الدولار يتخطى حاجز 4000 جنيه.. والمواطن يدفع الثمن

الخرطوم: (ديسمبر)

واصل الجنيه السوداني مسيرة تدهوره في الأسواق الموازية لتداول العملات، حيث وصلت قيمته إلى 4300 جنيه سوداني في مقابل الدولار، الأمر الذي يمثل مستويات انخفاض قياسية وفي فترة وجيزة.

فخلال الأسابيع الماضية، فقدت العملة السودانية أكثر من 15% من قيمتها في مقابل الدولار، حيث تدحرجت من 3700 جنيه للدولار الواحد إلى 4300 جنيه في ظل ارتفاع كبير في الطلب على الدولار بسبب الزيادة الكبيرة في أسعار المحروقات في الأسواق العالمية كنتيجة للأوضاع الحالية في منطقة الخليج العربي.

في المقابل، واصلت المصارف السودانية الإعلان عن أسعار صرف للجنيه السوداني في مقابل الدولار بقيمة تقل بحوالي 25% عن أسعار التبادل في السوق الموازي، وبفارق يصل إلى ما يزيد عن 1000 جنيه للدولار الواحد.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن سعر تبادل الدولار مقابل الجنيه السوداني عشية اندلاع الحرب في 15 أبريل بلغ 570 جنيهاً، أي أن القيمة الشرائية الحقيقية للعملة السودانية انخفضت بنسبة تقارب 700% خلال ثلاث سنوات.

وتزامنت هذه التطورات مع إعلان السلطات الحكومية في بورتسودان عن تعديل جديد في سعر الدولار الجمركي ليصل إلى 3,395.97 جنيهاً بدلاً عن 3,222.80 جنيهاً، اعتباراً من يوم الاثنين 11 مايو 2026، بزيادة قدرها 173 جنيهاً، أي ما يعادل 5.37%. ويعتبر هذا التعديل جزءاً من مراجعة متكررة لآليات الصرف المعتمدة في الإجراءات الجمركية، في إطار المساعي لمواءمة سعر الدولار الجمركي مع سعر الدولار في الأسواق المتوازية.

وبعيداً عن لغة الأرقام والحسابات الاقتصادية الرسمية، انعكس تدهور سعر العملة السودانية على الفور على حياة المواطن. فبعد الزيادة الكبيرة في أسعار المحروقات، شهدت الأسواق ارتفاعاً كبيراً في أسعار السلع والخدمات الأساسية الأمر الذي ينعكس على حياة المواطن وقدرته على توفير احتياجاته الأساسية.

ويستبعد المراقبون حدوث أي تحسن في سعر صرف الجنيه السوداني في المرحلة الحالية للارتفاع الكبير في مستويات الإنفاق الحكومي، بسبب الصرف على المجهود الحربي والمليشيات، وتراجع الإيرادات الحكومية نتيجة تقلص النشاط الاقتصادي الأمر الذي يضطر البنك المركزي لطباعة العملة بدون وجود تغطية كافية من الذهب أو احتياطيات معقولة من العملات الأجنبية.

كما أن زيادة كميات الذهب التي تصدر خارج القنوات الرسمية، والتي يقدرها الخبراء بحوالي 60% من الكميات المنتجة يقلل من قدرة السلطة على توفير النقد الأجنبي الضروري لاستيراد المحروقات والأدوية والقمح بالإضافة إلى الأسلحة والمعدات العسكرية، ما يدفع المستوردين للجوء إلى السوق السوداء لتوفير احتياجاتهم من العملات الأجنبية الأمر الذي يمثل ضغطاً إضافياً على سعر الصرف.

ومن غير المتوقع أن يؤدي قرار حكومة كامل إدريس بوقف استيراد بعض السلع “الكمالية” إلى تخفيف الضغط على الجنيه السوداني، باعتبار أن هذه السلع ظلت ولوقت طويل تمر عبر طرق التهريب من الدول المجاورة، كما أن جزءاً كبيراً منها يتم استيراده بواسطة شركات مرتبطة بالجيش ومليشياته ما يوفر لها حصانة في مواجهة أي قرارات حكومية، ويضاف إلى ذلك أن غالبية هذه الشركات تتمتع بإعفاءات جمركية غير محدودة، مما يوفر لها مستويات ربحية عالية من استيراد هذه السلع ويحرم الدولة من إيرادات الجمارك والرسوم المفروضة عليها.

ومثلما تجاوز الدولار حاجز 1000 جنيه، ثم 2000 جنيه وبعد ذلك 3000 وأخيراً 4000، فإن تجاوزه حاجز 5000 جنيه يبدو أمراً وارداً وفي وقت قريب. فالإصلاحات التي تتبناها الحكومة والبنك المركزي، مهما كانت سلامتها الاقتصادية، لن تكون كافية لإيقاف هذا النزيف، طالما استمر نزيف الوطن.

المدخل السليم لإيقاف هذا التدهور ووضع الاقتصاد السوداني على عتبة السير في طريق الإصلاحات وتخفيف معاناة المواطن يبدأ دون شك بوقف الحرب. ومن دون ذلك ربما يضطر البنك المركزي قريبا لإزالة 3 أصفار من العملة مهتدياً بحكومة الإنقاذ التي يتبع نهجها، الأمر الذي لن يعالج الأوضاع الاقتصادية ولكن سيجملها قليلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *