينيات من القرن الماضي، بحيث يقف كل عامل حسب دوره في تجميع المنتج، وليس كما في السابق حين كان العمال كلهم ينشغلون بمنتج واحد دون أدوار وترتيب محدد.

في الحقبة الرقمية الحالية ومنابر الفرد الواحد التي تتحكم في الملايين أيضاً باسم الحقيقة وإنتاجها يمكن لشخص مثل دونالد ترمب أن ينشئ منبره الخاص به “تروث سوشيال” لينشر ما أراد من أخبار ومزاعم تصوِّر الحقيقة كما يراها ويتصورها هو. هذه النقلة في إنتاج المحتوى من الشكل الجماعي للفردي المحض، يمثل عملية القفزة التي ألغت السير المتحرك ونحت نحو نموذج الطباعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج منتج، أو بضاعة بعينها، بشكل مستقل عن العملية الجماعية في الإنتاج بشكله المتعارف عليه، التي توازيها هنا العملية الجماعية في صالة التحرير لتعقب الحقيقة في عالم الصحافة التقليدية.

مأزق الصحافة اليوم ومهدِّدها الأساسي في نظري هو تحول المتلقي (القارئ، المشاهد، المستمع) إلى مستهلك يتجول فيما يشبه المجمع التجاري الكبير للحصول على حاجته من الحقيقة كما يتصورها ويريدها هو، وليس كما هي في الواقع حسب الحقائق والوقائع الملموسة التي لا يختلف عليها اثنان.

يحدث ذلك بدعم كبير وتوجيه من خوارزميات منابر التواصل الاجتماعي الكبيرة من فيسبوك وأكس – تويتر سابقاً، إنستغرام وغيرها التي تعرض عليك المحتوى بناءً على نتائج البحث الخاص بك، أو المحتوى الذي تنقر عليه وتتصفحه. وهو نموذج الكسب المالي الذي تعتمد عليه هذه المنابر التي يعتقد أصحابها أن الحريات الفردية غير المحددة بأي سقف هي القيمة المنشودة، بغضِّ النظر عن الخراب الذي يمكن أن تحدثه إزالة مثل هذا السقف. نموذج ناصع هنا هو إلغاء “إيلون ماسك” حال شرائه منصة تويتر وتحويلها إلى أكس، إلغاء الفريق الذي يمارس الرقابة على صحة المحتوى وسلامته من أشياء مثل خطاب الكراهية والأخبار المفبركة، في رسالة مفادها أن الجميع مسئول عن حقيقته الخاصة وتصورها واستهلاكها، وأن خطاب الكراهية والتمييز جزء من حرية التعبير التي يجب ألّا تحدها حدود، وهي ذات المرافعة التي تستخدمها أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا الغربية والجماعات ذات النزعات العنصرية والأحزاب السياسية التي وصل بها الأمر في هولندا مثلا للمطالبة بإلغاء المادة الأولى من الدستور التي تنص على المساواة بغض النظر عن الجنس اللون العرق أو الدين.

الحقيقة صارت وأمست وباتت منتجاً استهلاكياً في المرحلة الراهنة، والأفراد يستهلكون ما يروقهم. حدوث هذه الحقيقة ليس بالوحي والإلهام ولا بالاكتشاف العلمي، ولكن بمفعول السوق الذي خلقته الشركات الرقمية العملاقة، مبعثها الشاشات التي تبحلق فيها الجموع البشرية التي تغذيها الخوارزميات وكم المعلومات الخام الهائل. نظرة عابرة لفضاء ما يسمونه بالمؤثرين على مستوى فضاء الميديا السوداني تكشف عن انجرار مئات الآلاف من المتابعين لمحتويات غارقة في خطاب الكراهية والمعلومات الكاذبة المضللة والداعية لخيارات ليست لها علاقة بالحرية والتحول الديمقراطي والمساواة، الشعارات التي قامت عليها ثورة ديسمبر.

مؤسساتنا الصحفية التي تسعى للمحافظة على نموذج الاستقلالية المالية، ولا أقول الكسب، أمام مفترق طرق خياراته صعبة. يمكنها أن تفرض نوعاً من المقابل المادي المعلوم نظير الدخول لمواقعها على شبكة الإنترنت، من أجل الحفاظ على محتوى صحفي جيد. ولكن المعضلة أن الغالبية التي تستطيع الوصول لشبكة الإنترنت لا تبحث عن محتوى جيد بالضرورة للأسباب التي أشرت إليها سابقاً. الخيار الآخر هو التكتل والاتحاد من أجل خفض تكلفة (العمل)، ولكن طبيعة المرحلة المتشظية واختلاف زوايا النظر والتصورات حول الحقيقة وترتيب الأولويات والخيارات الصحفية يجعل من هذا الأمر مهمة صعبة.

لدينا نموذج في أوروبا الغربية يتمثل في استخدام أموال دافع الضرائب في تمويل قنوات ومؤسسات صحفية تعمل من أجل المصلحة العامة، وتتبنى القيم التي تخدم تماسك المجتمع مثل المساواة والشفافية والدفاع عن الحريات العامة وحقوق المستهلك نظير الشركات الكبرى والحفاظ على البيئة وعلى مصير الأرض. ولكن دولة الحريات عندنا ما تزال بعيدة المنال، وحتى لو تحققت لا أحد يضمن أن تكون مسألة الصحافة الجادة أولوية بالنسبة لها في الفترة الأولى.

على مستوى آخر، أياً كان النموذج الذي تتبناه الصحافة الجادة في سبيل أداء مهمتها ورسالتها في الكشف عن الحقيقة وتقصّيها داخل الآلة الرقمية العظيمة التي تسعى لإغراق محيط الشبكة العالمية بكمٍّ هائل من المعلومات يتطلب فرزها وفحصها مهارة رقمية لا تتوفر لمتوسط المستخدم العادي للشبكة، تبرز تحديات إعداد الصحفيين ذاتهم لإجراء مثل هذا الفحص المستمر. علماً بأن جمهرة كبيرة من الصحفيين تعتقد أن مقالات الرأي هي العمل الصحفي ذاته حصراً، ولا تنشغل بمسألة الفحص هذه. إضافة إلى أن الاعتماد على إمكانيات مثل الذكاء الاصطناعي يستدرج المستخدمين لفخ الدكتاتورية الرقمية، بحيث يتولى الذكاء الاصطناعي وماكيناته تدوير مقولات وافتراضات شائعة مكررة يتم استخدامها كثيراً على أنها حقائق، الأمر الذي قد يكون نوعاً من (أمراض الطفولة) التي تعاني منها هذه التقنية في مرحلتها الحالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *