كله بالقانون.. القضاء الهولندي يجهض محاولة اختطاف المكتب التنفيذي

كله بالقانون.. القضاء الهولندي يجهض محاولة اختطاف المكتب التنفيذي

فشل مساعي السفارة والفلول في السيطرة على الجالية

تقرير: المحرر السياسي

تتواصل مساعي فلول النظام البائد للسيطرة على الفضاء المدني. وتمتد هذه المحاولات لتشمل تجمعات السودانيين في الخارج خصوصاً في الدول الغربية، حيث تلعب الجاليات في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا دوراً مهماً ومعترفاً به من قِبَل السلطات في الدفاع عن مصالح عضويتها، والحفاظ على لحمة الترابط السوداني والانحياز لقضايا شعبنا، وهو الأمر الذي تجلى بوضوح في الدور الذي لعبته الجاليات والمنظمات في هذه الدول خلال ثورة ديسمبر المجيدة، متمثلاً في دعم الحراك المدني، والتعريف بالقضايا السودانية وقيادة حملات التضامن بمختلف أشكالها.

وتلعب سفارات حكومة الأمر الواقع في بورتسودان دوراً محورياً في هذا المخطط عبر تجيير إمكانيات الدولة لصالح المجموعات المؤيدة لاستمرار الحرب من فلول النظام السابق وبعض المجموعات الموقعة على اتفاق جوبا، لتمكينها من السيطرة على المنظمات والجمعيات السودانية في مجالات عملها، ومن ثم الانحراف بها عن دورها المكتوب في دساتيرها ولوائحها ومواثيقها وتحويلها إلى أبواق لفلول النظام السابق وأعوانهم. وسبق لـ(ديسمبر) أن استعرضت دور سفارة السودان في الدوحة في فرض سيطرة الفلول على لجنة الجالية هناك.

 

استهداف الجالية في هولندا

في هذا التقرير، تسرد (ديسمبر) تفاصيل مساعي الفلول ومن خلفهم سفارة السودان في لاهاي للسيطرة على لجنة الجالية الأم في هولندا عبر أساليب أقل ما توصف به أنها “بلطجة”، وفي إطار خطة شامة لعمل “انقلابات” في جميع الكيانات والجمعيات التي تقودها قوى الثورة والقوى المناهضة للحرب تبدأ من مستوى المحافظات والمدن المختلفة.

هذه الخطة انتقلت من فشل إلى آخر، بفضل وعي السودانيين في هولندا، وبفضل فهمهم العميق لدور هذه الكيانات والتزامهم بالقوانين واللوائح التي يحددها البلد المضيف. حيث سعى الفلول للسيطرة على لجنة الجمعية السودانية ببلدية “نايميخن” وفشلت محاولتهم، وفي الجمعية السودانية بمدينة “أوتريخت” والتي كان مصيرها مثل سابقتها، قبل أن يحيق بهم الفشل في سعيهم للسيطرة على للجنة الجالية الأم، وهو ما سنفصله في هذا التقرير.

 

العقلية الانقلابية

تشكلت لجنة الجالية السودانية في اجتماع جمعية عمومية عقد في مدينة نايميخن في العام 2019 في خضم الحراك الثوري، وتم تسجيلها بموجب قانون الجمعيات المدنية في هولندا، وبالتالي أصبح عملها مضبوطاً بمقتضيات القانون الهولندي أولاً، ومن ثم دستورها ولوائحها الداخلية. وبعد عامين، استقال رئيس اللجنة التنفيذية، ضياء الدين المبشر، من مهامه وتم انتخاب المعز النور بديلاً له من داخل المكتب التنفيذي، بجانب كل من أمين بابو وزهير إبراهيم، وهي الأسماء الثلاثة المعتمدة لدى مسجل الجمعيات في الغرفة التجارية في لاهاي.

وكنتيجة لمؤامرات الفلول على المكتب المنتخب، قرر المكتب التنفيذي الشرعي للجالية السودانية برئاسة المعز النور تشكيل لجنة مكونة من ثلاثة أفراد لمعالجة المشاكل والاختلالات التي شابت عمل الجالية، في خطوة كان الغرض منها تحسين الأداء في عمل الجالية، والنظر في كيفية استيعاب أكبر عدد من السودانيين والجمعيات السودانية العاملة في هولندا لأنشطتها.

إلا أن اللجنة الثلاثية استعانت بعدد آخر من أفراد المكتب التنفيذي غير الأساسيين، وشكلت مجموعة تعقد اجتماعات منفصلة هدفت من خلالها لعمل انقلاب على المكتب التنفيذي الشرعي برئاسة المعز النور. وعندما نما إلى علم المكتب التنفيذي خبر هذا المخطط والاجتماعات التي تعقد من أجل الانقلاب على المكتب التنفيذي، دعا الأخير لاجتماع في “مطعم نبتة” في مدينة أوتريخت لمناقشة سير عمل اللجنة والإصلاحات التي كلفت بها اللجنة المفوضة لمعالجة الإشكاليات في عمل الجالية.

سعت المجموعة لاستغلال هذا الاجتماع من أجل تغيير الموازين داخل المكتب التنفيذي بعد انكشاف مخططهم، وتم التصدي لهم في ذلك الاجتماع وأفشلت خطتهم، وأعلن المكتب التنفيذي خلال الاجتماع حل تلك اللجنة وتجريدها من صلاحياتها.

 

 

اختطاف الجالية

بعد قرار المكتب التنفيذي بحل اللجنة، ادعت هذه المجموعة أنها تمثل المكتب التنفيذي الأساسي، وأسمت نفسها مجموعة الإصلاح، وأنشأت لها مدونة في الواتساب وأصبحت تعمل ضد المكتب التنفيذي الشرعي.

لمواجهة هذا الواقع الذي أصبح يهدد وحدة الجالية وعملها، دعا المكتب التنفيذي الشرعي، برئاسة المعز النور، لاجتماع للجمعية العمومية بمدينة لاهاي بتاريخ 3 مايو 2025م، وحددت مسبقاً أن جدول أعمال الاجتماع سينحصر في تقديم خطاب الدورة والميزانية، ومن ثم يتحول المكتب التنفيذي ى إللجنة انتخابات تدعو لاجتماع ثانٍ للجمعية العمومية يتولى انتخاب مكتب تنفيذي جديد، ولأسباب عملية تتعلق بإعطاء الوقت الكافي لأعضاء الجمعية العمومية لمناقشة خطاب الدورة والميزانية ومن ثم تخصيص اجتماع منفصل للانتخابات التي يتطلب إجراؤها تخصيص وقت كافٍ.

قامت مجموعة الفلول في المكتب التنفيذي التي يقودها محمد صديق بالاستعانة بالسفارة السودانية لحشد مؤيديها من أجل السيطرة على المكتب التنفيذي. وشملت دعوات الحشد من لا يحق لهم حضور اجتماع الجمعية العمومية لعدم قيامهم بملء استمارات العضوية في الوقت المحدد.

وبعد بداية الاجتماع، قام محمد صديق بتوزيع قائمة تحمل أسماء مرشحيهم للمكتب التنفيذي، رغم أن ذلك لم يكن ضمن أجندة الاجتماع. ولم يكن مفاجئاً أن يكون المرشح للرئاسة في هذه القائمة هو فوزي صالح، الموظف في سفارة السودان في هولندا.

وأثناء انعقاد الاجتماع قام عدد من أفراد هذه المجموعة بإحداث بلبلة تهدف لفرض تنظيم الانتخابات، وسادت حالة من الهرج والمرج انتهت بانسحاب أغلبية أعضاء الجمعية العمومية الحاضرين بعد تلاوة خطابي الدورة والميزانية. عقب ذلك، استولت مجموعة السفارة على المنصة وقامت بترشيح فوزي صالح لرئاسة المكتب التنفيذي وآخرين لعضويته.

 

انسحاب موظف السفارة

على إثر هذا التطور، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي ومجموعات السودانيين بالتساؤلات عن حيثيات انعقاد الجمعية العمومية وقانونيتها. وتدخل بعض العقلاء والعارفين بقانون عمل منظمات المجتمع المدني في هولندا ونصحوا فوزي صالح بالانسحاب وتقديم تنازل وذلك لعدم شرعية وقانونية الخطوة، كما أن توليه لرئاسة الجالية لا يتماشى مع قوانين عمل منظمات المجتمع المدني في هولندا ومع وضعه كموظف في السفارة السودانية في لاهاي.

وبدلاً عن أن ينصاع للنصائح ومن أجل أن يحمي نفسه من المساءلة القانونية، دعا فوزي ومجموعته لعقد جمعية عمومية بمدينة لاهاي بتاريخ 13 يوليو 2025، وتم فيه تشكيل مكتب تنفيذي جديد برئاسة سهير بابكر، بعد أن أعلن فوزي صالح انسحابه من رئاسة المكتب التنفيذي.

وبما أن غلطة الشاطر بعشرة، كما يقول المثل، نسي أو تناسى منظمو هذا الاجتماع دعوة الضباط الثلاثة الشرعيين (المعز النور، أمين بابو وزهير إبراهيم) والمسجلين في الغرفة التجارية (الجهة المعنية بتسجيل الأجسام المدنية والتجارية وغيرها)، وكذلك لم يُدعَ اغلب العضوية المسجلة للجالية، خاصة الذين ليس لديهم انتماء للسفارة أو بالنظام السابق.

 

تزوير توقيع السكرتير العام

وكعادة الانقلابيين على الشرعية في كل زمان ومكان، قام المكتب التنفيذي “المختطف” بإنهاء صلاحية الضباط الثلاثة الشرعيين (المعز النور، أمين بابو وزهير إبراهيم)، وتم عمل هذه الإجراء عن طريق موثق قانوني (النوتارس) والمخول له إجراء مثل هذه التغييرات، لكن وفق شروط محددة.

قام المكتب التنفيذي الشرعي، برئاسة المعز النور، برفع عريضة ضد “مجموعة السفارة” لدى الغرفة التجارية وأخطرتها بأن الإجراءات التي تمت غير قانونية بدءاً بتشكيل المكتب التنفيذي الذي تم عقب اجتماع الجمعية العمومية بتاريخ 3 مايو 2025م، وكذلك اجتماع الجمعية العمومية التي انعقد بتاريخ 13يوليو 2025م، بجانب إجراءات (النوتارس) التي استخدم فيها اسم السكرتير العام زهير إبراهيم وبطاقته المنتهية الصلاحية بدون إذنه وكذلك توقيعه، في وقت كان هو خارج هولندا.

 

وأعقب ذلك تقييد بلاغ لدى شرطة قسم ديمين بأمستردام ضد مجهول بتهمة استخدام اسم زهير إبراهيم وتوقيعه بدون علمه. كما رفض المكتب التنفيذي الشرعي مطالبات المكتب المختطف بإجراء عملية التسلم والتسلم المعتادة إلى حين حسم الخلاف.

كله بالقانون..

قامت المجموعة الموالية للسفارة برفع دعوى قضائية ضد المكتب التنفيذي الشرعي بتهمة رفض عملية تسليم العهود عبر محاميها. وحددت جلسة للمحكمة بتاريخ 15 يناير 2026 بمدينة أوتريخت.

انعقدت جلسة المحكمة واستمعت لحيثيات الخلاف التي قدمها محامو الطرفين. وعقب الاستماع لشهادات الطرفين تبين أن الاجتماع الذي انعقد بتاريخ 13 يوليو 2025 لم يكن قانونياً، بالتالي كل ما بني على ذلك غير قانوني، بما في ذلك انتخاب المكتب التنفيذي المختطف.

لم تصدر المحكمة حكمها في هذه الجلسة رغم وضوح الحيثيات بعد أن طلبت “مجموعة السفارة” مهلة أسبوعين لإحضار بعض المستندات لدعم حججهم. وبالفعل منحهم القضاة مهلة أسبوعين حتى 29 يناير 2026 ومن ثم أصدرت حكمها لصالح المكتب التنفيذي الشرعي برئاسة المعز النور.

عقب صدور قرار المحكمة، طلب محامي المكتب التنفيذي الشرعي عبر خطاب من الغرفة التجارية بإعادة الضباط الثلاثة في المكتب التنفيذي الشرعي خلال مدة أقصاها 24ساعة. وردت الغرفة التجارية بخطاب أفادت فيه بأنه من خلال البحث للعرائض المقدمة من الطرفين إليها إضافة إلى قرار المحكمة الذي تلقت نسخة منها تبين أحقية أيلولة قيادة الجالية السودانية إلى المكتب التنفيذي برئاسة المعز النور، وقررت إعادة تسجيل المجلس القديم كمجلس إدارة للجالية السودانية بهولندا وإغلاق ملف التحقيق.

 

استغلال منبر الجالية

خلال فترة “اختطافهم” لمنبر الجالية في هولندا وبدعم من السفارة، فإن مكتبهم التنفيذي الذي قضى القضاء الهولندي بعدم شرعيته، لم يتوان الفلول في استغلال وتجيير هذا المنبر المستقل لتحقيق أهدافهم ومآربهم السياسية والتي لا تعبر بالضرورة عن غالبية أعضاء الجالية السودانية في هولندا. في هذا التقرير سنقدم نموذجين فقط لهذا الاستغلال، على أن نعاود فتح هذا الملف تفصيلياً وبالأسماء والوثائق مرة أخرى إذا اقتضى الأمر.

في 19 نوفمبر 2025، نظمت لجنة الجالية المختطفة تظاهرة أمام المقر المؤقت للبرلمان الهولندي في لاهاي وبمشاركة “لجنة دعم القوات المسلحة السودانية معنوياً بهولندا” (لاحظ صفة معنوياً) وبغرض “إيصال رسالة واضحة إلى البرلمان والحكومة الهولندية بشأن الحرب الكارثية المنسية في السودان ودعم الإمارات لها، وما شهدته مؤخراً مدينتا الفاشر وبارا من مجازر وجرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية.

كما سيتم تسليم مذكرة باسم الجالية والمجتمع السوداني في هولندا تطالب البرلمان الهولندي بتصنيف مليشيا الدعم السريع منظمة إرهابية دولية. ورغم أن بيان الدعوة صادر من لجنة دعم القوات المسلحة “معنوياً” في هولندا، إلا أن المذكرة ستكون باسم “الجالية” ومنظمات المجتمع المدني.

كما عقد منظمو التظاهرة في نفس اليوم 19 نوفمبر 2025 اجتماعاً مع إحدى عضوات البرلمان الهولندي عن كتلة حزبي الخضر والعمال، طالبت فيها بتصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية.

اليقظة والحيطة والحذر

ما حدث في قطر وهولندا فيما يتعلق بدور سفارات بورتسودان في محاولات السيطرة على منظومات المجتمع المدني واستغلالها لصالح تأجيج الحرب وخطاب الكراهية والذي تجلى بشكل واضح في التحقيقات التي تجريها السلطات الهولندية بشأن التخطيط لاغتيال أحد الناشطين الموالين لـ”تأسيس” والتي تناولتها (ديسمبر) في عددها رقم 39، كل ذلك يستدعي اليقظة والحيطة والحذر من قبل القوى المدنية وقوى الثورة في أوساط تجمعات السودانيين في الخارج وتوحيد جهودها من أجل مواجهة مخططات الفلول داخلياً وخارجياً.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *