سيادة الكلمة ومعركة الوعي القومي
وليد عنبوور
لا تكتمل معارك السلاح في السودان إلا بمعارك الرواية؛ وهنا تقف الصحافة السودانية كحائط صد أخير في مواجهة التشظي، حيث تتجاوز وظيفتها التقليدية لتصبح هي الضامن لصناعة وعي وطني قادر على كشف زيف مراكز الاستقطاب التي تسعى لابتلاع الحقيقة وسط ضجيج الرصاص. إن الحرب لا تدار بالسلاح وحده، لكنها تدار كذلك عبر السيطرة على الرواية وتوجيه المعنى داخل فضاء عام يتعرض للتشظي تحت ضغط الاستقطاب الحاد الذي يحاول تدجين القلم وتحويله إلى بوق لخدمة اقتصاديات الحرب والنهب المنظم. وهنا تكتسب استقلالية الصحافة معنىً وجودياً يرتبط مباشرة بمصير الدولة والمجتمع حيث يصبح استقلال المؤسسة الإعلامية ضرورة لتفكيك بنية شبكات المصالح والانتهازيين الذين يسعون لتحويل الإعلام إلى امتداد مباشر لطرفي الصراع، بما يؤدي إلى تشويه الحقيقة وتكريس الانقسام المجتمعي.
إن أخطر ما تواجهه الصحافة اليوم هو ظاهرة الأقلام التي تخندقت خلف أجندة طرفي الصراع، وتحولت إلى منصات للتبرير والتجميل من أجل مصالحهم دون النظر لقيمة حق الحياة لهذا الشعب في الأمن والاستقرار؛ وذلك بتدجين المشهد لصالح فئات متحكمة في مراكز قرار الحرب دون المساس بالقضايا الجوهرية. فمثلاً أيهما أخطر؛ صراع في قضايا ثانوية أو مواجهة تدفق السلاح مع المخدرات في منافذ حدودية شرقية وغربية؟.
وفي عدد من النقاشات العامة والتقارير غير الرسمية التي تتداولها بعض الأوساط؛ تبرز إشارة إلى أن ملف الاقتصاد الموازي المرتبط بعمليات التهريب عبر بعض المنافذ الحدودية بما في ذلك السلاح والمخدرات وموارد أخرى ما يزال يثير جدلاً واسعاً حول طبيعة الشبكات المستفيدة منه.
وتشير بعض القراءات التحليلية إلى احتمال تقاطع هذه الأنشطة مع مصالح قوى نافذة داخلية وإقليمية في مناطق مختلفة من البلاد، من بينها نطاق البحر الأحمر ومحيطه الإستراتيجي دون وجود معطيات قضائية حاسمة أو شفافة حتى الآن تؤكد أو تنفي هذه المزاعم بشكل نهائي.
ويلاحظ مراقبون أن غياب الشفافية وضعف الإفصاح العام يفتح المجال أمام تضارب الروايات وتعدد القراءات، وهو ما ينعكس على قدرة الإعلام في التعامل مع هذه الملفات الحساسة ويثير نقاشاً مهنياً حول حدود التناول الصحفي في ظل بيئة تتسم بالتعقيد الأمني والسياسي.
هذا الواقع ينعكس بشكل مباشر على أداء بعض المنابر الإعلامية التي يراها مراقبون جزءاً من الأزمة أكثر من كونها أداة لكشفها.
هذا النوع من الصحافة الارتزاقية يمثل السقوط المهني الأكبر، حيث يتم استبدال ميثاق الشرف الصحفي بصكوك التبعية التي تساهم في إطالة أمد المأساة وتعميق جراح الوطن وتغييب صوت الحقيقة وسط ضجيج الرصاص، والخطر الأكبر لا يكمن في القيود الخارجية وحدها، لكنه يكمن كذلك في تآكل معيار الاستقلال داخل المهنة نفسها حين تتراجع قيم المهنية أمام اعتبارات الولاء والانتماء الضيق، وهو المسار الذي يهدد قدرة المجتمع على إنتاج وعي مشترك يمكن الاعتماد عليه في مرحلة إعادة البناء.
استعادة وظيفة الصحافة كسلطة رقابية مستقلة تشكل ضرورة لإعادة تنظيم المجال العام على أسس تقوم على كشف الحقيقة ومساءلة الفاعلين وتفكيك بنية الصراع، مع الحفاظ على مسافة نقدية من جميع الأطراف. وتبرز في مثل هذه اللحظات أهمية استحضار النماذج المهنية التي خاضت مسارات صعبة من التحول والمراجعة، وانتقلت من دوائر الانتماء الضيق إلى فضاء أوسع يقوم على الاستقلال المهني وإعادة تعريف العلاقة بين القلم والواقع الوطني. وضمن هذا المسار الذي يستوجب الدعم والالتفاف الشعبي تبرز تجربة الصحفي “أشرف عبد العزيز” كحالة مهنية تستحق المناصرة من خلال الدعم والدعوات والأمنيات له في محنته الصحية الراهنة، باعتباره من الأقلام التي اختارت الانعتاق من القيود والارتقاء إلى فضاء النزاهة الأخلاقية التي تضع السيادة الوطنية وكشف الفساد والتلاعب والخيانة ونصرة المستضعفين والسودانيين فوق كل اعتبار. إن الوقوف مع هؤلاء الصامدين هو في جوهره وقوف مع مبدأ الصحافة الحرة وحماية لجيل كامل من الإعلاميين الباحثين عن موطئ قدم للحقيقة وسط هذا الزيف.
إن مرحلة ما بعد الحرب تضع الإعلام السوداني أمام تحدِّ مركزي يتعلق بالانتقال من إعلام الصراع إلى إعلام البناء، وتفكيك خطاب الكراهية والتشظي المجتمعي الذي زرعته سنوات الشمولية وغذَّته نيران الحرب. الدور الجوهري للصحافة في المرحلة المقبلة هو ترميم النسيج الاجتماعي المهترئ عبر دعم الرؤى نحو الوطنية الجامعة التي تتجاوز الاستقطابات العرقية والجهوية التي تم استغلالها كوقود للدمار.
إن صناعة المستقبل السوداني ترتبط عضوياً بمدى قدرة الصحفيين على الحفاظ على استقلالهم المالي والتحريري ليكونوا حائط الصد الأول أمام محاولات إعادة إنتاج خطاب الفتنة.
في نهاية هذا الواقع المليء بالانكسارات والأسئلة الثقيلة تبقى الكلمة الصادقة هي ما يتشبث به السودانيون حين تضيق الأرض بما رحبت، وتبقى الصحافة، رغم ما يحيط بها من ضغط واستقطاب، مساحة للضمير الحي الذي يحاول أن يحفظ شيئاً من المعنى وسط هذا الركام.
وفي لحظة إنسانية صحية يمر بها الأستاذ “أشرف عبد العزيز” يتجدد معنى أن الإنسان يسبق موقعه، وأن التجربة الصحفية تظل جزءاً من ذاكرة وطن لا ذاكرة فرد فقط، ولا يتعلق الأمر بتمجيد أو إدانة؛ بقدر تذكير بأن هذه المهنة حملها صحفيون في ظروف قاسية وتركوا أثراً في مسار الوعي العام رغم اختلاف القراءات حول تجاربهم.
وفي بلد أنهكته الحرب يصبح احترام من خاضوا معركة الكلمة جزءاً من محاولة ترميم ما انكسر في الروح العامة، إذ لا تُبنى المجتمعات بالسياسة وحدها؛ تُبنى أيضاً بذاكرتها الأخلاقية تجاه من حاولوا كتابة الحقيقة كما رأوها.