الصحافة السودانية وتحدي “بندقية الرقيب” بدلاً من مقصه!!
رشا عوض
احتفلت الصحافة السودانية المستقلة باليوم العالمي لحرية الصحافة للمرة الرابعة تحت وطأة حرب الخامس عشر من أبريل 2023، وقد توقف الحادبون على شرف هذه المهنة الرفيعة والمؤمنون برسالتها عند كل ركن من أركانها متأملين حجم خسائرها وجراحها، موثقين لكل جرائم العدوان على حرية التعبير وعلى الصحفيين.
لقد اخترت الاحتفاء بهذه المناسبة العظيمة بهذه المقالة الحصرية لصحيفة (ديسمبر) كتحية مستحقة لهذه التجربة الصحفية المتميزة التي اختارت إيقاد الشموع في ظلام الصحافة المصنوع بفعل فاعل، فلم تكن مجرد مساهمة نوعية في إضاءة الزوايا المعتمة في المشهد السوداني المعقد بعمل صحفي متقن ومجود لأدواته المهنية، لكنها كانت مشروعاً لإبقاء جذوة الثورة مشتعلة؛ تلك الثورة التي اشتعلت هذه الحرب الإجرامية القذرة لتقطع لسانها وتفقأ عينيها وتكسر عظمها قبل أن تقتلها وتقبرها مرة واحدة وللأبد! فنهضت صحيفة (ديسمبر) لتقول ما زال “عقل وقلب الثورة” حاضراً ينطق بلسان مبين، يدافع عن الثورة ومشروعها للسلام والحرية والعدالة.
وما دامت “ثورة ديسمبر المجيدة” حاضرة في الوعي وتمتلك أدوات معركة التنوير، وعلى رأسها الصحافة المستقلة، فهي حتماً منتصرة وعائدة بالسلام والديمقراطية، فلا مشروع لإعمار البلاد ونجاتها إلا في “أفق ديسمبر” العصي على الإغلاق أو التدجين، مهما علا صوت الرصاص وأبواق الحرب! وصحيفة (ديسمبر) هي إحدى أدوات ذلك العصيان العنيد والمثابر لمشروع وأد الثورة.
أهمية الصحافة المستقلة لا المحايدة!
هناك خطأ شائع يقع فيه كثيرون عندما يطلقون وصف “الصحافة المحايدة” كميزة تفضيلية! بمعنى أن الصحافة الجيدة والمطلوبة يجب أن تكون “محايدة”!! أي بلا رؤية فكرية أو موقف سياسي أو انحياز أخلاقي وحقوقي! وهذا خلط مريع بين مصطلحي “الحياد” و”الاستقلالية”!. فالمطلوب في الصحافة هو “الاستقلالية” التي تعني التحرر من سلطة الدولة أو سلطة حزب سياسي أو مؤسسة تجارية، بحيث تمارس الصحافة دورها كسلطة رابعة رقيبة على أداء كل السلطات في الدولة والمجتمع، لا تقيدها سوى سياستها التحريرية والضوابط المهنية والأخلاقية للعمل الصحفي، ممثلة في المصداقية والدقة والنزاهة والموضوعية والتوازن، وأن تتصرف دائماً كعيون وآذان وضمير المجتمع والحارس للمصلحة العامة من تغول السلطات وأصحاب المصالح الخاصة.
وانطلاقاً من متطلبات القيام بهذا الدور لا توجد صحافة محايدة! فالصحافة المستقلة تحتاج لبيئة سياسية وقانونية ديمقراطية تتوفر فيها الحريات العامة، وعلى رأسها حرية التعبير وحرية الصحافة، وبالتالي لا يمكن أن تكون الصحافة محايدة تجاه قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان مثلا! اللهم إلا إذا كانت صحافة سلطة شمولية أو بوق عسكري، ومثل هذه الصحافة تطرح نفسها كذباً وتضليلاً كصحافة محايدة ومهنية، وهي ليست محايدة أبداً، بل صحافة مدجَّنة تابعة للسلطة وغارقة في التسييس الخبيث وتسبح عكس تيار رسالة الصحافة وأهدافها المتعارف عليها. وفي سياقنا السوداني، وتحديداً تحت وطأة الأنظمة الشمولية، كان يتم الترويج للصحفي المحايد تجاه قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة كصحفي مثالي، إذ يتم تصوير ذلك الحياد الذي يستبطن انحيازاً شمولياً بوعي أو من دون وعي كقمة في المهنية الصحفية!!.
الصحافة السودانية وتحدي ترجيح سردية السلام
تزامنت مع حرب الخامس عشر من أبريل 2023 حرب إعلامية شرسة قوامها التضليل والإرهاب، هدفها إعدام الصحافة المستقلة وتغييب العقلانية واغتيال الحقيقة لخلق وعي زائف وعقول مغيبة يسهل حشدها للانخراط في هذه الحرب الإجرامية وتمجيد أطرافها وتسويق الحكم العسكري كخيار وطني.
كل أطراف الحرب عدوها اللدود هو الحقيقة، لذلك صوبوا رصاصهم نحوها لتتقدم ضحايا الحرب بلا منازع!
إن أضخم ماكينة للكذب والتضليل وصناعة خطاب الكراهية والعدوان على الثورة وعلى القوى المدنية الديمقراطية خلال هذه الحرب هي الترسانة الإعلامية للحركة الإسلامية اسماً، الإجرامية فعلاً. هذا لا يعني أن طرف الحرب الآخر، ممثلاً في الدعم السريع، ليس شريكاً في خطاب الكراهية والتضليل، ولكن التركيز على إعلام الكيزان له أسباب موضوعية على رأسها ضخامة تأثير إعلامهم نظراً لحيازتهم موارد ضخمة منهوبة من المال العام، ونظراً لامتلاكهم خبرة تراكمية في هذا المجال لعقود طويلة، وحصولهم على سند إعلامي إقليمي مباشر من فضائيات كبرى، وظفوا كل هذه القدرات لتحقيق هدف إستراتيجي هو شيطنة الثورة والقوى المدنية الديمقراطية الساعية للسلام، بل تصوير السلام نفسه كانحياز لقوات الدعم السريع وكخيانة وطنية عظمى!.
وتأسيساً على ذلك، ثابرت قنوات فضائية ومواقع إلكترونية بالعشرات ومنصات على مواقع التواصل الاجتماعي التي تم التعاقد مع شركات أجنبية محترفة للتأثير على خوارزمياتها، واستخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد ملايين الحسابات الزائفة على فيسبوك من أجل هيمنة سردية الكيزان حول الحرب وظهورها كرأي عام سوداني طبيعي وعفوي!!.
من حق الصحافة السودانية المستقلة المنحازة للسلام والديمقراطية والمدافعة عن قيم وأهداف ثورة ديسمبر المجيدة أن تفخر بأنها، رغم محدودية الموارد ورغم الإرهاب ورغم غبار الغوغائية الكثيف المثار بواسطة الترسانة الإعلامية الكيزانية الفاجرة لحجب الحقائق وتضليل الشعب، رغم كل ذلك نجحت في مقارعة سردية الحرب والدكتاتورية العسكرية، واختارت الطريق الصعب في مرحلة حرجة وصعبة. فالحرب بطبيعتها تخلق واقعاً مضاداً للعقلانية تسوده المخاوف التي تمثل بيئة خصبة لنمو خطاب الكراهية والعدوانية والاستسلام لفكرة الحلول الاستئصالية. نعم هناك ثمن دفعناه؛ فالغرس المستمر للأكاذيب وتكرارها بلا كلل أو ملل شوّش على كثيرين وضللهم، نعم لم يعد التحدي مجرد “مقص الرقيب” بل بندقيته المصوبة بالفعل إلى كل رأس بداخله عقل حر ومستقل، ولكن رغم ذلك كله أتاح لنا التطور التكنولوجي فرصة الحضور الإعلامي المستقل خارج سيطرة سلطات الأمر الواقع العسكرية، استطعنا أن ننشر الأخبار التي يرغبون في حجبها، واستطعنا تعرية الحرب وكشف قذارتها بالتقارير والتحقيقات الاستقصائية، واستطعنا تقديم سردية قوى السلام والديمقراطية حول طبيعة هذه الحرب وجذورها وأهدافها والمسؤول عن إشعالها والمعرقل لإيقافها، وما هو المطلوب سياسياً واقتصادياً واجتماعياً لأن تكون آخر حروب السودان.
نفخر بأن لنا صوتاً مسموعاً ومؤثراً يحتل مساحات معتبرة في خارطة الرأي العام السوداني، دون أن نغفل عن حقيقة أن أمامنا تحديات كبيرة في العمل الإعلامي يجب أن نعد لها العدة بالتخطيط المدروس واستخدام الوسائل التقنية الحديثة والعمل الاحترافي في وسائل التواصل الاجتماعي، وبناء القدرات للصحفيين والمؤسسات الصحفية.
الإعلام مدخل مفتاحي لتحرير بلادنا
أتفق تماماً مع أن هناك قصوراً كبيراً في اهتمام القوى المدنية الديمقراطية بالإعلام، وأنه ما زال ثغرة كبيرة لا بد من أخذها بجدية فائقة. فالغوغائية وحالة القطيع المستميت في الدفاع عن أفكار مسمومة ستقوده إلى حتفه، وحالة التنافس بين الأغبياء في رجم العقلاء وتمجيد الحمقى والقتلة والمجرمين، كل هذه الحالات الجنونية لعب فيها إعلام أبواق الحرب وملمعو البوت العسكري دوراً كبيراً يجب أن يوازيه إعلام ديمقراطي تنويري مقتدر، ويجب أن لا نسمح لليأس بإضعاف عزيمتنا، فحالة الجنون التي صنعها إعلام الحرب في مجتمعنا مرت على مختلف الشعوب والمجتمعات في أحد مراحل تاريخها على اختلاف السياقات الثقافية والاجتماعية ومستويات التقدم الحضاري، ومهما طالت هذه الحالة الملعونة وتسببت في كوارث، حتما سيأتي زمن الإفاقة! الزمن الذي تصبح فيه تلك الأفكار المسمومة عاراً تتبرأ منه الأجيال، وصفحة مظلمة في التاريخ يحتقرها الشرفاء، ويتمنى عامة الناس قبل خاصتهم لو أنها لم تكن.
الشعب الألماني، على سبيل المثال، الذي أنجب علماء وفلاسفة ومفكرين لعبوا دوراً مفصلياً في تقدم الإنسانية في العصر الحديث، قاده هتلر بجنون النازية! وفي تلك الحقبة كانت ألمانيا تزخر بفيالق الحمقى الذين يجرِّمون ويخوِّنون ويشتمون كل من عارض ذلك الجنون ويقدِّسون العنصرية وإرهابها وبطشها داخلياً وخارجياً!.
بعد الإفاقة أصبحت النازية عاراً تاريخياً تنبذه ألمانيا وتستهلك نفسها في التكفير عنه!.
كل من يقرأ التاريخ ويتأمل في تجارب الأمم والشعوب سوف يضع أزمة شعبه في حجمها الطبيعي، ولن يصيبه الغضب أو الإحباط واليأس المطلق بسبب فجور الباطل وبجاحة الجهلة والسفلة وتسيد المنحطين للمشهد!.
من أحسن قراءة التاريخ سيتبسم ضاحكاً من كل ذلك، لأنه إلى زوال.
ولكن لا شيء يزول من تلقاء نفسه! علينا أن نجتهد في إزالة التشوهات والأعطاب من حياتنا، كل في مجاله.
الشعب السوداني، بحكم أنه جزء من العشيرة الإنسانية، حتماً سينتج إنسانيته الرفيعة يوماً ما، وسوف تثمر بذور التنوير والعقلانية والوعي بقيم التسامح والحرية والعدالة التي بذرها الصالحون والصالحات من أبنائه. سوف تثمر تلك البذور وطناً صالحاً وناهضاً بإذن الله. ولتكن صحافتنا المستقلة في مقدمة من يبذرون بذور سلام السودان وحريته وعدالته ونهضته الشاملة.