الإعلام والسوشيال ميديا بعد 15 أبريل: تحولات المجال العام وصناعة السرديات

الإعلام والسوشيال ميديا بعد 15 أبريل: تحولات المجال العام وصناعة السرديات

محمد ممدوح شورة

 

منذ اندلاع حرب 15 أبريل في السودان، لم يتبدّل ميزان القوة على الأرض فقط، فقد تغير أيضاً شكل المجال العام الذي تنتج فيه المعرفة وتُتداول عبره الأخبار. ومنذ إطلاق الرصاصة الأولى تراجع الفصل التقليدي بين نقل الحدث وتفسيره، وبات الإعلام بكل مستوياته جزءاً من البنية التي تشكل الموقف، متجاوزاً دوره التقليدي بنقل الوقائع إلى الجمهور.

هذه الفكرة ليست نظرية خالصة. فما جرى عملياً بعد اندلاع حرب السودان في 15 أبريل أظهر أن الخبر لم يعد ينتظر اكتمال عناصره كي ينشر، إذ تدفقت بشكل مستمر مقاطع قصيرة، تسجيلات صوتية مجهولة المصدر، صور غير مؤرخة، وشهادات شخصية تُقدم باعتبارها حقائق مكتملة. وفي ظل صعوبة الوصول إلى الأرض ومواقع الاحداث، وتراجع قدرة غرف الأخبار والمؤسسات الصحفية والاعلامية المهنية على التحقق المستقل، صار جزء مقدر من محتوى المادة الإعلامية مصدره الفضاء الرقمي فيُعاد إنتاجه مجدداً داخل الإعلام التقليدي.

بهذا المعنى، نشأت دائرة مغلقة لإنتاج المعلومة: منصة تنشر مادة أولية، ومن ثم وسيلة إعلامية تلتقطها وتعيد صياغتها، ثم تعود إلى المنصات وقد اكتسبت بعداً إضافياً بعد ظهورها في قناة أو صحيفة. هذه الدورة لا تعني بالضرورة تعمّد التضليل، لكنها تخلق بيئة يكون فيها التكرار بديلًا غير معلن عن التحقق، وتتحول السرعة إلى معيار عملي للحضور.

لفهم هذه الظاهرة، من المفيد النظر إلى أدوات العمل في كل من الإعلام والسوشيال ميديا. الإعلام التقليدي يقوم نظرياً على ثلاث مراحل: جمع المعلومات، التحقق منها، ثم تحريرها ضمن سياق واضح. أما المنصات الرقمية فتعمل بمنطق مختلف: ترتيب المحتوى وفق احتمالية التفاعل. في منصات مثل فيسبوك وتيك توك لا تُقاس فيها أهمية المحتوى بقدرته على جذب الانتباه والتفاعل المستمر بل إبقاء المستخدم داخل المنصة أطول وقت ممكن، أما مدى دقته فهي قضية غير مهمة.

على سبيل المثال، مقطع فيديو قصير يُظهر لحظة قصف أو إطلاق نار، حتى لو كان قديماً أو خارج سياقه، يمكن أن يحقق انتشاراً واسعاً خلال دقائق بسبب طبيعته الصادمة، بينما تقرير تحليلي يشرح خلفيات الحدث قد لا يصل لنفس المستوى من الانتشار. الخوارزمية هنا لا تسأل عن دقة المعلومة، إذا ضمنت حجم التفاعل الذي تحققه، وهو ما يفسر تفوق المحتوى السريع والمثير على المحتوى الدقيق والمتماسك.

هذه الآلية التي تعرف في الأدبيات الإعلامية بتعظيم التفاعل تفسر لماذا تنتشر المواد الصادمة بسرعة أكبر من المواد التحليلية. فالمحتوى الذي يثير الغضب أو الخوف أو الدهشة يحقق مؤشرات أعلى (مشاهدة، تعليق، مشاركة)، وبالتالي يعاد ضخه مرات متتالية. ومع الزمن، تتشكل لدى المستخدم بيئة معلوماتية ضيقة يرى فيها أنماطاً متكررة من المحتوى، فيميل إلى اعتبارها تمثيلاً للواقع، رغم أنها نتاج تصفية خوارزمية.

هذا التداخل بين منطقين؛ منطق التحقق ومنطق التفاعل، ليس خاصاً بالسودان. ففي الحرب في أوكرانيا (2022)، جرى تداول مقاطع تُظهر ضربات جوية ومعارك ميدانية على أنها أحداث جارية، بينما اتضح لاحقاً أن بعضها يعود لفترات سابقة أو لمناطق مختلفة، وقد وصلت هذه المواد إلى بعض التغطيات الإعلامية قبل التحقق الكامل منها، ما خلق ارتباكاً في فهم تسلسل الأحداث في الأيام الأولى للحرب.

أما تجربة رواندا (1994)، فتظهر زاوية مختلفة وأكثر حدة، حيث تحولت بعض الإذاعات، وعلى رأسها إذاعة RTLM، إلى أدوات تعبئة مباشرة، استخدمت اللغة بشكل تحريضي صريح وأسهمت في تأجيج العنف. الإشارة إلى هذه التجربة هنا لا تهدف إلى المقارنة، وإنما إلى التنبيه إلى أن انزلاق المجال الإعلامي لا يحدث دفعة واحدة، بل يبدأ عادة بتراجع المعايير المهنية، ثم يتوسع تدريجياً تحت ضغط الاستقطاب والصراع.

اكتسبت هذه التحولات خلال حرب 15 أبريل في السودان، خصوصية إضافية. فالمجال الإعلامي دخل الحرب وهو يعاني أصلاً من ضعف مؤسسي وتسييس طويل امتد لثلاثة عقود أثرت على المهنية لحد كبير، ويمكن في هذا السياق الاستدلال بأمثلة محلية محددة: مقاطع صوّرت في أحياء بعينها ثم أُعيد نشرها على أنها من مناطق أخرى، تسجيلات صوتية نُسبت لشخصيات عسكرية دون تأكيد، أو أخبار عاجلة انتشرت لساعات قبل أن يتضح عدم دقتها. هذه التفاصيل الصغيرة، حين تتكرر، تُسهم في إعادة تشكيل إدراك عام يقوم على الانطباع أكثر من المعرفة.

في هذا السياق، يظهر خطاب التحريض أو الكراهية كأحد مخرجات البيئة، لا كمحركها الوحيد. حين تكون البنية الإعلامية سريعة، مضغوطة، ومشحونة، يجد هذا الخطاب مساحة أوسع للانتشار. لكن التركيز عليه وحده يخفي المشكلة الأعمق: خلل في طريقة إنتاج الخبر، وفي علاقة الإعلام بالمنصات، وفي فهم الجمهور لدوره داخل هذه المنظومة.

الجمهور نفسه لم يعد متلقياً سلبياً. أصبح مشاركًا في صناعة الدورة الإعلامية: يختار ما يشارك، يعلّق، يعيد النشر، وأحياناً يضيف تفسيراً خاصاً. هذا التحول يمنحه قوة، لكنه يحمّله أيضاً مسؤولية معرفية وأخلاقية أكبر، لأن كل تفاعل يسهم في ترجيح نوع معين من المحتوى.

من هنا، تبرز أهمية الموقع الذي تتحرك منه القوى المدنية الديمقراطية. التحدي ليس في مجاراة منطق السرعة أو منافسة الخطاب الحاد بخطاب أشد حدة، بل في بناء حضور إعلامي مختلف: حضور يستند إلى التحقق، يقدّم السياق، ويقاوم التبسيط الذي يختزل الصراع في صور جاهزة. هذا يتطلب فهماً عملياً لأدوات المنصات، لا الاكتفاء باستخدامها؛ وفهماً لطبيعة الخوارزميات، لا الاكتفاء بانتقاد نتائجها.

في هذا السياق فإن العمل المدني في هذا المجال يحتاج إلى ثلاث ركائز:

أولاً، إنتاج محتوى موثوق ومترابط، يربط الخبر بسياقه السياسي والاجتماعي. ثانياً، تطوير خطاب قادر على الوصول دون أن يفقد عمقه، أي الجمع بين الوضوح والدقة. ثالثاً، بناء وعي رقمي لدى الجمهور، يميز بين التفاعل والمعلومة، وبين الانتشار والمصداقية.

المحصلة النهائية تشير إلى أن ما جرى بعد 15 أبريل في السودان لا يمكن فهمه عبر تتبع المعارك فقط، بل عبر تتبع الطريقة التي رُويت بها هذه المعارك. لأن الرواية، في زمن كهذا، تسهم في إعادة تشكيل الواقع. ومن هنا تأتي أهمية أن يعاد النظر في العلاقة بين الإعلام والسوشيال ميديا بوصفها علاقة بنيوية تؤثر في السياسة نفسها، وليس مجرد علاقة تقنية بين وسيلتين.

المعركة على الأرض قد تتبدل موازينها، أما المعركة على الوعي فتبقى مفتوحة. وطبيعتها تتحدد بمدى قدرتنا إعلاماً، ومنصات، وقوى مدنية على استعادة معنى الخبر، وإعادة الاعتبار لفكرة أن المعرفة ليست ما ينتشر أسرع، بل ما يصمد أكثر أمام التحقق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *