خاص: (ديسمبر)
في خطوة أشبه بالالتفاف العسكري أثناء المعركة، شرع مالك عقار أير، رئيس الحركة الشعبية – الجبهة الثورية ونائب الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في تحركات سياسية تحت مسمى (لقاء تشاوري حول طبيعة الحرب والقضايا الخلافية المؤثرة في إنهائها). الرسالة وصلت إلى بريد عدد من القوى السياسية وحجبت عن بعضها. والمفارقة الأولى في تحركات نائب البرهان ما كشفته مصادر دبلوماسية لـ(ديسمبر) بأن عقار، في إطار هذا اللقاء التشاوري المزمع، خاطب قيادات في الحكومة الإثيوبية يطلب منها التوسط بينه ورفيق الأمس وقائده السابق عبد العزيز آدم الحلو، رئيس الحركة الشعبية – شمال، نائب رئيس المجلس الرئاسي في حكومة (تأسيس) التي يترأسها محمد حمدان دقلو حميدتي. إلا أن النظرة الفاحصة للرسالة التي بعث بها مالك عقار للقوى السياسية، ومن بينها أحزاب في تحالف (صمود)، نجدها تمضي في اتجاه عملية “استقطاع” مؤثرين من القوى الثورية الرافضة للحرب – أحزاب وأفراد- للانخراط في لعبة شراء الوقت أولاً، وإضعاف صف التحالفات الرافضة لاستمرار الحرب. ولم يستثنِ مالك ورفاقه من مستشاري البرهان في هذا الإضعاف حكومة تأسيس بطلب لقاء عبدالعزيز الحلو.
السعودية ومالك: تلاقي المصلحة
منذ بعض الوقت، تنشط المملكة العربية السعودية في استمالة قيادات وأحزاب سياسية للتقارب مع موقف الجيش وللانخراط في حوار سياسي يترأسه البرهان عقب إطلاقه الدعوة لحوار سوداني – سوداني في بورتسودان. وفعلياً زار عدد من القيادات العاصمة الرياض، غير أن الشكوك في نوايا القيادة السعودية قعدت بمساعيها وجعلتها غير ذات تأثير، ونظر لها كثيرون في أنها في إطار صراعها مع دولة الإمارات، أو في إطار دعمها للبرهان في أفضل الأحوال.
وأول ما بعث بهذه الشكوك اختيار المملكة في مبادرتها لأحزاب وشخصيات حزبية بعينها وتجاهل آخرين، وثانياً تهافتها في إقحام البرهان وقيادة الجيش في الحوار السياسي، وزعزعة موقف القوى السياسة الرافض للعسكريين في مستقبل الحكم والسلطة. ومبعث الشك الثالث الذي قعد بالمبادرة السعودية محاولتها القفز فوق “الهدنة الإنسانية” التي تفضي إلى وقف الحرب، والسعي إلى وضع الخيوط السياسية والعسكرية جميعها في يد البرهان بعد أن تستميل إلى جانبها قوى سياسية وقيادات مؤثرة لها موقف رافض للحرب.
الأسباب التي أشرنا إليها آنفاً، وكانت وراء تضاؤل المبادرة السعودية، وقعت فيها مبادرة عقار ورفاقه إلى حد التطابق، متناسية مقولة نائب الرئيس الشهيرة “لا جدة ولا جدادة”، الأمر الذي يجعل فرص نجاحها عصية وصعبة، حتى لو افترضنا تعاون السعودية مع عقار بعد تلاقي مصلحتهما في أن يضع البرهان كل كروت اللعبة وخيوطها في يده. لأن محاولة السعودية كانت بمثابة إنذار للقوى السياسية، وبالذات تحالف (صمود)، من محاولة شق صفها وتقسيمها وإضعافها لصالح معسكر الحرب خاصة من طرف القوات المسلحة، الأمر الذي عقَّد مبادرة مالك ورفاقه منذ خطوتها الأولى وسار بها في طريق الخيبة.
الفشل.. أم النوايا الحسنة؟
لا يمكن تجاهل الأحداث السياسية التي سبقت دعوة نائب البرهان؛ عقار ومستشاريه، للقاء التشاوري مع قوى سياسية وسعيه للمصالحة مع عبدالعزيز الحلو. وأهم هذه الأحداث التشققات التي ضربت الكتلة السياسية المساندة للبرهان من غير الإسلاميين والنظام البائد، وفي مقدمتها الكتلة الديمقراطية. وقد تابع الجميع الارتباك الذي ظهرت به الكتلة الديمقراطية برئاسة جعفر الميرغني في التعامل مع دعوة (الآلية الخماسية) للحوار السياسي في برلين، وبعد تسميتها ممثليها وابتعاث رئيسها الميرغني نائبته سالي زكي ضمن الوفد عاد وأعلن رفضه المشاركة، مما اضطر سالي إلى اعتزال العمل السياسي وتقديم استقالتها من الكتلة.
لم ينته ارتباك الكتلة الديمقراطية عند هذا الحد، إذ خالف عدد من المكونات قرار رئيس الكتلة بعدم المشاركة في مؤتمر برلين، وشاركت بالفعل في مظهر اختلاف واضح، ومن بينهم حركة جيش تحرير السودان بقيادة حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، ومبارك أردول الذي خرج في مؤتمر صحفي منتقداً موقف الكتلة الديمقراطية نفسها. ثم تكرر المشهد في مؤتمر أديس أباباـ وفي المرة الثالثة في مدينة بون الألمانية وبدعوة من الخماسية نفسها قبلت فصائل أخرى بالمشاركة في الحوار إلى جانب المشاركين السابقين؛ مناوي وأردول. هذه المشاركة تعني قطعاً فشل مبادرة الحوار التي أطلقها البرهان وبشر بها في خطاب جماهيري في عيد الأضحى. هذا الفشل استدعى “التفاف” عقار ومستشاري البرهان وإطلاق دعوة اللقاء التشاوري بما يحقق مكاسب للبرهان أكثر من كونه صادراً عن نوايا حسنة، والغرض منه أن ينتج مصالحة حقيقية ويوفر حلولاً لأزمة الحرب، على حد رأي كثير من الخبراء السياسيين.
أمجد وعقار والدعوة القديمة الجديدة
من قبل أن ينضم أمجد فريد الطيب إلى طاقم مستشاري البرهان وفريق مكتبه رسمياً، كانت له صلة وطيدة برئيس الحركة الشعبية – الجبهة الثورية مالك عقار، وخاصة بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021 وتحديداً بعد الانقسام الذي جرى بين عقار وياسر عرمان رئيس الحركة الشعبية – التيار الثوري. وكشف مصدر لـ(ديسمبر) -مقرب من فريد- أن علاقته بالعسكريين في مجلس السيادة كانت عن طريق عقار نفسه، وإن بدأت مع الفريق ياسر العطا. وظل أمجد، بحسب المصدر، مستشاراً غير رسمي لعقار ومن ثمة للعسكريين في مجلس السيادة مدة غير قصيرة. وانتقل أمجد سريعاً للعب دور المستشار غير الرسمي أيضاً لقائد الجيش الفريق البرهان، وأسند له البرهان مهام خارجية بطرق غير معلنة، من بينها لقاءات مع جماعات ضغط إسرائيلية في الكونغرس الأمريكي في أكتوبر 2025، أي قبل تعيينه رسمياً بخمسة أشهر. وقال المصدر: “أمجد كان ينكر هذه العلاقة بشدة ويرد على من يوجهون له تهمة التعاون مع عقار والانقلابيين بعنف، لكنه هو نفسه يخبر أصدقاءه المقربين بأنه من كتب مقال (وول استريت جورنال) ووضع اسم البرهان عليه، وأنه صاحب فكرة المقال قبل تعيينه رسمياً”.
وأضاف المصدر: “إمجد لم يعد ينكر علاقته القديمة مع الانقلابيين، ولن ينكر علاقته بمبادرة عقار الحالية”. وكثيراً ما تبنى مستشارو الفريق البرهان مبادرات هدفها الإبقاء عليه في المعادلة السياسية، وتوفر له ممارسة هوايته في شراء الوقت والبقاء في السلطة، لذا ذهبت أنظار القوى السياسية للمبادرة والدعوة التي أطلقها عقار على أنها دعوة من البرهان بعد فشل دعوته للحوار السوداني – السوداني في بورتسودان، وأنها بتخطيط من مستشاريه وتم إسناد إعلانه لعقار ليس إلا. وقال المصدر: “مستشار البرهان أمجد فريد ظل يردد النقاط الست التي وردت في دعوة مالك في المجالس ونشرها في بوست في صفحته الخاصة”.
هل سترفض القوى السياسية دعوة عقار لمجرد أنها من مكتب البرهان ومستشاريه؟ سؤال طرحناه على المصدر الذي أجاب: “قطعاً لا”، ومضى قائلاً: “هذه المبادرة لحفظ ماء وجه البرهان بعد فشل دعوته للحوار وعدم اهتمام القوى السياسية بها حتى من مؤيديه، ومحاولة استمرار شراء الوقت لصالحه بقائه في السلطة، والأهم من ذلك تهدف هذه الدعوة إلى إضعاف وإفشال مبادرة الحل السياسي التي تتبناها الخماسية، خاصة أن هناك دعوة للمضيِّ في المشاورات في اجتماع يعقد نهاية هذا الشهر في أديس أبابا”.
اللغة تكشف الكثير
دوائر ضيقة حصلت على نص الخطاب الذي أرسله مالك عقار للقوى السياسية، ومع محدودية من اطلعوا على الخطاب إلا أنهم أجمعوا على أن اللغة التي استخدمت في خطاب الدعوة كشفت عن الكثير، وبالذات تكتيك التمويه لأجل إبعاد النظر عن أنها امتداد لمبادرات مكتب البرهان ومستشاريه بعد تضعضع الثقة فيهم، لذا تملّص مالك من صفة نائب البرهان وعضوية مجلس السيادة وجاء في افتتاحية الخطاب “أخاطبكم بصفتي رئيساً للحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، ومن واقع تجربتي وموقعي في مؤسسات الدولة، لا أتحدث باسم مجلس السيادة أو ألزم مؤسسات الدولة بموقف مسبق، بل دعوة لحوار سياسي مباشر بين القوى السودانية حول القضايا التي تعطل إنهاء الحرب”.
وعلى الرغم من أنه حدد في الخطاب ست قضايا قال إنها مهمة لإيقاف الحرب إلا أنه جعل البداية من التشاور والاتفاق على توصيف الحرب نفسها التي اندلعت في 15 أبريل، وقال: “يتناول الحوار بعد الاتفاق على توصيف طبيعة الحرب، القضايا الخمس التي ظلت تمثل جوهر الخلاف بين القوى السياسية والمدنية”. ولكن من يطلع على ديباجة خطاب دعوة الحوار التي أطلقها مالك ومستشارو البرهان يجده قد وصف الحرب مسبقاً غضَّ النظر عن اتفاقك أو اختلافك مع التوصيف، وجاء في الدباجة “إن ما جرى منذ أبريل 2023 ليس مجرد صراع عسكري بين طرفين، بل حرب شنتها قوات الدعم السريع على الدولة والمجتمع”، وهو ذات التوصيف الذي يستند عليه الجيش والإسلاميون ومن يعرفون بـ”البلابسة”. والقضايا التي تحتاج إلى نقاش وتمثل جوهر الخلاف بحسب الدعوة هي: الموقف من الجيش، والموقف من قيادة الجيش، والموقف من الدعم السريع والقوات الموازية، والموقف من الإسلاميين، ودور المجتمعين الإقليمي والدولي، والموقف من كيف يُحكم السودان (العلاقة بين المركز والهامش).
“الهدنة”: سقوط دعوة مالك
أيهما أسبق: إيقاف الحرب؟ أم قضايا مالك ومستشاري البرهان؟ أفضى هذا السؤال إلى نقاش الدعوة بشكل عميق، واتفق الغالبية على أن تقديم نقاش هذه القضايا ووضعها شرطاً لإنهاء الحرب مدعاة لإطالة عمرها أكثر من إنهائها. وذهب البعض أكثر من ذلك عندما أشاروا إلى أن نقاشها والوصول إلى اتفاق حولها مستحيل في ظل استمرار الحرب، وهذا يجعل “الهدنة الإنسانية” مقدمة على القضايا التي يدعو مالك القوى السياسية لنقاشها والقبول بمبادرته التي لا تنفك من دعوة حوار البرهان، كما أشرنا سابقاً.
ولا يفوت على أحد أن إيقاف الحرب عبر “هدنة إنسانية” أحد الحلول المرفوضة من الحركة الإسلامية وكتائبها، وينظر إليه على أنه “خط أحمر”، لذا تجاهل دعوة مالك لنقاش إيقاف الحرب عبر “هدنة”، وتقديمها على القضايا “الخمس” يزيد من علامة الاستفهام ويرفع شكوك وحذر القوى السياسية من التعامل معها. ووفق هده المعطيات من الصعب أن تنجح دعوة عقار وأمجد فريد ومستشاري القائد العام للجيش في رفع الحرج عن البرهان بعد الفشل الكامل لدعوة الحوار التي أطلقها. وفي المقابل ستفشل المساعي في الحفاظ على الكتلة السياسية الداعمة للبرهان من غير الإسلاميين من ذهابها في اتجاه دعوات المجتمع الدولي للحوار والحلول السياسية، بعد تآكل ثقة داعمين كثيرين في البرهان واتهامه بالمخاتلة لصالح حظوظه وحظوظ الحركة الإسلامية والنظام القديم الذي أسقطته ثورة ديسمبر المجيدة.