الطائرات المسيّرة: السلاح الذي يطيل حرب السودان

الطائرات المسيّرة: السلاح الذي يطيل حرب السودان

خاص: (ديسمبر)

كان أول ما يلفت انتباه السكان في المناطق الواقعة في نطاق الحرب بالسودان هو ذلك الأزيز الخافت في السماء. صوتٌ بالكاد يُسمع، لكنه سرعان ما يتبعه انفجار. خلال لحظات فقط تتبدل الصورة: قتلى وجرحى، وانقطاع واسع في الكهرباء، وتعطل خدمات أساسية يعتمد عليها الناس في حياتهم اليومية. ومع مرور الوقت لم تعد مثل هذه المشاهد نادرة في السودان، بل أصبحت جزءاً من يوميات الحرب التي اندلعت في أبريل 2023.

وفي خضم هذه الحرب برزت الطائرات المسيّرة كأحد أبرز ملامح القتال. فالحرب الدائرة في السودان باتت من أكثر النزاعات في إفريقيا اعتماداً على هذا النوع من السلاح. وخلال أقل من عامين فقط تحولت المسيّرات من وسيلة مساندة محدودة إلى عنصر أساسي في العمليات العسكرية. تُستخدم اليوم في الاستطلاع وجمع المعلومات، وفي تنفيذ ضربات دقيقة، وأحياناً في استهداف مواقع عسكرية أو بنى تحتية، وذلك في وقت تتعثر فيه المواجهات البرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ويستمر القتال دون مؤشرات واضحة على حسم قريب.

 

معدلات وأرقام

مع تكرار هذه الهجمات، بدأت المسيّرات تحتل موقعاً مركزياً في مسار الحرب. فبحسب إحصاءات مشروع “بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة” (ACLED)، قُتل أكثر من 2500 شخص في ما يزيد على ألف غارة بطائرات مسيّرة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 وحتى يناير 2024. وهو رقم يعكس التحول المتسارع لهذه المنظومات من أداة تكتيكية محدودة إلى وسيلة قتال واسعة النطاق.

وخلال الشهرين الأولين من العام الجاري 2026م وحدهما، سجل المشروع نحو 198 ضربة بطائرات مسيّرة نفذها الطرفان، تسببت 52 منها على الأقل في سقوط ضحايا مدنيين وأسفرت عن مقتل 478 شخصاً.

ورغم تصدر ولاية الخرطوم عدد الهجمات المسجلة بنحو 440 غارة، فإن معدلات الفتك كانت أعلى في إقليمي دارفور وكردفان. ففي شمال دارفور وحدها سُجل مقتل 577 شخصاً في 118 غارة، بينما قُتل نحو 1115 شخصاً في ولايتي شمال وغرب كردفان.

ويشير هذا التفاوت إلى أن تأثير الضربات قد يكون أشد في المناطق البعيدة عن المركز، حيث تصبح المجتمعات المحلية أكثر عرضة للهجمات في بيئات مفتوحة يصعب فيها الاحتماء من الرصد الجوي.

تحوّل استراتيجي

توضح هذه البيانات أن الطائرات المسيّرة لم تعد أداة تكتيكية هامشية، بل تحولت إلى وسيلة ضغط استراتيجية تعيد تشكيل طبيعة القتال. فمع تصاعد الاعتماد عليها، شهدت الحرب سباقاً متزايداً في تطوير هذه القدرات.

ويعتمد الجيش السوداني على مزيج من المنظومات العسكرية، من بينها (البيرقدار تي بي 2) التركية و(مهاجر-6) الإيرانية، بينما طورت قوات الدعم السريع بدورها قدرات متنوعة تشمل منصات تجارية معدلة، ومسيّرات انتحارية، وأخرى بعيدة المدى أبرزها (وينغ لونغ-2) الصينية، مما سمح لها بكسر هيمنة الجيش الجوية في مراحل مبكرة من النزاع.

ويتراوح المدى العملياتي لهذه الطائرات بين أنظمة قصيرة المدى وأخرى بعيدة المدى، مما يمكنها من استهداف نقاط عميقة داخل الأراضي السودانية. ومع تطوير الطرفين أيضاً قدرات للتشويش والحرب الإلكترونية، تحوّل السودان تدريجياً إلى ساحة اختبار واقعية لتقنيات القتال الحديثة.

ويتجاوز تأثير حرب المسيّرات في السودان حدود الصراع الداخلي ليصل إلى مستوى إقليمي أوسع. فاعتماد الأطراف المتحاربة على منظومات خارجية وضع القرار العسكري السوداني ضمن شبكة من التوازنات الإقليمية المعقدة. ويرى محللون أن السودان تحول عملياً إلى ساحة اختبار ميدانية لتقنيات الطائرات المسيّرة، إذ توفر العمليات القتالية بيانات واقعية حول أداء هذه المنظومات في ظروف حرب حقيقية، وهو ما يجذب اهتمام شركات تصنيع الأسلحة والدول الداعمة لهذه التقنيات.

ويتيح هذا التنوع للأطراف المتحاربة تنفيذ ضربات في عمق مناطق الخصم دون الحاجة إلى تحريك قوات برية مكلفة. وفي هذا السياق، يوضح المحلل السياسي حامد خلف الله، في حديثه لـ(ديسمبر)، أن الصراع بين قادة الجيش والدعم السريع في جوهره صراع على السلطة، حيث يسعى كل طرف لجعل مناطق خصمه غير مستقرة لتأمين حكمه وشرعيته السياسية. ويرى مراقبون أن هذا النمط من القتال منخفض الكلفة نسبياً يسهم في ترسيخ حرب طويلة الأمد قائمة على الاستنزاف، إذ تصبح الضربات الجوية المتفرقة بديلاً عن المواجهات البرية الكبرى. ويذهب بعض الباحثين إلى أن حجم استخدام المسيّرات في الحرب السودانية يجعله مرشحاً ليكون واحداً من أكبر ميادين حرب الطائرات المسيّرة في إفريقيا حتى الآن.

 

الكلفة الإنسانية

على الأرض، يتحمل المدنيون العبء الأكبر لهذا التحول. فقد أصبحت البنية التحتية المدنية هدفاً متكرراً لهجمات المسيّرات، بما في ذلك محطات الكهرباء والمياه والمطارات والمنشآت الخدمية. وفي عدة مناطق أدت ضربات استهدفت منشآت كهربائية إلى انقطاعات واسعة في التيار، ما تسبب في تعطّل خدمات أساسية تعتمد عليها المستشفيات ومرافق المياه والاتصالات.

يقول كبير مستشاري مجموعة «إمباكت بوليسي»، أحمد كدودة في حديثه لـ(ديسمبر)، إن «انخفاض الكلفة البشرية لاستخدام الطائرات المسيّرة أسهم في تحويل الحرب في السودان من معارك حسم تقليدية إلى حرب استنزاف مفتوحة». ويرى كدودة أن تكرار استهداف منشآت خدمية وأسواق ومحطات كهرباء يتجاوز توصيف «الخطأ العملياتي»، ويعكس منطقاً استراتيجياً يقوم على إضعاف بيئة الخصم وحرمانها من مقومات الاستقرار طويل الأمد.

ويضيف خلف الله أن استهداف الأعيان المدنية ومواقع حيوية يهدف بالأساس لبث الترهيب وزعزعة الاستقرار، مما يوسع رقعة الحرب دون الحاجة لتحريك بري مكلف للقوات.

ولا تقتصر آثار حرب المسيّرات على الخسائر المباشرة في الأرواح، إذ تمتد لتطال البنية التحتية والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها المدنيون في حياتهم اليومية. وفي بعض الحالات أدت ضربات استهدفت محطات كهرباء، مثل الهجوم على محطة أم دباكر، في ولاية النيل الأبيض في مارس الماضي، إلى انقطاعات واسعة للتيار، ما زاد من الضغوط على المجتمعات المحلية. وقد أضافت حرب المسيّرات عمقاً خطيراً إلى الكارثة الإنسانية في السودان، من خلال جعل إيصال المساعدات الآمن والاستجابة للطوارئ شبه مستحيلين.

وفي هذا السياق، حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من تصاعد الخسائر في صفوف المدنيين نتيجة استخدام الطائرات المسيّرة في السودان. وقال في بيان حديث إنه «مصدوم» من التقارير التي تشير إلى مقتل أكثر من 200 شخص منذ 4 مارس في إقليم كردفان وولاية النيل الأبيض.

وأضاف أن استمرار استخدام طائرات مسيّرة قادرة على نشر أسلحة متفجرة ذات تأثير واسع في مناطق مأهولة بالسكان يثير «قلقاً بالغاً»، مجدداً دعوته لأطراف النزاع إلى الالتزام الكامل بالقانون الإنساني الدولي، ولا سيما الحظر على استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية.

لكن طبيعة الهجمات بالمسيّرات تجعل المساءلة القانونية أكثر تعقيداً، إذ يمكن إطلاق الضربات عن بعد من دون وجود مباشر في موقع الهجوم، ما يصعّب تحديد الجهة المسؤولة بدقة.

اقتصاد المسيّرات

أسهم انتشار التكنولوجيا منخفضة الكلفة وتدفق التمويل الخارجي في توسيع نطاق استخدام المسيّرات، ما أتاح لفاعلين غير تقليديين امتلاك قدرات جوية كانت في السابق حكراً على الجيوش النظامية.

وإلى جانب بعدها العسكري، أدخلت حرب المسيّرات بعداً اقتصادياً جديداً إلى الصراع، إذ أدى التوسع في استخدامها إلى نشوء شبكات توريد ووسطاء ومصالح إقليمية مرتبطة بتدفق هذه التكنولوجيا إلى السودان.

لكن التفوق في استخدام المسيّرات لا يترجم بالضرورة إلى مكاسب ميدانية حاسمة. فبحسب المحلل العسكري الطيب المالكابي في حديثه لـ(ديسمبر)، فإن «كثافة الضربات الجوية لا تؤدي تلقائياً إلى تغيير في ميزان السيطرة على الأرض، ما لم تقترن بعمليات برية قادرة على استغلال نتائج تلك الضربات».

ويشير المالكابي إلى أن انخفاض كلفة الضربة بالمسيّرات مقارنة بكلفة الدفاع عنها يعزز نمط قتال قائم على الاستنزاف المستمر بدلاً من المواجهة الحاسمة. ويقول إن هذه المعادلة تخلق دائرة مغلقة: حرب طويلة تستدعي أدوات تقلل الكلفة البشرية، وهذه الأدوات بدورها تسهم في استمرار الحرب.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل السياسي حامد خلف الله إلى أن الكلفة المنخفضة للمسيّرة لا تقتصر على الجانب المالي، بل تمتد لتشمل تقليل خسائر الجنود المهاجمين. ويشير إلى أن البعد الجسدي بين المشغل والهدف يقلل من “الكلفة الأخلاقية” للقرار القتالي، مما يجعل اللجوء إلى الضربات أسهل مقارنة بالقتال المباشر وجهًا لوجه، الذي يفرض قيودًا أكبر على استخدام القوة بسبب المواجهة المباشرة مع الخصم.

حرب بلا أفق

في المحصلة، لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد أداة عسكرية إضافية في الحرب السودانية، بل أصبحت جزءاً ثابتاً من بنيتها القتالية. فهي تمنح الأطراف المتحاربة القدرة على إلحاق الأذى بالخصم من دون المخاطرة بخسائر كبيرة في صفوفها، لكنها في الوقت نفسه تزيد من تعقيد الصراع وتوسّع آثاره الإنسانية.

ويرى المحلل السياسي خلف الله أن «هذه المعادلة تجعل الوصول إلى حسم عسكري تقليدي أكثر صعوبة، وتزيد من احتمال استمرار النزاع لفترة أطول مع توسع رقعته الجغرافية».

ويستند خلف الله في تحليله إلى تجارب دولية، مشيرًا إلى أن تأثير المسيّرات يتوقف على ميزان الامتلاك؛ ففي حرب روسيا وأوكرانيا، حيث يمتلك الطرفان السلاح، تحولت إلى أداة استنزاف متبادل، بينما كانت حاسمة في إثيوبيا ضد تيغراي لامتلاك الحكومة التفوق الجوي. وفي حالة السودان، يبدو أن المعادلة تميل نحو الاستنزاف المتبادل ما لم يختل الميزان لصالح طرف بشكل كبير.

ومع تكرار هذه الحوادث خلال الأشهر الأخيرة واتساع رقعتها الجغرافية، تبدو الطائرات المسيّرة وكأنها تعيد تشكيل طبيعة الحرب في السودان، ليس فقط في ساحات القتال، بل أيضاً في حياة المدنيين اليومية.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح أي تصور جاد لإنهاء الحرب في السودان مرتبطاً بفهم أعمق لدور التكنولوجيا العسكرية الجديدة، ولا سيما الطائرات المسيّرة، التي باتت تشكل أحد العوامل المؤثرة في رسم ملامح الصراع ومستقبله.

وبالنسبة لكثير من السودانيين، لا تبدأ الضربة بصوت الانفجار، بل بذلك الأزيز الخافت في السماء — الصوت الذي أصبح علامة يومية على حرب تبدو نهايتها أبعد مما كان متوقعاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *