
إبراهيم حمودة، صحفي وناقد
ستنتهي هذه الحرب ذات يوم، شأنها شأن كل الحروب. ولكن هل يعني ذلك أن الاستقرار سيعود، وأن التحول الديمقراطي سيجد متنفَّساً في إجراء الإصلاحات الهيكلية اللازمة التي تعني بالضرورة أن تفقد الفئات التي إدارت الحرب مصالحها بشكل كامل، أو كبير؟.
في الفترة الانتقالية التي أُجهضت رأينا نموذج “تسعة طويلة” الذي هدف إلى ترويع المواطنين والإيعاز لهم بأن الديمقراطية تعني الفوضى، وأن حكم العسكر يعني الانضباط والأمان. وتسعة طويلة نموذج متواضع ومحدود مع عظم الأثر الذي تركته الظاهرة، ولكن ما سيحدث بعد نهاية الحرب سيكون على نطاق وعلى درجة من العنف لا تداري نفسها.
لنتخيل عدد الأفراد المشاركين في هذه الحرب من جميع الأطراف؛ جيش، أمن، مشتركة، مستنفرون، براؤون، وإلى آخر المنظومة. من طرف أخر نرى تحالف الحركة الشعبية والدعم السريع بمختلف تشكيلاته والأفراد والمجموعات التي تعمل تحت مظلته طوعاً، وبشكل مستقل وما يطلق عليه “أم باغة”، إضافة للمجموعات القبلية المستقلة التي تحمل السلاح فقط للدفاع عن نفسها على امتداد كردفان بمختلفة ولاياتها ودارفور. ثم حركة عبد الواحد النور في المناطق التي تسيطر عليها.
لا أحد يمكنه حصر العدد الكلي للمنضمين لهذه التشكيلات المقاتلة، ولكن التقديرات الأولية لعمليات البحث تشير إلى ثلاثة أرباع المليون مقاتل، ولكني أعتقد أن عددهم يفوق المليون مقاتل. يمكن إضافة رقم آخر يخص الذين انخرطوا في القتال في مرحلة من المراحل ثم عادوا لممارسة حياتهم العادية بعيداً عن الحرب، ولكنهم يملكون خبرة عسكرية ودراية باستخدام السلاح، وكسروا حاجز قتل الآخَر.
من أين تأتي المخاوف؟
في كل أحوال التسريح ونهاية الخدمة وانتهاء الحروب، أو إنهاء الخدمة العسكرية الرسمية، يواجَه الفرد بتحدي الاندماج في المجتمع من جديد، العثور على وظيفة وممارسة حياته بشكل عادي. هذا في الظروف العادية. إذا تحدثنا عن الجيش السوداني كان الفرد المسرَّح أو المحال للمعاش يحصل على راتب تقاعدي مدى الحياة، بل ويمكنه استبدال جزء من معاشه بشكل عاجل ببيع نسبة منه لنقل 25% يحصل عليها نقداً، لتساعده في بداية مشروع استثماري صغير يكسب منه بشكل أفضل، لأن المعاش في كل الأحوال ولجميع القطاعات لا يكفي تكاليف المعيشة.
مضى وقت على السودان، والمؤسسة العسكرية السودانية أن أفرادها من القاعدة، الجنود العاديين وضباط الصف كانوا يصنَّفون ضمن الطبقة الوسطى من ناحية مداخيل. كان بوسع العسكري العادي الإيفاء بالتزامات أسرته ويتبقى لديه بعض المال يودعه حساب التوفير الخاص به بمؤسسة البريد السوداني، ما كان يعرف بدفتر التوفير.
ولكن هذا الوضع بدأ في التدهور والتغير منذ بداية الثمانينيات، وأصبح على العسكري ممارسة مهنة جانبية من أجل سد الفجوة في ميزانيته الشهرية. في الفئات العليا، أي الضباط بمختلف رتبهم، بدأت تظهر ظاهرة التجارة باستخدام إمكانيات الجيش مثل نقل الأخشاب من جنوب السودان والاتجار فيها، أو قطع الأشجار لتحويلها إلى فحم، الأمر الذي ساهم في ظاهرة إزالة الغطاء النباتي في أجزاء كبيرة وتمدد ظاهرة التصحر.
إذا قارنّا كل ذلك بوضع المؤسسة العسكرية في الوقت الحالي، نرى أن أغلب أفرادها من الرتب الدنيا ينضمون للجيش من أجل الحصول على البطاقة العسكرية لاستخدامها في كسب عيشهم، تهديد المواطنين وابتزازهم، الاتجار في كل شيء قابل للبيع والشراء وإن كان ممنوعاً بنص القانون. وهذه التفصيلة تشير إلى نوعية التعليم التي حصلت عليها الفرد من هذه الشريحة والمهارات والخبرات المتوفرة لديه من أجل مواصلة حياته بشكل طبيعي بعد التسريح أو إنهاء الخدمة.
بإجراء مقارنة حافلة بالتضاد مع أفراد الجيش الأمريكي المسرَّحين، وهو أكبر الجيوش وأحدثها تسليحاً نوعياً، الأمر الذي يتطلب مهارات كبيرة للخدمة ضمن مختلف تشكيلاته خاصة الفنية منها. ومع ذلك تشير الوثائق المختلفة إلى أن 25% من المتقاعدين ينتهي بهم الأمر كمشردين فاقدين للمأوى، إضافة لشريحة كبيرة أدمنت المخدرات، كما أن نسبة الانتحار كبيرة جداً وسط المتقاعدين والمسرحين.
كل ذلك رغم أن النظام الأمريكي يعرف نوعاً من الضمان الاجتماعي بحده الأدنى في شكل كوبونات شراء الضروري من الحاجات والطعام. فما بالك إذا انتهت الحرب الحالية وحدثت عملية دمج وإعادة هيكلة للجيش بأي صيغة يُتَّفق عليها، من بناء جيش جديد كلياً بإعادة دمج مختلف التشكيلات المقاتلة في جيش وطني واحد، بحسب الصيغة التي ستنتهي بها الحرب والاتفاق الذي يتم التوصل إليه والعقد الاجتماعي الجديد الذي يوضح صيغة الدولة وواجباتها والفصل بين السلطات المختلفة، وعلى رأسها دور الجيش الذي يجب أن يكون حديثاً يناسب عصر اليوم وأدوات الحرب التي يتم تطويرها كل يوم.
مؤكد أن إنهاء الحرب سيشكل مأزقاً وجودياً لقطاعات عريضة تشارك فيها الآن بدرجة من الدرجات، بمعنى أنها تحولت إلى نموذج للكسب والتكسب، بما في ذلك الانتقال من طرف لآخر للحصول على حصة أكبر من المكافأة. في ذات الوقت يفتقد العديد، ودعنا نتحدث عن مئات الآلاف، لأي مستوىً تعليمي أو مهارة مهنية من أجل الحصول على عمل يمكنهم من صيانة أنفسهم وأسرهم.
ببساطة سنواجَه بمئات الآلاف من المسرَّحين الفاقدين لأي مؤهلات غير مهارة القتل والنهب، ولا يشاطرون الآخرين تبني مفهوم دولة القانون والمؤسسات، وهو أمر يجب ألا يستهان به، فحتى الكثير من ذوي الحظوة الحاصلين على تعليم معقول لا يتبنون مفهوم مثل هذه الدولة التي لم يحدث لها التحقق طوال تاريخ السوداني منذ استقلاله.
استيعاب هذه المجاميع سيكون عملية شبه مستحيلة، ومحاولة ضبطهم بأدوات الإكراه الخاصة بالدولة عملية مكلفة جداً، لذا من الأصوب التفكير منذ الآن في كيفية إبطال مفعول هذه القنبلة الموقوتة والتعامل معها كأولوية، وليس كبند فرعي في مساعي بناء الدولة السودانية من جديد.