البرهان والفاتيكان.. تغيير اتجاه السير 

تقرير: (ديسمبر)

كشفت مصادر عليمة لـ(ديسمبر) الأسباب الحقيقية وراء زيارة رئيس الوزراء المعين كامل إدريس إلى الفاتيكان للقاء البابا ليو الرابع عشر في القصر الرسولي، بعد أن خلفت الزيارة علامات استفهام كثيرة، والاستفهام الرئيسي الذي تبادله المهتمون بالشأن العام يتمحور حول جدوى الزيارة في حد ذاته، في ظل أوضاع أمنية وسياسية واقتصادية داخلية معقدة. وربما السؤال الذي لا يقل أهمية عن سابقه: من قام بترتيب الزيارة ولماذا؟ وللدقة السواد الأعظم من السودانيين تعامل مع الزيارة على أنها لا تختلف عن طريقة كامل إدريس في القيام بتحركات وإصدار قرارات محدودة الجدوى وقليلة الأثر والفائدة للمواطنين. إلا أن ما كشفته المصادر أن دائرة الاستخبارات العسكرية القريبة من قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان هي من فكر في الزيارة ورتب لها.

أزمة البرهان

مسألة الاعتراف الدولي الإقليمي باتت من أولويات مشاغل قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، لعلمه اليقين بأن بقاءه في السلطة التي يعمل حثيثاً للاحتفاظ بها لا يتحقق إلا برضا المجتمع الدولي، وأنه مهما بلغ من القدرة على تسوية خلافاته الداخلية وإخضاع خصومه السياسيين والمنافسين على كرسي الرجل الأول بالقوة أو بغيرها، لن يتمكن من تسيير الحكومة والاحتفاظ بالسلطة في حال لم يكن مرضياً عنه من قبل القوى الدولية العظمى، خاصة أن كلفة وضع حكومته في القائمة السوداء لدى الاتحاد الأفريقي كانت باهظة، ولم يفلح في الخروج من هذه لفترة تتعدى الأربع سنوات. والجدير بالذكر أن تعيين كامل إدريس نفسه ينظر إليه على أنه جزء من محاولات أو خطة البرهان في تسويق نفسه على أنه الرجل المناسب في السلطة، مستجيباً للمطالب الإقليمية والدولية بضرورة تعيين رئيس وزراء مدني، إلا أن المعادلة لم تتحقق على الرغم من تعيين كامل وبقية الوزراء.

محاولات تغيير المسار

من الأسباب الرئيسية لتوتر العلاقة بين البرهان والمجتمع الدولي علاقته بالإسلاميين وأعضاء النظام البائد، وأصبحت العلاقة أكثر تعقيداً بعد تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية للحركة الإسلامية منظمة إرهابية، ثم موقف شخصيات بارزة من الحركة الداعم لإيران في حربها ضد اسرائيل وأمريكا، لذا سعى البرهان بزيارة كامل للفاتيكان إلى تغيير المسار والاتجاه، حسب تعبير مصادر عليمة. وقال المصدر الذي تحدث لـ(ديسمبر) إن “من يديرون مكتب البرهان والدائرة الضيقة التي تفكر له من أفراد استخبارات عسكرية ومدنيين خططوا للزيارة باعتبار أنها تنفي تهمة التطرف الديني الإسلامي، إلى جانب الاستفادة من نفوذ الفاتيكان على الدول الأوروبية”. فمحاولات تغيير المسار والظهور بمظهر عدم التحيز للإسلاميين والهروب من الدولة الدينية على غرار النظام السابق عمل عليها البرهان مؤخراً، ومن بينها دعوة سفراء دول أوروبية لزيارة بورتسودان في غضون الأسابيع المقبلة، ومغازلته المستمرة للإدارة الأمريكية منذ لقاء مسعد بولس في جنيف في أغسطس 2025، والتي لم تنقطع منذ ذلك الوقت إلى اليوم، وزيارة الفاتيكان من قبل رئيس الوزراء المعين تتمحور حول المسار الجديد للبرهان في تسويق وجوده بعيداً عن الإسلاميين، ولو شكليا في هذه المرحلة.

أمجد وكامل والبرهان

النصيحة التي عمل بها البرهان في تعاطيه مع المجتمع الدولي يمكن تلخيصها في الاستعانة بوجوه مدنية قريبة من الثورة والتحول المدني الديمقراطي، ويفضل من كانت لهم علاقة بالثورة. لذلك وقع الاختيار على أمجد فريد الطيب، وفعلياً تحرك نحو الولايات المتحدة الأمريكية. والملاحظة المهمة أن امجدذهب إلى أمريكا وعينه على إسرائيل، ويتجلى ذلك في المقال الذي نشر في صحيفة (وول ستريت جورنال) في نوفمبر 2025 والذي حوى مغازلة صريحة لإسرائيل. وتؤكد مصادر أن أمجد هو من كتب المقال ونشره باسم قائده البرهان. وفي زيارته الأخيرة إلى أمريكا حرص أمجد على مقابلة اللوبي اليهودي من أجل تسويق حكومة الجيش وقائده البرهان، مستنداً إلى مصافحته نتنياهو في عنتبي، وما يقوم به مستشار البرهان أمجد فريد وشقيق والده كامل إدريس يصب في خانة واحدة هي تسويق البرهان للاستمرار في السلطة، حتى وإن حدثت تسويات بين أطراف الحرب الحالية.

تأخير عسكريين

من رصد تحركات البرهان يبدو أن مرحلة القادة العسكريين في العمل السياسي والدبلوماسي متراجعة، خاصة بعد التعديلات الأخيرة التي أجرها البرهان على مهام رفاقه في المجلس السيادي؛ الفريق أول شمس الدين كباشي والفريق ياسر العطا، وفي مقابل ذلك تقديم وجوه مدنية، وللمرة الأولى يرد اسم وزير الخارجية ضمن نقاش المقترح الأمريكي الأخير، وتقديم مستشاره السياسي فريد الابن للأمريكان والإسرائيليين، وفريد العم للأوروبيين أحد هذه المظاهر.

ومن الملاحظ أيضاً مباشرة البرهان ملفات التفاوض بنفسه مع أطراف الرباعية، وزيارته بالأمس إلى المنامة لا تخرج من هذا السياق، مما يؤشر إلى تآكل الثقة عند البرهان تجاه الجميع، وهذا أمر مفهوم لدى رجل يريد أن يضمن وجوده في كرسي السلطة وسلامته في المستقبل.

هل سيشتري المجتمع الدولي؟

جميع المؤشرات توضح أن المهمة التي يقوم بها كامل وأمجد وفريق الاستخبارات والمدنيين من النظام البائد شاقة للغاية، لجهة أن المجتمع الدولي منذ انقلاب 2021 ينظر إلى البرهان على أنه جنرال مراوغ يصعب الوثوق فيه، والتعاطي معه فرضته ظروف الحرب وقيادته للجيش. ومع ذلك لا يستبعد أن يبادله المجتمع الدولي مراوغة بمراوغة بُغية استدراجه للمضي فعلياً في الحلول التفاوضية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *