خريف النخبة: كيف أسقطت حرب السودان أقنعة “كهنة” الثقافة؟

خريف النخبة: كيف أسقطت حرب السودان أقنعة “كهنة” الثقافة؟

أنس وردي

تُعد الحرب التي اندلعت في السودان في منتصف أبريل 2023 نقطة تحول مفصلية، ليس فقط على الصعيد العسكري، بل على الصعيد القيمي لطبقة المثقفين والناشطين. لقد كانت هذه الحرب بمثابة “الزلزال” الذي كشف عن تصدعات عميقة في بنية الوعي الثقافي، حيث سقطت أقنعة الشعارات البراقة لتكشف عن انحيازات إثنية وأيديولوجية، جعلت من “المثقف” طرفاً في الصراع بدلاً من أن يكون صوتاً للحقيقة.

 

محمد جلال هاشم: من مشروع “الهامش” إلى فخ الاصطفاف

 

يُعد الدكتور محمد جلال هاشم نموذجاً صارخاً لهذا التحول. فبينما قضى سنوات في التنظير لقضايا الهامش ومشروع “السودانوية” لمواجهة المركزية، وجد نفسه في هذه الحرب يتبنى خطاباً يراه الكثيرون منحازاً بحدة.

تحوَّل خطابه من نقد الدولة المركزية إلى ما يشبه التحريض أو التبرير لممارسات عسكرية تحت لافتة “دحر الجنجويد”، متجاوزاً البعد الإنساني الذي كان يُفترض أن يكون جوهر مشروعه، مما جعل أطروحاته السابقة تبدو وكأنها كانت تنتظر لحظة “ثأر” تاريخي لا بحثاً عن عدالة.

 

الوليد مادبو: تهافت “الحوكمة” أمام نداء القبيلة

يمثل الدكتور الوليد مادبو سقطة من نوع آخر؛ وهي سقطة المثقف الأكاديمي الذي يتحدث بلغة المؤسسات الدولية والحوكمة، لكنه عند الاختبار سقط في فخ “التعصب الجهوي”.

سقوط القناع: برز مادبو في هذه الحرب كأحد الأصوات التي حاولت إضفاء مسحة “أخلاقية” أو “سياسية” على تحركات عسكرية ذات طابع إثني واضح. إن تناقضه بين لغة “الدولة المدنية” وبين خطابه الذي يغازل حاضنات اجتماعية بعينها، كشف عن هشاشة التكوين الفكري الذي ينهار أمام أول نداء للعصبية، مما جعله يفقد صفة “المراقب المستقل” ليصبح جزءاً من الماكينة الدعائية للحرب.

 

عبد الله علي إبراهيم: التيه بين “الأكاديميا” و”العصبية”

أما البروفيسور عبد الله علي إبراهيم، فقد أثار حيرة واسعة بمواقفه الضبابية. عُرف إبراهيم بقدرته الفائقة على التحليل التاريخي، لكنه في هذه الحرب بدا وكأنه يغلب الشوفينية على الموقف الأخلاقي الصارم. محاولاته لإيجاد مخارج نظرية لواقع دموي لا يحتمل التأويل، جعلته في نظر الكثيرين مجرد “حكيم” يحاول شرعنة مؤسسات قديمة تسببت في الخراب الأصلي.

 

بركة ساكن: حين يخون الروائي خياله الإنساني

الروائي عبد العزيز بركة ساكن، الذي طالما كتب عن المظلومين، صدم قراءه بمواقفه التي اعتُبرت متماهية مع خطاب الكراهية. من المفترض أن الروائي هو المحامي الأول عن الإنسان، لكن ساكن سقط في فخ “شيطنة” مكونات اجتماعية كاملة، مما جعل أدبه يبدو وكأنه كان “تكتيكاً” سياسياً وليس إيماناً مطلقاً بكرامة الإنسان.

 

الخلاصة: الحاجة إلى ميلاد جديد

إن سقوط هذه الأقنعة ليس مجرد خسارة لأسماء كبيرة، بل هو إعلان عن نهاية “نخبة ما بعد الاستقلال” التي فشلت في امتحان المواطنة. الحرب كشفت أن الثقافة في السودان كانت “قشرة” رقيقة تغطي ولاءات عميقة. إن بناء سودان المستقبل يتطلب مثقفاً جديداً؛ مثقفاً لا يرى في البندقية حلاً، ولا يفرق بين دماء الضحايا بناءً على أسمائهم أو قبائلهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *