عواصم: (ديسمبر)
كشف الصراع الأخير الذي تفجر داخل ما تسمى “منظمة الدعوة الإسلامية” وانشطارها إلى جناحين؛ أحدهما داخل السودان بقيادة عناصر ومنسوبي النظام البائد والحزب المحلول، والثاني بقيادة رئيس مجلس الأمناء عبد الرحمن بن عبد الله آل محمود، الطبيعة السياسية التي ترتبط بهيكل وتوجهات وقرار هذه المنظمة.
وارتبطت “منظمة الدعوة الإسلامية” بالنشاط السياسي لتنظيم الحركة الإسلامية التي كان يتزعمها حسن الترابي، وشهد مقرها تسجيل البيان الأول لانقلاب 30 يونيو 1989م، ثم اختيارها مقراً لاختفاء علي عثمان محمد طه بعد الانقلاب وإدارة البلاد منها وإصدار التوجيهات لقادة الانقلاب وعلى رأسها إعدام الشهيد مجدي محجوب وإعدام ضباط حركة 28 رمضان/ أبريل 1990م.
ظهر الصراع السياسي الأول حول المنظمة بعد الانقسام بين جناحي (القصر) و(المنشية) بقيادة كل من الرئيس المعزول عمر البشير وحسن الترابي، حينما تدخلت الأجهزة الأمنية وقامت بإبعاد الأمين العام للمنظمة الدكتور الأمين محمد عثمان باعتباره موالياً لمعسكر الترابي.
صاحب قرار لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989م، والخاص باسترداد منظمة الدعوة الإسلامية والمؤسسات التابعة لها، جلبة إعلامية ضخمة من منصات الحزب المحلول بالإشارة إلى طبيعتها “الدعوية والخيرية”، رغم إثبات القرار صلتها الحزبية وانخراطها في الاستثمار، حتى في التعليم “الذي تقدمه كسلعة بقيمة مرتفعة”، وحصولها على امتيازات وإعفاءات في مجالات تجارية متعددة شملت النقل والبناء والتشييد والصناعات الدوائية، مع وجود صلة سياسية تربطها بالحزب المحلول وأنشطته وتمويلها.
أوضح الصراع الأخير في المنظمة، الذي خرج للعلن أواخر الشهر الماضي، عن الصلات التي تربطها بالحزب المحلول وأنشطته وحتى تمويله، فنائب رئيس مجلس الأمناء هو الوزير السابق مصطفى عثمان إسماعيل، وشملت قائمة أعضاء مجلس الأمناء قيادات بارزة بالحزب المحلول السابق أبرزهم الوزيران السابقان كمال عبيد وعصام أحمد البشير، ورئيس مجلس شورى الحزب المحلول عبدالرحيم علي، الطيب بدوي، عبد الله فكي، طارق عبد الفتاح، صلاح الدعاك، وعثمان البشير الكباشي وعدد من السفراء والشخصيات المرتبطة بالنظام والحزب المحلول والذين يقدر عددهم بحوالي 28 عضواً من جملة أعضاء مجلس الأمناء السبعين.
ويعد الأمين العام للمنظمة أحمد محمد آدم أحد عناصر ومنسوبي الحزب المحول، إذ سبق له شغل موقع مفوض سابق للعون الإنساني ووصل لموقعه في فبراير 2023م بعد إبعاد الجنوب سوداني ونائب الأمين العام السابق لحزب المؤتمر الشعبي قبل انفصال جنوب السودان موسى المك كور. وتمت هذه الخطوة بناءً على توجيهات وترتيبات تنظيمية وضعتها قيادة الحزب المحلول للسيطرة على المنظمة.
ارتكز الصراع الأخير بين أطراف المنظمة على اتهامات مباشرة بتبديد الأموال وصرفها في غير مواضعها، وما يعرف باسم “الصرف على أنشطة التنظيم”، وهو ما اعترض عليه آل محمود وطالب بمحاسبة الأمين العام والتنفيذيين، وهو ما رفضه تيار الحزب المحلول وقاموا بمحاولة “إنهاء الأمر بفقه السترة”، وهو ما رفضه رئيس مجلس الأمناء آل محمود، ونجح عناصر الحزب المحلول في إقناع رئيس مجلس الإدارة عثمان بوقاجي بعقد الاجتماع في الخرطوم لمعالجة الأمر، إلا أن الرجل اكتشف أن الدعوة “هدفت لحسم الصراع”، ولذلك فإن بوقاجي تقدم باستقالته من موقعه بعدما توصل إلى أن الأوضاع تمضي صوب انقسام المنظمة لجناحين.
عقدت المنظمة اجتماعين؛ أحدهما حضوري بالخرطوم وثانيهما إسفيري. أقر اجتماع الخرطوم عدة تدابير على رأسها إعفاء رئيس مجلس الأمناء عبد الرحمن بن عبد الله آل محمود وتعيين السفير/ علي بن حسن الحمادي –وهو أيضاً قطري الجنسية- وفهم من هذا الإجراء بأنه تحييد لدولة قطر بإعادة تعيين قطري آخر في موقع آل محمود.
عُرف عن الحمادي دعمه ومساندته للحزب المحلول، وهو أحد أسباب اختياره لموقعه، وعضَّد هذا الموقف بالحديث الذي أدلى به في لقائه بوزير خارجية سلطة الخرطوم وبورتسودان محيي الدين سالم يوم الاثنين الماضي، بتأكيده على “العمل جنباً إلى جنب مع مؤسسات الدولة السودانية، دعماً لجهود التعافي الوطني وإعادة البناء”، والتشديد على أن السودان سيظل في مقدمة أولويات المنظمة وبرامجها خلال المرحلة المقبلة، وهو ما تم تفسيره بأنه “إقرار بتبعية المنظمة للتنظيم والسلطة”.
أما الاجتماع الثاني، الذي ترأسه آل محمود وعقد إسفيرياً، فأصدر عدداً من القرارات على رأسها إعفاء أمين عام المنظمة أحمد محمد آدم وانتخاب يحيى آدم عثمان أميناً عاماً جديداً، وأبطل القرارات الصادرة عن اجتماع الخرطوم لكونه غير شرعي ومخالفاً لأحكام النظام الأساسي الذي يحصر الدعوة لاجتماع مجلس الأمناء عند رئيس المجلس وحده، بالإضافة إلى أن مجلس الأمناء للفترة من (2022-2026م) انتهت دورته فعلياً في 15 فبراير الماضي، وقرر الاجتماع البقاء في حالة انعقاد دائم لحين استكمال هياكل المنظمة واختيار نائب للأمين العام وانتخاب مجلس إدارة جديد واستكمال عضوية مجلس الأمناء وتشكيل لجان مختصة أبرزها للمراجعة والمحاسبة.
وأشار مراقبون إلى أن طبيعة الصراع بين الجناحين المتنافرين في قيادة منظمة الدعوة الإسلامية ستفضي لأمرين؛ أولهما تراجع وتأثر التمويلات التي كانت تتلقاها المنظمة خاصة بعد وجود شكوك حول كيفية التصرف في تلك الأموال، أما ثانيهما فهو الكشف والإفصاح عن “الصرف من بنود المنظمة وميزانيتها لصالح أفراد وقيادات وأنشطة خاصة بالحركة الإسلامية الإرهابية”، وهو ما سيفضح الوجه التنظيمي والسياسي الذي ظل الحزب المحلول يمارسه من خلال مؤسساتها ووظائفها لصالح تمكينه السياسي والاقتصادي وأنشطته الأمنية .