خاص: (ديسمبر)
بعد سبع سنوات قضاها في قمة السلطة، لا يزال قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان يتحدث بلغة رجل يطل على المشهد للمرة الأولى. فالدعوة إلى حوار سياسي شامل يقود إلى انتقال مدني ديمقراطي كانت ستُقرأ بوصفها مبادرة تأسيسية لو جاءت من معارض عاد من المنفى، أو من فاعل سياسي جديد. غير أنها تصدر هذه المرة عن الرجل الذي لم يكتفِ بمراقبة أزمات المرحلة الانتقالية، بل كان أحد أبرز الأطراف التي أسهمت في تشكيل مسارها.
وهم التجديد
في كل مرحلة من مراحل الأزمة السودانية، يظهر وعدٌ بعملية سياسية جديدة. بعد سقوط البشير قُدِّمت الشراكة المدنية العسكرية بوابةً للانتقال، فلما تعثرت جاء “تصحيح المسار”، فلما انتهى إلى الحرب أصبح الحل حواراً سياسياً جديداً. حتى ليبدو أن العناوين وحدها هي التي تتبدل، فيما تظل الفكرة الأساسية تدور في الحلقة ذاتها منذ سنوات.
ومنذ عام 2019 تعاقبت الوثائق الدستورية والاتفاقات والتفاهمات، لكن النتيجة النهائية لم تكن انتقالاً مستقراً، بل حرباً أعادت طرح الأسئلة نفسها بصيغة أكثر عنفاً. وتظل تجربة “حوار الوثبة”، الذي أطلقه البشير عام 2014، حاضرةً بوصفها نموذجاً تحذيرياً لما تنتهي إليه المبادرات التي تفتقر إلى إرادة حقيقية.
في هذا السياق، لا يرى القيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي وجدي صالح في حديثه لـ(ديسمبر) أن ما جرى كان سلسلة أخطاء متراكمة فحسب، بل مساراً ذا منطق داخلي. فعدم إيمان القيادات العسكرية بالتحول الديمقراطي، إلى جانب طموحاتها السياسية ومصالحها المرتبطة بالسلطة، دفعها إلى وضع عراقيل أمام الحكومة المدنية الانتقالية وتعطيل قراراتها، بهدف إظهارها عاجزةً عن إدارة المرحلة وتهيئة الأجواء للانقلاب.
ويضيف صالح أن هذه المساعي تُوجت بانقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي عدّه نقطة تحول أدت إلى تفاقم الأزمة ومهّدت الطريق للحرب الدائرة حالياً، مستشهداً بتصريحات سابقة للبرهان بشأن دور المؤسسة العسكرية التي فسّرها الكثيرون كمحاولة لفرض وصاية على الدولة والشعب. ويرى صالح أن هذا النهج يمثل امتداداً لإشكالية العلاقة بين العسكر والسلطة السياسية منذ الاستقلال، وأن وقف الحرب يجب أن يكون الخطوة الأولى نحو حوار جاد يفضي إلى تحول ديمقراطي مستدام، عبر حصر دور الجيش في مهامه المهنية وانسحابه من النشاطين السياسي والاقتصادي، وإنهاء ظاهرة تعدد الجيوش.
إدارة الوقت
ما يمنح دعوة البرهان للحوار وزنها السياسي ليس ما تقوله فحسب، وإنما اللحظة التي اختار أن تُطرح فيها. فالحرب لم تنتهِ بعد، وجبهات القتال ما تزال مفتوحة في أجزاء واسعة من البلاد، فيما يعيش ملايين السودانيين بين النزوح واللجوء، وتبقى مناطق واسعة خارج السيطرة الكاملة للجيش. ومع ذلك جاء الإعلان في ظرف مختلف نسبياً؛ فبعد المكاسب العسكرية التي حققتها القوات المسلحة في الخرطوم ووسط البلاد، باتت المؤسسة العسكرية تتحرك بقدر أكبر من الثقة، الأمر الذي يدفع كثيرين إلى قراءة المبادرة باعتبارها محاولة لإضفاء إطار سياسي على تحولات الميدان أكثر من كونها مراجعة للمسار الذي قاد إلى الحرب.
لكن هذه المقاربة تواجه اعتراضات واسعة. إذ يشدد الناطق باسم القوى المدنية المتحدة نجم الدين دريسة في حديثه لـ(ديسمبر) على أن وقف إطلاق النار ليس نتيجةً للحوار، بقدر ما هو شرط سابق عليه، معتبراً أن الحرب الجارية لا يمكن حسمها عسكرياً أصلاً. ويؤكد دريسة أن العمل العسكري يظل وسيلة لتحقيق أهداف سياسية وليس غاية في حد ذاته ـ وهو موقف يتناقض مباشرة مع منطق إطلاق حوار في ظل استمرار القتال، ويضع معياراً واضحاً لجدية أي مسار مقبل.
مفارقة السيادة
يستند البرهان في دعوته إلى فكرة تبدو بديهية في ظاهرها، وقد عبّر عنها صراحةً بالقول إن العملية السياسية “شأن سوداني خالص” تتم داخل السودان وبإرادة السودانيين، مُرحِّباً بكل دعم “يحترم سيادة البلاد”. وهو تأطير يضع مسبقاً سقفاً على طبيعة أي دور خارجي مقبول.
غير أن الحرب نفسها تجاوزت منذ وقت طويل حدود التعريف الذي يقدمه البرهان للعملية السياسية. فمنذ أبريل 2023 تحولت الأزمة إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متعددة، من أمن البحر الأحمر إلى شبكات الذهب والهجرة والنفوذ الجيوسياسي. وحتى مسارات التفاوض توزعت بين منابر وعواصم مختلفة، فيما تواصل الآلية الخماسية – التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وإيقاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي – مشاوراتها مع طيف سياسي أوسع مما تتوجه إليه دعوة البرهان.
ويرى القيادي في تحالف القوى المدنية الديمقراطية (صمود) شريف محمد عثمان في حديثه لـ(ديسمبر) أن الحديث عن عملية سياسية معزولة عن التأثيرات الخارجية لا ينسجم مع واقع الحرب، ولذلك يعتبر المبادرة الرباعية من أبرز المسارات المطروحة، لأنها تنطلق من الإقرار بأن الأطراف الخارجية الأكثر تأثيراً جزء لا يمكن تجاوزه من أي معالجة جادة.
ويعتبر عثمان أن جذور الأزمة ترتبط بوجود جماعات مسلحة متعددة تتنافس على السلطة والموارد عبر القوة العسكرية، وأن معالجة هذا الاختلال البنيوي تتطلب تسوية سياسية شاملة تأخذ بعين الاعتبار تشابك المصالح الإقليمية والدولية، بدلاً من السعي لاستبعاد دورها الذي بات واقعاً مفروضاً. وبذلك لا تبدو الأزمة مجرد خلاف حول مكان انعقاد الحوار، بل خلافاً أعمق حول من يملك شرعية تعريف السودان الجديد.
أزمة التمثيل
غير أن التحدي لا يتعلق فقط بمن يدعو إلى الحوار، بل بمن يمكنه الادعاء أنه يتحدث باسم السودان أصلاً. فالحرب التي دخلت عامها الرابع أعادت تشكيل الخريطة السياسية والاجتماعية للبلاد. ملايين النازحين واللاجئين، ومناطق واسعة خارج سيطرة الحكومة، وقوى سياسية ومدنية أعادت تنظيم نفسها داخل السودان وخارجه، جميعها عوامل تجعل سؤال التمثيل أكثر تعقيداً مما كان عليه قبل الحرب.
وترى المنسق العام لمبادرة نداء سلام السودان الدكتورة أسماء النعيم في حديثها لـ(ديسمبر) أن أي عملية سياسية تتجاوز الأطراف الفاعلة في المشهد أو تتجاهل القضايا التي فجرت الأزمة ستواجه صعوبة في إنتاج سلام مستدام. ويتقاطع هذا مع موقف دريسة الذي يعتبر أن أي عملية جادة لا يمكنها تجاهل القوى الفاعلة فعلياً في الميدان، بما فيها قوات الدعم السريع وتحالف (تأسيس).
والحرب لم تُضعف مؤسسات الدولة وحدها، بل أضعفت أيضاً أطر التمثيل السياسي التقليدية، وأفرزت فاعليات جديدة من غرف الطوارئ وشبكات النازحين واللجان المجتمعية تولّت أدواراً عجزت الدولة عن القيام بها. لذلك لا تبدو المشكلة محصورة في ترتيب المقاعد حول طاولة الحوار، وإنما في السؤال الأسبق: من الذي يملك تفويض التحدث باسم السودانيين اليوم؟.
سؤال الشرعية
لكن الجدل حول الحوار لا يتوقف عند توقيته أو المشاركين فيه. فهناك سؤال أكثر حساسية يظل حاضراً في خلفية النقاش كله: من يملك شرعية إطلاق عملية سياسية جديدة؟.
من الناحية العملية يسيطر البرهان على مؤسسات الدولة الرسمية، ويقود الجيش الذي استعاد الخرطوم ووسط البلاد. لكن الشرعية السياسية لا تُقاس بالسيطرة وحدها في بلد يدخل عامه الرابع من الحرب، ويحمل إرثاً طويلاً من النزاعات حول مصدر السلطة ومن يملك حق ممارستها.
ويتقاطع مع هذا الطرح رأي القيادي في المؤتمر الشعبي كمال عمر، الذي يؤكد في حديثه لـ(ديسمبر) أن التناقض لا يقتصر على البرهان وحده، بل يمتد إلى محيطه المباشر: فالبرهان ونائبه السابق حميدتي كانا جزءاً من منظومة الحكم التي قادت البلاد إلى الوضع الراهن، وهو ما يجعل الدعوة الحالية امتداداً لمحاولات سابقة هدفت إلى إعادة إنتاج شرعية السلطة لا إلى تسوية سياسية حقيقية. ويعرب عمر عن تخوفه من أن يتحول الحوار الحالي إلى آلية لإضفاء الشرعية على الحكم العسكري بدلاً من معالجة جذور الأزمة، مشدداً على أن أي حوار حقيقي ينبغي أن يُدار في ظل سلطة انتقالية مدنية تضمن إبعاد المؤسسة العسكرية عن العملين السياسي والاقتصادي.
في الأثناء يرى دريسة أن كثيراً من القوى السياسية تنظر إلى المبادرة بعين الشك في ضوء ما وصفه بـ”سجل سياسي اتسم بالمراوغة” طوال السنوات السبع الماضية، شمل انتهاكات ونقضاً للعهود وانقلاباً على الوثيقة الدستورية، وصولاً إلى اندلاع الحرب. ويذهب إلى أن البرهان يفتقر أصلاً إلى الشرعية السياسية اللازمة لرعاية حوار وطني شامل، بجانب أنه متنازَع القرار بين الحركة الإسلامية وقوى إقليمية.
أما شريف عثمان فيعتبر أن الدعوة لا يمكن فصلها عن سعي السلطة القائمة إلى تعزيز شرعيتها داخلياً وخارجياً في مرحلة تتغير فيها موازين القوة العسكرية، مرجِّحاً أنها لا تستهدف إنهاء الحرب بقدر ما تسعى إلى تثبيت الموقع في السلطة.
اختبار الجدية
مع ذلك، حتى أكثر المنتقدين للمبادرة يُقرّون بأن السودان يحتاج في نهاية المطاف إلى عملية سياسية توقف الحرب وتفتح الطريق أمام تسوية أوسع. لكن السؤال لم يعد ما إذا كان الحوار ضرورياً، بل كيف يمكن التحقق من جديته.
وترى أسماء النعيم أن الدعوة يمكن أن تمثل فرصة حقيقية، لكن نجاحها يتوقف على خطوات عملية ملموسة: إنهاء الحرب وحماية المدنيين وإيصال المساعدات أولاً، ثم بناء الثقة تمهيداً لعملية سياسية تعالج جذور الأزمة وتستند إلى توافق وطني واسع يرفض عسكرة السياسة.
في المقابل، يُركّز كمال عمر على أن الإشكالية في نقطة واحدة: السودان لا يعاني من أزمة حوار بقدر ما يعاني من أزمة التزام بنتائجه. فالمشكلة لم تكن يوماً في غياب الطاولات، بل في غياب الإرادة السياسية التي تحوّل ما يُتفق عليه إلى مؤسسات قابلة للحياة. ولهذا يُحذّر من أن يتحول الحوار إلى آلية لإضفاء الشرعية على الحكم العسكري، مشدداً على أن أي حوار حقيقي ينبغي أن يُدار في ظل سلطة انتقالية مدنية.
والمعيار الحقيقي لنجاح المبادرة ليس عدد المشاركين ولا حجم القاعة، بل قدرتها على الإجابة عن سؤال واحد: ما الذي سيجعل هذه العملية مختلفة عن العمليات التي سبقتها؟.
الحلقة المغلقة
بعد سبع سنوات في قلب السلطة، يعود البرهان إلى المفردات نفسها: انتقال جديد، حوار شامل، وبناء دولة على أسس مختلفة. غير أن هذه اللغة لم تعد تُستقبَل بوصفها بداية لمرحلة جديدة، بقدر ما تُقرأ امتداداً لدورة سياسية ظلت تتكرر منذ سقوط نظام البشير. فكلما وصل مسار إلى طريق مسدود، لم يكن يُطرح سؤال: ما الذي أوصله إلى هناك؟، بل يُعلن عن مسار جديد يحمل وعوداً مشابهة.
ولا تبدو أزمة السودان في ندرة المبادرات السياسية، بل في عجزها عن التحول إلى تسويات مستقرة. فمنذ سنوات تتوالد الوثائق والاتفاقات والمنابر، وتُقدَّم كل واحدة منها باعتبارها الفرصة الأخيرة قبل أن تصبح بدورها مقدمة لفرصة أخرى. وبين هذه المحطات المتعاقبة يبقى السؤال معلقاً: ما الذي يجعل العملية الجديدة مختلفة عن سابقاتها؟.
هنا تحديداً تواجه دعوة البرهان اختبارها الأصعب. فالرجل الذي يطرح اليوم انتقالاً جديداً ليس وافداً على تجربة الانتقال السودانية، بل أحد أبرز الفاعلين فيها منذ 2019. ولذلك لن تُقاس المبادرة بما تعد به، وإنما بقدرتها على الإجابة عن سؤال ظل السودان يطرحه على نفسه طوال السنوات الماضية: كيف يمكن كسر الحلقة نفسها، لا إعادة الدوران داخلها؟.