د.العبيد أحمد العبيد
في المقال السابق من هذه السلسلة تناولتُ أهمية التصدي لبعض القيم والسلوكيات الاجتماعية التي تُضعف الحماية الفعّالة لحرية الرأي والتعبير. وأشرتُ إلى أن الضمانات القانونية وحدها لا تكفي إذا ظلت البيئة الاجتماعية والثقافية معادية لحرية التفكير والنقد والتعبير. وفي هذا المقال الأخير، أنتقل إلى قضية أخرى لا تقل خطورة عن تلك التي ناقشناها سابقاً، بل ربما كانت من أكثر القضايا إلحاحاً في السودان، وهي الفساد المستشري على المستويين الفردي والمؤسسي.
وأود أن أطرح فكرة بسيطة ولكنها بالغة الأهمية: لا يمكن خوض معركة جادة ضد الفساد دون حماية حرية الرأي والتعبير، ولا يمكن حماية المال العام أو ضمان النزاهة والشفافية دون تمكين المواطنين والصحفيين ومنظمات المجتمع المدني من الوصول إلى المعلومات والتعبير بحرية عن آرائهم وانتقاداتهم. فالفساد وغياب حرية التعبير وجهان لعملة واحدة؛ حيث يزدهر الأول في البيئات التي تُكمَّم فيها الأفواه وتُحتكَر فيها المعلومات.
لا يُعد الفساد مجرد مخالفة قانونية أو خللاً إدارياً يمكن علاجه بقانون جديد أو لجنة تحقيق إضافية. فالفساد في السودان أصبح، للأسف، ظاهرة ثقافية وأخلاقية واجتماعية متجذرة. وهو يزدهر في البيئات التي تُقدَّم فيها المصالح الخاصة على المصلحة العامة، وتُعامل فيها الوظيفة العامة كفرصة للإثراء الشخصي، لا كأمانة ومسؤولية.
ومن أكثر الجوانب إزعاجاً في الثقافة السودانية المعاصرة أن الاعتداء على المال العام لا يلقى دائماً الاستهجان الأخلاقي الذي يستحقه. فكثيراً ما يُنظر إلى الشخص الذي ينجح في استغلال منصبه أو نفوذه لتحقيق مكاسب مالية على أنه شخص “شاطر” أو “يعرف من أين تؤكل الكتف”، بدلاً من النظر إليه باعتباره شخصاً خان الثقة العامة وأضر بمصالح المجتمع.
لقد أصبح من المألوف أن نسمع قصصاً عن مسؤولين أو موظفين أو متنفذين راكموا ثروات ضخمة خلال فترات قصيرة دون أن يثير ذلك كثيراً من التساؤلات. بل إن البعض ينظر إلى هذه القدرة على تحقيق الثراء باعتبارها دليلاً على الذكاء والنجاح. وهذه النظرة تكشف خللاً أخلاقياً عميقاً، لأنها تفصل بين الثروة ومصدرها، وبين النجاح ومشروعيته.
والفساد ليس جريمة بلا ضحايا، كما يحاول البعض تصويره. فكل جنيه يُسرق من الخزانة العامة هو جنيه يُحرم منه مريض يحتاج إلى علاج، أو طفل يحتاج إلى مدرسة، أو قرية تحتاج إلى مياه نظيفة، أو طريق يحتاج إلى صيانة. وحين تنهار المستشفيات الحكومية أو تتراجع جودة التعليم أو تتدهور البنية التحتية، فإن الفساد غالباً ما يكون جزءاً من التفسير.
إن ضحايا الفساد ليسوا أرقاماً في تقارير المراجعة العامة، بل هم مواطنون حقيقيون يدفعون ثمن الخدمات المفقودة والفرص الضائعة وسوء الإدارة. وقد يكون أكثر ما يثير القلق أن كثيراً من السودانيين لا يربطون بصورة مباشرة بين معاناتهم اليومية وبين الفساد الذي يستنزف الموارد العامة.
والأخطر من ذلك أن المجتمع كثيراً ما يسمح للفاسدين بإعادة تأهيل صورتهم الاجتماعية بسهولة مدهشة. فالشخص الذي جمع ثروته من المال العام أو من استغلال النفوذ يستطيع في كثير من الأحيان أن يشتري الاحترام الاجتماعي من خلال التبرع لمشروع خيري أو بناء مسجد، أو تمويل مناسبة اجتماعية، أو تقديم مساعدات لبعض الأسر المحتاجة.
ولا شك أن الأعمال الخيرية مطلوبة ومحمودة في حد ذاتها، لكن المشكلة تظهر عندما تتحول إلى وسيلة لغسل السمعة الاجتماعية وإخفاء مصادر الثروة غير المشروعة. فبناء مسجد لا يعوض مستشفى لم يُبنَ بسبب اختلاس الأموال العامة، وتمويل مناسبة اجتماعية لا يعوض مدرسة حُرم أطفالها من الكتب والمقاعد الدراسية. لقد أصبحنا أحياناً نحتفي بنتائج الثروة أكثر مما نسأل عن مصدرها، وهي ظاهرة خطيرة لا تقل ضرراً عن الفساد نفسه.
إن المجتمع الذي يفشل في التمييز بين الكرم الحقيقي وبين شراء الشرعية الاجتماعية بأموال مشبوهة هو مجتمع يُسهم، من حيث لا يدري، في إعادة إنتاج الفساد ومنحه غطاءً أخلاقياً.
وترتبط بهذه الظاهرة مشكلة أخرى لا تقل خطورة، وهي ثقافة احتكار المعلومات. ففي السودان كثيراً ما تُعامل المعلومات باعتبارها ملكية خاصة للسلطة أو للمؤسسة أو للمسؤول، لا باعتبارها حقاً للمواطنين.
ولهذا نجد في كثير من المؤسسات الحكومية حساسية مفرطة تجاه طلبات الحصول على المعلومات، أو نشر البيانات، أو كشف تفاصيل الإنفاق العام، أو العقود الحكومية، أو القرارات الإدارية. وغالباً ما يُنظر إلى المطالبة بالمعلومات باعتبارها تحدياً للسلطة أو تدخلاً غير مشروع، بدلاً من اعتبارها ممارسة طبيعية لحق من حقوق المواطنة. والنتيجة هي أن السرية تصبح هي القاعدة، بينما تتحول الشفافية إلى استثناء نادر. وهذا بالضبط هو المناخ الذي يحتاجه الفساد لكي ينمو ويتوسع. فالفساد يعيش في الظلام، ويخشى الضوء.
ولهذا السبب فإن حرية الرأي والتعبير ليست مجرد حق سياسي أو مدني، وإنما هي أيضاً أداة عملية وفعالة لمكافحة الفساد. فهي تعزز الشفافية من خلال تمكين الأفراد والصحفيين والأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني من تداول المعلومات ومناقشة السياسات العامة والتحقيق في أداء المؤسسات الحكومية وكشف أوجه القصور والانحراف.
كما أن الشفافية تجعل من السهل كشف الرشوة واستغلال النفوذ وتضارب المصالح وسوء استخدام الموارد العامة. فعندما تكون المعلومات متاحة يصبح من الممكن مقارنة ما يُقال بما يُفعل، ومقارنة الموازنات بالمشروعات المنفذة، ومقارنة الوعود الحكومية بالنتائج الفعلية.
وقد لعب الصحفيون السودانيون عبر عقود طويلة دوراً محورياً في كشف الفساد والتجاوزات وسوء الإدارة. وعلى الرغم من محدودية الموارد والقيود السياسية والأمنية، فقد ظل عدد كبير من الصحفيين ملتزمين بالدفاع عن حق الجمهور في المعرفة.
لكن هذا الدور لم يكن بلا ثمن. فكلما اقترب الصحفي من الملفات الحساسة المرتبطة بالسلطة أو النفوذ أو المال العام، ازدادت احتمالات تعرُّضه للمضايقة أو التهديد أو الملاحقة.
وقد قدمت السنوات الأخيرة أمثلة واضحة ومؤلمة على ذلك. ومن أبرز هذه الأمثلة قضية الصحفية والإعلامية رشان أوشي التي تحولت إلى رمز مقلق لاستخدام الأدوات القانونية لمعاقبة الصحفيين بسبب تناولهم لقضايا تتعلق بالشأن العام والشفافية. فقد أُدينت في عام 2026 وحُكم عليها بالسجن والغرامة بعد نشر معلومات ومزاعم تتعلق بإدارة أصول وممتلكات عامة وقضايا ذات صلة بالمصلحة العامة. وبغضِّ النظر عن المواقف المختلفة من تفاصيل القضية، فإن الرسالة التي وصلت إلى كثير من الصحفيين كانت واضحة: الاقتراب من الملفات الحساسة قد يؤدي إلى فقدان الحرية الشخصية.
ولم تكن رشان أوشي حالة منفردة. فقد وثقت منظمات حقوقية وصحفية سودانية ودولية حالات عديدة لصحفيين تعرضوا للاعتقال أو الاحتجاز أو الاختفاء القسري، أو التهديد بسبب عملهم المهني. كما تعرض عدد من الصحفيين للاحتجاز في مناطق النزاع، لا سيما في دارفور، في سياق محاولات الأطراف المتحاربة السيطرة على المعلومات والتحكم في الرواية العامة للأحداث.
ووثقت منظمات حقوقية حالات اختفاء واحتجاز لصحفيين مثل أشرف الحبر وعصام محمد هارون ومصعب الهادي وغيرهم، بينما سجلت نقابة الصحفيين السودانيين عشرات الانتهاكات ضد الصحفيين خلال الحرب، بما في ذلك القتل والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتهديد والمضايقات.
ولا تقتصر خطورة هذه الانتهاكات على الصحفيين أنفسهم. فالصحفي الذي يُعتقل أو يُرهب أو يُجبر على الصمت لا يفقد حقه الفردي فقط، وإنما يفقد المجتمع بأكمله نافذة مهمة للوصول إلى الحقيقة. فحين يُخيف المجتمعُ الصحفيين، فإنه يضعف قدرته على كشف الفساد. وحين يُخيف المبلغين عن المخالفات، فإنه يضعف قدرته على حماية المال العام.
وحين يحتكر أصحاب السلطة المعلومات، فإنهم يضعفون قدرة المواطنين على مساءلتهم.
وهنا تظهر أهمية الحق في الوصول إلى المعلومات بوصفه جزءاً لا يتجزأ من حرية الرأي والتعبير.
وقد تناولت هذا الموضوع بالتفصيل في مقالات سابقة، لكن من المهم التأكيد مجدداً على أن حرية التعبير لا تقتصر على الحق في الكلام، وإنما تشمل أيضاً الحق في البحث عن المعلومات وتلقيها وتداولها.
فلا يمكن للمواطن أن يكون رأياً مستنيراً إذا كان محروماً من المعلومات الأساسية المتعلقة بالشأن العام. ولا يمكن للصحفي أن يمارس دوره الرقابي إذا كانت المعلومات محجوبة عنه.
ولا يمكن للمجتمع المدني أن يراقب الأداء الحكومي إذا لم يكن قادراً على الوصول إلى البيانات والوثائق ذات الصلة.
وبطبيعة الحال فإن الحق في الحصول على المعلومات ليس حقاً مطلقاً. فهناك معلومات قد تستوجب الحماية لأسباب تتعلق بالأمن القومي أو الخصوصية الشخصية أو سير التحقيقات الجنائية. لكن هذه الاستثناءات يجب أن تكون محددة وواضحة وضيقة النطاق، وألا تتحول إلى ذريعة دائمة لإخفاء المعلومات التي يحتاجها المواطنون لممارسة الرقابة والمساءلة.
أما الأصل فيجب أن يكون العلنية لا السرية إذ إن المعلومات ملك عام للمجتمع. وقد أكدت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد هذا المبدأ بصورة واضحة. والسودان صادق على هذه الاتفاقية عام 2014. ولا تقتصر أهمية اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على كونها جزءاً من القانون السوداني وتفرض التزامات قانونية على الدول الأطراف، بل هو تأكيدها على أن مكافحة الفساد ليست مسؤولية أجهزة إنفاذ القانون وحدها، بل مسؤولية المجتمع بأسره.
ولهذا السبب تبدأ الاتفاقية، في المادة الخامسة منها، بالتأكيد على ضرورة أن تعتمد الدول سياسات فعالة ومنسقة لمكافحة الفساد تقوم على سيادة القانون والإدارة السليمة للشؤون العامة والممتلكات العامة والنزاهة والشفافية والمساءلة. ومن اللافت للنظر أن هذه المبادئ نفسها تشكل أيضاً الأساس الذي تقوم عليه حرية الرأي والتعبير في المجتمعات الحرة.
فالشفافية ليست قيمة مستقلة عن حرية التعبير، بل هي إحدى ثمارها الطبيعية. وعندما يتمتع المواطنون والصحفيون والباحثون بحرية البحث عن المعلومات ونشرها ومناقشتها، تصبح الإدارة العامة أكثر شفافية بطبيعتها. أما عندما تُحتكر المعلومات أو تُحجب عن الجمهور، فإن فرص الفساد تزداد، حتى وإن وُجدت القوانين والعقوبات.
وتذهب الاتفاقية أبعد من ذلك في المادة العاشرة، فتدعو الدول إلى اتخاذ تدابير لتعزيز الشفافية في إدارتها العامة، بما في ذلك اعتماد إجراءات تسمح لعامة الناس بالحصول على المعلومات المتعلقة بتنظيم الإدارات العامة وعملها وعمليات اتخاذ القرار فيها.
وهنا ينبغي التوقف قليلاً عند نقطة كثيراً ما يساء فهمها في السودان. فالحصول على المعلومات ليس منحة تتفضل بها الحكومة على المواطنين عندما تشاء، بل هو حق أصيل للمواطنين. ذلك لأن المؤسسات العامة لا تعمل لحساب المسؤولين، وإنما تعمل باسم الشعب ومن أمواله. وبالتالي فإن الأصل هو أن تكون المعلومات المتعلقة بالشأن العام متاحة للجمهور، ما لم توجد أسباب استثنائية ومحددة تبرر حجبها.
ومن المؤسف أن الثقافة الإدارية السائدة في السودان تميل إلى عكس هذا المبدأ تماماً. فالسرية غالباً هي الأصل، بينما يصبح الإفصاح استثناءً يحتاج إلى تبرير. وكثيراً ما يُعامل طالب المعلومة وكأنه متطفل أو صاحب أجندة خفية، بينما يفترض أن يُنظر إليه باعتباره مواطناً يمارس حقاً مشروعاً.
وتؤكد الاتفاقية أن الفساد لا يُهزم فقط من خلال العقوبات، بل من خلال تقليص المساحات التي يستطيع أن يختبئ فيها. ولهذا ربطت الاتفاقية بين الشفافية وبين المشاركة الشعبية. فالمادة 13 لا تكتفي بالدعوة إلى إشراك المجتمع المدني في مكافحة الفساد، بل تطالب الدول باتخاذ تدابير فعالة لضمان حصول الجمهور على المعلومات وتعزيز مساهمته في عمليات صنع القرار.
ويكتسب هذا النص أهمية خاصة في الحالة السودانية. فالسودان عانى طويلاً من اتخاذ قرارات مصيرية بعيداً عن أعين المواطنين. وقد اعتاد السودانيون أن يسمعوا عن قرارات اقتصادية أو اتفاقات أو ترتيبات سياسية بعد اتخاذها، لا قبلها. وغالباً ما يكون دور الجمهور مقتصراً على تلقي النتائج، لا المشاركة في النقاش الذي سبقها.
تفترض الاتفاقية أن المواطنين ليسوا مجرد متلقين للسياسات العامة، بل شركاء في صياغتها ومراقبة تنفيذها وتقييم نتائجها. وهذا لا يمكن أن يتحقق في غياب حرية التعبير والصحافة المستقلة والوصول إلى المعلومات.
كما تؤكد الاتفاقية على أهمية الشفافية في إدارة الأموال العامة والمشتريات الحكومية. ومن المعروف عالمياً أن العقود العامة والمناقصات الحكومية تمثل إحدى أكثر البيئات عرضة للفساد إذا غابت الرقابة والمساءلة. ولهذا فإن نشر المعلومات المتعلقة بالعقود والإنفاق العام والموازنات ليس ترفاً إدارياً، بل وسيلة وقائية لمنع إساءة استخدام السلطة قبل وقوعها.
ومن الجوانب المهمة الأخرى في الاتفاقية اهتمامها بحماية الشهود والخبراء والمبلغين عن الفساد. فالمادتان (32) و(33) تدعوان الدول إلى اتخاذ تدابير مناسبة لحماية الأشخاص الذين يبلِّغون عن وقائع الفساد من الانتقام أو التخويف أو الأذى.
وتكمن أهمية هذا الجانب في أن كثيراً من قضايا الفساد لا تُكتشف عبر أجهزة الرقابة الرسمية، وإنما من خلال أفراد يقررون كشف معلومات يمتلكونها بحكم مواقعهم الوظيفية أو المهنية. فإذا كان الثمن المتوقع لكشف الفساد هو الفصل من العمل أو الملاحقة القضائية أو التهديد الشخصي، فإن كثيراً من الناس سيفضلون الصمت. ولهذا فإن حماية المبلغين عن الفساد ليست امتيازاً يُمنح لبعض الأشخاص، بل شرط أساسي لنجاح أي نظام فعال لمكافحة الفساد.
والحقيقة أن التجارب الدولية الناجحة في مكافحة الفساد تؤكد باستمرار أن المعلومات هي السلاح الأكثر فعالية في مواجهة إساءة استخدام السلطة. فقبل أن تتمكن السلطات من معاقبة الفاسدين، يجب أولاً أن تعرف بوجود الفساد. وقبل أن تعرف بوجوده، يجب أن يكون هناك من يملك القدرة على كشفه ونشر المعلومات المتعلقة به.
ولهذا فإن حرية الرأي والتعبير ليست حقاً يقف على هامش معركة مكافحة الفساد، بل هي في قلب هذه المعركة. فهي التي تسمح للصحفي بالتحقيق. وتسمح للباحث بالتحليل.
وتسمح للمواطن بالسؤال. وتسمح للمبلغ بالكشف. وتسمح للمجتمع المدني بالمراقبة. وتسمح للرأي العام بمحاسبة أصحاب السلطة.
ولهذا أيضاً ليس من قبيل المصادفة أن الأنظمة أو المؤسسات التي تخشى المساءلة تميل دائماً إلى تقييد حرية التعبير قبل أي شيء آخر. لإدركها السيطرة على المعلومات تعني السيطرة على النقاش العام، وأن السيطرة على النقاش العام تجعل كشف الفساد أكثر صعوبة.
لكن التجربة الإنسانية أثبتت مراراً أن الفساد قد يستطيع الاختباء لفترة من الزمن، لكنه يجد صعوبة متزايدة في البقاء عندما تتوفر صحافة حرة ومواطنون مطلعون ومؤسسات شفافة وقوانين تضمن الوصول إلى المعلومات.
وهذا هو الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد: أن مكافحة الفساد ليست مجرد معركة قانونية ضد بعض الأفراد الفاسدين، وإنما هي مشروع مجتمعي متكامل يقوم على الشفافية والمساءلة والمشاركة وحرية التعبير.
لقد كشفت الحرب الحالية، ربما أكثر من أي وقت مضى، النتائج الكارثية التي يمكن أن تترتب على غياب الشفافية والمساءلة. فقد تراكمت عبر سنوات طويلة شبكات من النفوذ الاقتصادي والعسكري والأمني بعيداً عن الرقابة العامة الفعالة. ولم يكن المواطن السوداني يعرف إلا القليل عن كيفية إدارة الموارد العامة أو عن المصالح الاقتصادية المرتبطة بمراكز القوة المختلفة. وكان من الصعب مساءلة ما لا يمكن معرفته. ومن المستحيل تقريباً إصلاح ما لا يمكن مناقشته.
ولهذا فإن معركة حرية الرأي والتعبير ليست منفصلة عن معركة بناء الدولة السودانية الحديثة. فلا يمكن الحديث عن مكافحة الفساد دون شفافية، ولا يمكن تحقيق الشفافية دون الوصول إلى المعلومات، ولا يمكن ضمان الوصول إلى المعلومات دون حماية حرية الرأي والتعبير والصحافة المستقلة.
إن حرية الرأي والتعبير والشفافية ومكافحة الفساد ليست قضايا منفصلة، بل هي حلقات مترابطة يعزز بعضها بعضاً. فحيث توجد حرية التعبير تزدهر الشفافية، وحيث تزدهر الشفافية يضعف الفساد، وحيث يضعف الفساد تتعزز فرص الحكم الرشيد وسيادة القانون والتنمية المستدامة. إذ إن حرية الرأي والتعبير ليست ترفاً فكرياً ولا مطلباً نخبوياً. يجب أن نؤكد هنا أن الشفافية ليست عدواً للاستقرار، كما يظن البعض، بل هي شرط من شروطه؛ وأن حرية التعبير ليست عبئاً على الدولة، بل إحدى أهم الأدوات التي تمكنها من حماية نفسها من الفساد والانهيار.
وفي بلد مثل السودان، حيث دفع المواطنون أثماناً باهظة بسبب الفساد وسوء الإدارة وغياب المساءلة، تظل حرية الرأي والتعبير واحدة من أقوى الأدوات المتاحة لحماية المال العام، وتعزيز الشفافية، ومواجهة الإفلات من العقاب، وبناء دولة تستحق ثقة مواطنيها. إنها ليست مجرد حرية للكلام، بل هي درعٌ للمجتمع بأسره في مواجهة الفساد.
في ختام هذه السلسلة
حرية الرأي والتعبير في السودان: من التشخيص إلى الإصلاح
إذا كانت هناك فكرة واحدة حاولت هذه السلسلة التأكيد عليها منذ المقال الأول وحتى المقال الخامس، فهي أن حرية الرأي والتعبير ليست قضية قانونية معزولة يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد مادة في الدستور، أو حقاً من حقوق الإنسان يخص الصحفيين أو السياسيين أو الناشطين وحدهم. بل هي في الحقيقة إحدى الركائز الأساسية التي يتوقف عليها مستقبل الدولة السودانية نفسها.
فخلال المقالات السابقة ناقشنا الإطار القانوني والدستوري لحرية الرأي والتعبير، واستعرضنا الفجوة بين الالتزامات القانونية والواقع العملي، وتناولنا أهمية الرقابة والمساءلة ودور المؤسسات المستقلة، ثم ناقشنا الحاجة إلى بناء ثقافة اجتماعية تقوم على التسامح وقبول الاختلاف، وأخيراً تناولنا العلاقة الوثيقة بين حرية التعبير والشفافية ومكافحة الفساد. ورغم أن كل واحدة من هذه القضايا تبدو للوهلة الأولى موضوعاً مستقلاً بذاته، فإن التأمل فيها يكشف أنها ليست سوى أجزاء مختلفة من المشكلة نفسها.
فالسؤال الذي طُرح في المقال الأول حول حدود حرية التعبير في السودان يقود بصورة طبيعية إلى السؤال الذي تناولته المقالة الثانية: من يراقب السلطة عندما تنتهك هذه الحرية؟ ومن يضمن ألا تتحول القيود الاستثنائية إلى قواعد دائمة؟ ثم يقود ذلك بدوره إلى قضية الوصول إلى المعلومات، لأن الرقابة والمساءلة لا يمكن أن تتحققا إذا كانت المعلومات محجوبة عن المواطنين. وبعد ذلك نصل إلى البعد الثقافي والاجتماعي، لأن القوانين والمؤسسات مهما بلغت قوتها لا تستطيع وحدها حماية حرية التعبير إذا ظل المجتمع نفسه معادياً للاختلاف، أو غير قادر على التعايش مع الآراء المتنوعة. وأخيراً نصل إلى الفساد، الذي لا يعيش إلا في البيئات التي تغيب فيها الشفافية وتضعف فيها المساءلة ويُحرم فيها المواطنون من المعرفة.
ومن هنا فإن القضية الحقيقية ليست مجرد حماية حق فرد في أن يقول ما يشاء، وإنما بناء منظومة متكاملة تسمح للمجتمع بأن يصحح أخطاءه بصورة سلمية ومستمرة. إن المجتمعات لا تنهار لأنها ترتكب الأخطاء. فجميع المجتمعات ترتكب الأخطاء. وإنما تنهار عندما تفقد القدرة على اكتشاف أخطائها والاعتراف بها وتصحيحها. وحرية الرأي والتعبير هي الأداة الرئيسية التي تمكن المجتمع من القيام بهذه المهمة.
فعندما يتمكن المواطن من انتقاد السياسات العامة دون خوف، يصبح من الممكن اكتشاف الأخطاء قبل أن تتحول إلى كوارث.
وعندما يتمكن الصحفي من التحقيق في قضايا الفساد دون تهديد أو ترهيب، يصبح من الممكن حماية المال العام قبل ضياعه.
وعندما يتمكن الأكاديمي أو الخبير من تقديم رأي مخالف للرأي السائد، يصبح من الممكن تحسين القرارات العامة بدلاً من تكرار الأخطاء نفسها.
وعندما تتمكن الجماعات المختلفة من التعبير عن مخاوفها ومطالبها بصورة سلمية، يصبح من الممكن منع الاحتقان وإدارة الخلافات السياسية والاجتماعية دون اللجوء إلى العنف.
وهذا هو السبب الذي يجعل حرية التعبير ركناً أساسياً في أي مشروع جاد لبناء الدولة.
لقد أثبتت التجربة السودانية خلال العقود الماضية أن تقييد حرية التعبير لم يؤدِّ إلى الاستقرار الذي كان يعد به دائماً المدافعون عن القيود. فكلما ضاقت مساحة النقاش العام ازدادت الشائعات. وكلما حُجبت المعلومات انتشرت المعلومات المضللة. وكلما جرى إسكات النقد المشروع تراكمت الأخطاء دون تصحيح حتى تحولت إلى أزمات أكبر.
إن الصمت لا يحل المشكلات، وإنما يؤجل ظهورها فقط. وقد دفع السودان ثمناً باهظاً بسبب هذه الحقيقة. فكثير من الأزمات السياسية والاقتصادية والإدارية التي عانى منها السودان خلال العقود الماضية لم تكن نتيجة نقص المعلومات لدى أصحاب القرار، وإنما نتيجة غياب البيئة التي تسمح بطرح الأسئلة الصعبة وسماع الآراء المخالفة ومراجعة السياسات قبل فوات الأوان.
ولهذا فإن حماية حرية التعبير ليست خدمة تقدمها الدولة للمواطنين، بل هي مصلحة للدولة نفسها.
فالدولة التي تسمح بالنقد والمساءلة وبتداول المعلومات وتكتشف مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات مزمنة وتتمكن من تصحيح أخطائها.
أما الدولة التي تعتبر النقد تهديداً، والمعلومات سراً، والمساءلة عداءً، فإنها تحرم نفسها من أهم أدوات الإصلاح الذاتي.
كما أن التجربة السودانية أثبتت أن القوانين وحدها لا تكفي. فقد شهد السودان عبر تاريخه الحديث فترات تضمن فيها الدساتير قدراً معقولاً من الحماية القانونية لحرية التعبير، لكن هذه الضمانات كثيراً ما ظلت حبراً على ورق بسبب ضعف المؤسسات أو غياب الإرادة السياسية أو هيمنة الثقافة السلطوية.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست معركة نصوص قانونية فقط، وإنما معركة مؤسسات وثقافة وممارسات يومية. فلا قيمة لنص دستوري يضمن حرية التعبير إذا كان الصحفي يخشى الاعتقال. ولا قيمة لقانون يضمن الوصول إلى المعلومات إذا كانت المؤسسات العامة ترفض تقديمها. ولا قيمة لوجود صحف وقنوات إعلامية إذا كانت الرقابة الذاتية والخوف يمنعان الناس من قول ما يؤمنون به. ولا قيمة لحرية التعبير إذا كان المجتمع نفسه يعاقب المختلفين بالرأي ويعامل النقد باعتباره خيانة أو إساءة.
ومن هنا فإن أي مشروع جاد لتعزيز حرية الرأي والتعبير في السودان يجب أن ينظر إلى القضية بصورة شاملة ومتكاملة. فالإصلاحات القانونية والمؤسسية والثقافية مطلوبة.
كما أن الإصلاح الاقتصادي والسياسي يرتبط هو الآخر بصورة وثيقة بحرية التعبير، إذ إن الفقر يقلل من قدرة المواطنين على التعبير عن آرائهم بحرية. كما أن الاحتكار السياسي والاقتصادي يؤدي بطبيعته إلى احتكار المعلومات وإضعاف التعددية. ولهذا فإن بناء مجتمع حر لا يقتصر على إزالة القيود القانونية، وإنما يتطلب أيضاً خلق بيئة تسمح للناس باستخدام حرياتهم بصورة فعلية وآمنة. وقد بينت المقالة الأخيرة حول الفساد أن الدفاع عن حرية التعبير هو في الوقت نفسه دفاع عن النزاهة والشفافية والحكم الرشيد.
لقد حاولت هذه السلسلة أن تقدم تشخيصاً لبعض التحديات الأساسية التي تواجه حرية الرأي والتعبير في السودان. السؤال الأهم يظل: ما الذي ينبغي فعله؟ وكيف يمكن تحويل المبادئ الدستورية إلى واقع عملي؟ وكيف يمكن بناء بيئة قانونية ومؤسسية وثقافية تجعل حرية التعبير جزءاً طبيعياً من الحياة العامة، لا امتيازاً مؤقتاً تمنحه السلطة أو تسحبه متى شاءت؟.
في تقديري، إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب مجموعة من الإجراءات المتكاملة التي تتناول الجوانب القانونية والمؤسسية والثقافية والإعلامية والتعليمية والاقتصادية للقضية. وفيما يلي بعض التوصيات العملية التي أرى أنها تمثل نقاط انطلاق ضرورية لأي مشروع وطني جاد لتعزيز حماية حرية الرأي والتعبير في السودان.
أولاً: استكمال البناء القانوني والدستوري لحرية الرأي والتعبير
- النص بصورة واضحة في أي دستور دائم قادم على حماية حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة وحرية الوصول إلى المعلومات وفقاً للمعايير الدولية.
- مراجعة جميع التشريعات المقيِّدة للحريات، بما في ذلك القوانين الجنائية وقوانين الجرائم الإلكترونية وقوانين الأمن القومي.
- إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر والصحافة.
- إخضاع أي قيود على حرية التعبير لمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب.
- مواءمة التشريعات الوطنية مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.
ثانياً: بناء مؤسسات مستقلة للرقابة والمساءلة
- إنشاء مفوضية مستقلة لحرية التعبير والوصول إلى المعلومات.
- تعزيز استقلال القضاء وحمايته من التدخلات السياسية.
- ضمان استقلال النيابة العامة.
- إعادة بناء المؤسسات الرقابية الرسمية على أسس مهنية ومستقلة.
- إخضاع المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية العامة لمعايير الشفافية والمساءلة.
- تعزيز الدور الرقابي للبرلمان مستقبلاً.
ثالثاً: إقرار قانون فعال للوصول إلى المعلومات
- إجازة قانون حديث وشامل للحق في الوصول إلى المعلومات.
- اعتبار الإفصاح هو الأصل والسرية هي الاستثناء.
- إلزام المؤسسات العامة بالنشر الاستباقي للمعلومات.
- وضع إجراءات واضحة وسريعة للحصول على المعلومات.
- إنشاء جهة مستقلة للنظر في شكاوى رفض تقديم المعلومات.
- تضييق الاستثناءات المتعلقة بالأمن القومي والخصوصية.
- رقمنة السجلات الحكومية وتسهيل وصول المواطنين إليها.
رابعاً: حماية الصحفيين ووسائل الإعلام المستقل
- وقف جميع أشكال الاعتقال التعسفي للصحفيين.
- التحقيق في الانتهاكات التي تعرض لها الصحفيون خلال الحرب ومحاسبة المسؤولين عنها.
- توفير آليات قانونية فعالة لحماية الصحفيين من التهديد والعنف.
- احترام حق الصحفيين في الوصول إلى المعلومات والأماكن العامة.
- ضمان استقلال المؤسسات الإعلامية.
- دعم الصحافة الاستقصائية وتشجيعها.
- إلغاء الرقابة القبلية والامتناع عن استخدام القوانين الجنائية أو الإلكترونية لإسكات الصحفيين.
خامساً: بناء ثقافة للتسامح وقبول الاختلاف
- تعزيز قيم التسامح وقبول الاختلاف في المناهج التعليمية.
- نشر ثقافة الحوار واحترام الرأي المخالف.
- مواجهة خطاب الكراهية والتحريض على العنف.
- تشجيع المؤسسات الدينية والثقافية على تبني خطاب داعم للتعددية.
- تعزيز مشاركة النساء والشباب والمجموعات المهمشة.
- دعم المبادرات المجتمعية للحوار.
- ترسيخ فكرة أن الاختلاف لا يبرر التخوين أو الإقصاء.
سادساً: تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد
- تنفيذ التزامات السودان بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
- ضمان الشفافية في إدارة المال العام والعقود الحكومية.
- نشر الموازنات والتقارير المالية بصورة دورية.
- تمكين الإعلام والمجتمع المدني من مراقبة الإنفاق العام.
- توفير الحماية القانونية للمبلغين عن الفساد.
- تجريم الانتقام من الأشخاص الذين يكشفون وقائع الفساد.
- إخضاع جميع المؤسسات العامة للمراجعة المستقلة.
- تشجيع الصحافة الاستقصائية في قضايا الفساد.
- تعزيز مشاركة المواطنين في الرقابة على الأداء الحكومي.
- تطوير نظم إلكترونية للشفافية والإفصاح.
سابعاً: حماية الفضاء الرقمي وحرية التعبير على الإنترنت
- ضمان حرية الوصول إلى الإنترنت وعدم قطعه إلا وفقاً للقانون.
- حماية الخصوصية الرقمية للمواطنين.
- منع المراقبة الجماعية غير القانونية.
- إلغاء قوانين الجرائم الإلكترونية وإجراء التعديلات المناسبة للقانون الجنائي العادي.
- تعزيز الثقافة الرقمية ومهارات التحقق من المعلومات.
- مكافحة التضليل الإعلامي من خلال التعليم والشفافية.
ثامناً: دور المجتمع المدني والجامعات والنقابات
- دعم استقلال منظمات المجتمع المدني.
- تعزيز دور الجامعات كمراكز للنقاش الحر والإنتاج المعرفي.
- حماية استقلال النقابات المهنية. وتعزيز دورها الخاص بمراقبة أخلاقيات المهن.
- تشجيع البحوث المتعلقة بحرية التعبير والحكم الرشيد.
- بناء شراكات بين المؤسسات الأكاديمية والإعلامية والحقوقية.
- توفير التدريب القانوني والمهني للصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
خاتمة
تكشف التجربة السودانية أن تراجع حرية الرأي والتعبير لا يؤدي فقط إلى انتهاك حق من حقوق الإنسان، بل يفتح الباب أيضاً أمام الفساد وسوء الإدارة والاستبداد وإضعاف الثقة العامة في مؤسسات الدولة. كما أن غياب الشفافية والمساءلة يؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف الدولة نفسها، مهما بدت السلطة قوية في المدى القصير.
ولهذا فإن حماية حرية الرأي والتعبير ليست مطلباً لفئة معينة من الصحفيين أو الناشطين أو السياسيين، بل هي مصلحة وطنية عليا تمس مستقبل السودان كله. فالدولة التي تسمح بالنقد تتعلم، والمؤسسات التي تقبل المساءلة تصبح أكثر كفاءة، والمجتمعات التي تحترم الاختلاف تصبح أكثر استقراراً.
أما المجتمعات التي تُكمم فيها الأفواه وتُحتكر فيها المعلومات وتُخنق فيها النقاشات العامة، فإنها تحرم نفسها من أهم أدوات التصحيح الذاتي والتجديد والإصلاح.
إن الطريق نحو سودان أكثر عدلاً واستقراراً وازدهاراً يمر بالضرورة عبر حماية حرية الرأي والتعبير، وترسيخ ثقافة التسامح، وتعزيز الشفافية، وتمكين المواطنين من المشاركة الحرة والواعية في إدارة الشأن العام.
“الساكت عن الحق شيطان أخرس.”
“الكلمة ما بتموت… لو سكتوا ألف صوت.”
“حرية، سلام، وعدالة.”