من كاراكاس إلى الخرطوم: لماذا اهتم السودانيون باعتقال رئيس فنزويلا؟

كتب المحرر السياسي

 

كثير من السودانيين لا يعلمون أن «كاراكاس» هي عاصمة فنزويلا، بل إن الغالبية لا تعرف حتى موقع فنزويلا نفسها، تلك الدولة الواقعة في شمال أمريكا الجنوبية، وفي قلب الكاريبي. فهي ليست «كولومبيا» بجنونها الذي منحها موقعًا ثابتًا في وجدان وتداولات السودانيين اليومية، كما أنها ليست البرازيل بسحر «روماريو وبيبيتو ورونالدو الظاهرة ورونالدينو وكاكا وكارلوس، وصولًا إلى نيمار»، حتى يتعرف عليها أهل النيلين بقلوبهم العاشقة لكرة القدم ومتعة السامبا.

وبرغم هذا الغياب الجغرافي والثقافي، فإن عشق السودانيين لكرة القدم ومتعتها لم يمنعهم من ترديد اسم «فنزويلا» ومتابعة ما يجري على أرضها، بل تحولت متابعة تطورات المشهد في دولة الاشتراكي الراحل «هوغو شافيز» إلى شغلٍ شاغل لدى كثيرين.

العملية التي وُصفت بالاختطاف، ونفذتها الولايات المتحدة الأمريكية بحق رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، القابع حاليًا في أحد مراكز الاحتجاز بمدينة نيويورك، بعد تنفيذ الرئيس دونالد ترامب تهديده بتوقيفه، رفعت منسوب الاهتمام السوداني بما يجري في فنزويلا، وأعادت طرح السؤال: لماذا يهتم السودانيون بما يحدث في «كاراكاس» وهم الغارقون في أزماتهم الخاصة؟

 

ويرد البعض هذا الاهتمام السوداني إلى تمدد سؤال: «من التالي؟»، بعيدًا عن اختزال ما جرى في كونه مجرد «بلطجة» أمريكية نابعة من فرض القوة ورؤيتها على الآخرين. فالعملية ذاتها تعكس حقيقة أن عالم اليوم لم يعد يشبه عالم الأمس؛ إذ بات الرؤساء الذين يصدرون أوامر القبض والتوقيف لشعوبهم عرضة لأن يصبحوا ضحايا للآلية نفسها، ويمكن أن يتعرضوا لما كانت تتعرض له شعوبهم.

 

وفي الوقت الذي أدانت فيه دول عديدة ما جرى في فنزويلا، انتظر آخرون تكرار المشهد مع رؤساء آخرين يرون أنهم يهددون السلم العالمي وحياة مواطنيهم، مترقبين «المخلّص الأمريكي» للقيام بهذا الدور. غير أن محللين يرون أن ترامب لم يتحرك بدافع إنساني لصالح الشعب الفنزويلي، بقدر ما حركته الرغبة الأمريكية القديمة في نهب موارد الدول الأخرى وتسخيرها لخدمة مصالح الولايات المتحدة.

وفي سياق هذا الاهتمام السوداني، غرد وزير الإعلام الأسبق فيصل محمد صالح، معبرًا عن رفضه للخطوة، وقال إن ترامب لم يختطف مادورو لأنه ديكتاتور، وإنما طمعًا في ثروات فنزويلا من نفط ومعادن، وهو ملف ظل محور نقاش منذ شهور، وأشار إليه ترامب نفسه أكثر من مرة.

ووصف صالح ما أقدم عليه ترامب بأنه عملية إرهابية وفقًا للقانون الدولي، واعتداء صارخ على سيادة دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة، معتبرًا أن الذين يتحدثون عن دكتاتورية مادورو إنما يبحثون عن منفذ للهروب من مواجهة الحقيقة.

غير أن تغريدة صالح الرافضة لم تلبث أن قابلتها تغريدات في سياق مغاير، اعتبرت ما جرى في فنزويلا بمثابة الضوء الأخضر لعمليات أخرى تهدف إلى «تخليص الشعوب من الدكتاتوريات»، وذهب آخرون إلى حد القول: «مادورو من السابقين وأنتم اللاحقون»، وكأن سوط التهديد قد امتد ليلاحق بورتسودان وحاكم أمرها الواقع عبد الفتاح البرهان.

فالولايات المتحدة، التي تبدو خائفة، تتحول إلى كيان مخيف حين يحرّك سيد المكتب البيضاوي «أقوى جيش في التاريخ»، وحينها يصبح على الجميع أن يتناسوا النياشين فوق رؤوسهم، ويتحسسوا رقابهم، خشية ملاقاة مصير الرئيس الفنزويلي، الذي تحول إلى مجرد سجين داخل الولايات المتحدة، في زمن سطوة القوة الأمريكية التي يقودها ترامب

وتجلّى تصدير الخوف سريعًا حين غرّد مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والشرق الأوسط، مسعد بولس، على منصة «إكس»، قائلًا: «الرئيس ترامب لا يلعب ألعابًا، لا خداع، لا جدال، فقط أفعال مباشرة. هو صادق فيما يقول وملتزم به، إن لم تفهم الرسالة من قبل، فقد وصلت الآن». وهي تغريدة أعادت طرح السؤال مجددًا: من المقصود؟ ومن التالي؟.

 

سودانيًا، جرى تحديد المهدد المحتمل بالقبض عليه بأنه رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، باعتباره يمثل حجر عثرة أمام تحقيق السلام والاستقرار في السودان، فيما رأى آخرون أن العصا الأمريكية قد تطال محمد حمدان دقلو «حميدتي» للسبب ذاته. وبدت الرغائبية هي المحرك الأساسي للتداول السوداني لما جرى في فنزويلا، تلك الرغبة التي تربط، بشكل أو بآخر، فكرة السلام السوداني بواشنطن، لا بغيرها، وأن الطريق الوحيد لهزيمة من يصنعون خوف الشعوب هو تخويفهم بأصحاب القوة الأكبر.

وفي السودان، يُقرأ المشهد «الفنزويلي» من خلال كتاب «الكرامة»، حيث يخلق أنصار الجيش حالة من التشابه، ويقولون إن ما جرى في كاراكاس هو ذات ما حدث في الخرطوم صباح الخامس عشر من أبريل، غير أن «الحرس الرئاسي» أفسد السيناريو بصموده ودفاعه المستميت عن قائد الجيش، وهو المشهد ذاته المتوقع تكراره في حال فكرت الولايات المتحدة في تطبيق نموذج «مادورو» على البرهان، فبالنسبة لمناصري قائد الجيش، السودان ليس فنزويلا، وعبد الفتاح ليس مادورو.

وأشار آخرون إلى أن بولس ربما كان يقصد برسالته المبطنة رؤساء دول أخرى سبق أن ذكرهم ترامب صراحة، من بينهم رؤساء كوبا، وكولومبيا، وإيران، وغيرهم ممن يراهم ترامب تهديدًا حقيقيًا للمصالح الأمريكية، معتبرين أن السودان لا يمثل أولوية لواشنطن حتى تنفذ فيه عملية مشابهة لما جرى في فنزويلا

واستبعد هؤلاء تحريك حاملات الطائرات الأمريكية أو الهبوط في بورتسودان من أجل اعتقال قائد الجيش السوداني، الذي لا يمكن تصنيفه كتهديد مباشر للمصالح الأمريكية أو لمصالح ترامب. بينما ذهب آخرون إلى القول إن قائد الجيش معتقل داخل أزماته الخاصة، ومسجون داخل حدود بلاده التي حولتها الحرب إلى سجن كبير، تبدو معه السجون الأمريكية كفنادق خمس نجوم.

ويرد كثيرون اهتمام السودانيين بما جرى في فنزويلا إلى البحث عن مخلّص ينهي حربًا عبثت بحياتهم وبلادهم لما يقارب ثلاث سنوات، ويرون أن الخطوة الأخيرة قد تقلل منسوب التلكؤ في الاتجاه نحو السلام إلى أقصى حد، بالنسبة لجميع الأطراف.

غير أن عاملًا آخر أسهم في تصاعد هذا الاهتمام، يتمثل في التصريحات الأمريكية التي أبدت استعدادها للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، وملاحقة وتسليم المتهمين إلى لاهاي، وهو سبب كافٍ لاستنفار الاهتمام السوداني، في ظل تجوال متهمين من رموز النظام المخلوع داخل البلاد، تحت حماية سلطتها، وممارستهم مزيدًا من جرائم الحرب، وتوفيرهم وقود استمرار الحرب الحالية، وعلى رأس القائمة الرئيس المخلوع عمر البشير، ووزير دفاعه عبد الرحيم محمد حسين، وأحمد هارون، وغيرهم.

خلاصة الأمر فإن اهتمام السودانيين بما جرى في فنزويلا لا ينبع من فضول سياسي عابر، ولا من معرفة جغرافية متأخرة، بل من شعور عميق بأن العالم بات مترابطًا على نحو يجعل مصائر الشعوب متجاورة مهما تباعدت الخرائط. فالسوداني المنهك بالحرب والانقسام يرى في المشهد الفنزويلي مرآة محتملة لمآلات السلطة والقوة، ويتلمس فيه إشارات تتجاوز كاراكاس إلى الخرطوم، وتعيد طرح أسئلة الخوف والأمل معًا: من يملك القرار؟ ومن يحمي الشعوب حين تعجز دولها عن ذلك؟.

بين انتظار «المخلّص الخارجي» والرهان على الحل الوطني، يظل اهتمام السودانيين بما جرى في فنزويلا تعبيرًا عن توقٍ مكبوت إلى نهاية حرب، وعدالة غائبة، وسلام طال انتظاره، في عالم لم يعد بعيدًا فيه ما يحدث في أقصى الكاريبي عن وجع يحدث على ضفاف النيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *