خبراء ومنظمات حقوقية في جنيف يطالبون بإجراء تحقيق دولي مستقل في ادعاءات استخدام الأسلحة الكيميائية المحققون السابقون لديهم “كل الأسباب للاعتقاد” بأن الأسلحة الكيميائية استخدمت في السودان

جنيف: (ديسمبر)

 

عقد نادي الصحافة في جنيف، الثلاثاء 15 سبتمبر 2026، ندوة افتراضية حول التطورات الأخيرة في النزاع في السودان، وبصفة خاصة الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب الدائرة في السودان، وعلى هامش الدورة الحالية لمجلس حقوق الإنسان.

تحدث في الندوة كلٌّ من:

  1. مارك ألبون، المدير السابق للتعاون الدولي والمساعدة في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والرئيس السابق لوحدة التحقيق في آلية التحقيق المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، وعضو فريق القيادة في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التي مُنحت جائزة نوبل للسلام عام 2013؛
  2. روبرت فيرويذر، الرئيس السابق لمكتب رئاسة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ودبلوماسي بريطاني سابق وممثل خاص للمملكة المتحدة لدى السودان وجنوب السودان.

وسبق النقاش عرض فيلم وثائقي مدته خمس دقائق، يتضمن شهادات لضحايا وشهود على الاستخدام المزعوم لعوامل كيميائية.

وقال مارك ألبون إن مراجعة أجراها فريقه لمجموعة من شهادات الشهود والصور ومقاطع الفيديو والأدلة الرقمية أظهرت قرائن قوية تشير إلى احتمال استخدام مادة كيميائية كسلاح في حادثة واحدة على الأقل في مصفاة الجيلي شمال الخرطوم في سبتمبر 2024. وأضاف أن محدودية الوصول إلى الموقع، ومرور فترة زمنية على الحادثة، حالا دون إجراء فحوص جنائية ميدانية أو تحديد المادة المستخدمة بصورة قاطعة.

وأوضح ألبون أن هذه المعطيات، في تقدير فريقه، تستدعي تحقيقاً أكثر شمولاً من جانب منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة، يكون قادراً على الوصول إلى المواقع وجمع الأدلة المادية والتحقق منها وفق الإجراءات المعتمدة دولياً. وشدد في الوقت نفسه على أن التحقيق الذي شارك فيه لم يحدد الجهة المسؤولة عن الاستخدام المزعوم، سواء القوات المسلحة السودانية أو قوات الدعم السريع أو أي طرف آخر، داعياً إلى عدم استباق نتائج تحقيق رسمي.

من جانبه، وصف روبرت فيرويذر الحرب في السودان بأنها من الأزمات التي لم تحظَ بالاهتمام الدولي والإعلامي المتناسب مع حجم تداعياتها، مشيراً إلى الخسائر البشرية الواسعة والنزوح وتفاقم أزمات الغذاء والرعاية الصحية. ودعا المجتمع الدولي إلى تحويل المواقف السياسية إلى إجراءات عملية، من خلال ممارسة الضغط الدبلوماسي على أطراف النزاع واستخدام الأدوات المتاحة لدفعها نحو وقف القتال واستئناف الحوار.

وقد اتفق الخبيران الدوليان في الدعوة إلى إجراء تحقيق دولي مستقل وذي مصداقية في مزاعم استخدام مواد كيميائية كسلاح في النزاع الدائر في السودان، مؤكدَين ضرورة إخضاع الأدلة المتاحة لفحص فني وقانوني وفق المعايير الدولية، مع التحذير من استباق نتائج التحقيق أو نسبة المسؤولية إلى أي طرف قبل استكماله.

ورفض الخبيران مقترحات بجمع الأدلة بصورة سرية، مؤكدين أن أي تحقيق ينبغي أن يجري عبر آليات دولية رسمية تضمن سلامة الأدلة وسلسلة حفظها وإمكانية استخدامها لاحقاً في إجراءات المساءلة. كما أشارا إلى أهمية الصور ومقاطع الفيديو والأدلة الرقمية، شريطة التحقق من أصالتها ومكان وتوقيت تسجيلها.

وتطرقت المناقشات كذلك إلى تقارير بشأن استخدام غاز الكلور. وأوضح ألبون أن الكلور مادة شائعة الاستخدام في المجالات المدنية، ومن بينها معالجة المياه والصناعة، وأن إنتاجها أو تداولها لا يمثل في حد ذاته انتهاكاً، فيما يصبح استخدامها محظوراً عندما تُستغل خصائصها السامة عمداً كوسيلة من وسائل الحرب.

وشهدت الندوة مداخلات من ممثلين عن شبكات حقوقية أفريقية، ركزت على ضرورة توسيع الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية وتحويل جهود المناصرة إلى تدابير ملموسة لحماية المدنيين وتعزيز المساءلة.

وقالت ميلاني سونهاي كومباتي، ممثلة شبكة المدافعين عن حقوق الإنسان في غرب أفريقيا (WAHRDN/ROADDH)، إن النقاش أتاح لها الاطلاع بصورة أعمق على خطورة الأوضاع في السودان، محذِّرة من أن تداعيات النزاع قد تتجاوز حدود البلاد وتمتد إلى مناطق أخرى في القارة. وأشارت في هذا السياق إلى حالة عدم الاستقرار القائمة في منطقة الساحل وشمال نيجيريا، مؤكدة أهمية تعزيز التضامن الأفريقي ورفع مستوى الوعي بما يجري في السودان.

من جانبها، أعربت ماكسيميليان نغومبي، المديرة التنفيذية لشبكة المدافعين عن حقوق الإنسان في وسط أفريقيا (REDHAC)، عن تضامنها مع الشعب السوداني، مشيدة بجهود التضامن والمناصرة الدولية. وركزت مداخلتها على ضرورة الانتقال من إثارة الاهتمام بالقضية إلى تحقيق نتائج عملية، متسائلة عن السبل الكفيلة بتحويل جهود المجتمع المدني إلى إجراءات ملموسة تكفل حماية السكان المدنيين ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات.

كما أثار عدد من المشاركين قضايا تتعلق بتسريع التحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية، وحفظ الأدلة الرقمية، ودور الصور ومقاطع الفيديو في عمليات التوثيق، إلى جانب الحاجة إلى تحرك دولي أكثر فاعلية لحماية المدنيين ووقف الانتهاكات.

وخلصت الندوة إلى التأكيد على أهمية الحفاظ على الأدلة المتاحة، وتعزيز الاهتمام الإعلامي والدبلوماسي بالأزمة السودانية، والدفع باتجاه تحقيق دولي مستقل يحدد ما إذا كانت مواد كيميائية قد استخدمت بالفعل كسلاح، وطبيعتها والجهة المسؤولة عنها، مع التشديد على أن أي مساءلة يجب أن تقوم على أدلة يمكن التحقق منها وتحقيق رسمي مستقل، وليس على الافتراضات أو الاتهامات المسبقة.

 

خلفية الاتهامات الدولية

 

شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً في التقارير الدولية التي تتهم أطرافاً في النزاع السوداني باستخدام غاز الكلور في هجمات عسكرية، ولا سيما خلال عام 2024، وهو ما أشارت إليه تقارير إعلامية وحقوقية متعددة. كما أعربت منظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” عن قلقها من هذه التقارير، معتبرة أن استخدام غاز الكلور محظور بموجب القانون الدولي. وطالبت منظمات حقوقية إقليمية ودولية بنشر فرق تحقيق تابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية داخل السودان لضمان تحقيق شفاف ومستقل. والسودان دولة طرف في اتفاقية الأسلحة الكيميائية منذ عام 1999، وهي الاتفاقية التي تحظر استخدام المواد الكيميائية السامة كوسيلة من وسائل الحرب.

وعلى الصعيد الدولي، أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات على السودان بعد تقديرات فنية تشير إلى استخدام أسلحة كيميائية عام 2024، في حين نفت الخرطوم هذه الاتهامات، مؤكدة التزامها باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.

وفي مطلع هذا الشهر، نشرت صحيفتا “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” تقريرين استناداً إلى معلومات استخباراتية شرق أوسطية، وتضمنا أدلة على استخدام الجيش السوداني لغاز الكلور في عدة هجمات عسكرية.

 

منظمات حقوقية تطالب بالتحقيق في مزاعم استخدام أسلحة كيميائية في السودان

 

وفي سياق متصل، كان نادي الصحافة في جنيف قد استضاف في 8 سبتمبر الحالي ندوة أخرى حول أوضاع المدنيين في السودان بالتزامن مع أعمال الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، تناولت مزاعم استخدام أسلحة كيميائية، والأوضاع الإنسانية في المدن المتأثرة بالقتال، ومسألة وصول المدنيين إلى الممرات الآمنة.

ونُظمت الندوة بدعوة من منظمة “كاب – حرية الضمير “(CAP Liberté de Conscience)، وبمشاركة منظمة “حقوق الإنسان بلا حدود “(Human Rights Without Frontiers)، وجمعت ممثلين عن منظمات حقوقية ودولية، من بينهم ويلي فوتره، مدير منظمة “حقوق الإنسان بلا حدود”، وويمكو إيستر من منظمة “الأبواب المفتوحة”، إلى جانب عضو البرلمان الأوروبي ماتيج تونين. كما شارك عبر الاتصال المرئي الأب خورخي نارانجو من بورتسودان، فيما أدار النقاش تييري فالي، رئيس منظمة “كاب – حرية الضمير”.

وشكلت مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية أحد المحاور الرئيسية للنقاش. وقال ويلي فوتره إن عدم إجراء تحقيق دولي فني مستقل حتى الآن يثير مخاوف المنظمات المشاركة، داعياً إلى إشراك منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في أي تحقيق مستقبلي. كما شدد المتحدثون على ضرورة التمييز بين التقارير والاتهامات المتداولة وبين النتائج التي يمكن أن يتوصل إليها تحقيق دولي مستقل وذي مصداقية.

واختُتم النقاش بثلاثة مطالب رئيسية رفعتها منظمة “حقوق الإنسان بلا حدود” لمجلس حقوق الإنسان:

  • إجراء تحقيق دولي مستقل في اتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية بمشاركة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مع تحديد إطار زمني واضح لتقديم النتائج؛
  • إخضاع نقل الأسلحة والالتزام بحظرها من جانب جميع الجهات الخارجية الداعمة للحرب، ضمن مناقشات وقرارات مجلس حقوق الإنسان؛
  • ضمان ممرات آمنة للمدنيين المحاصرين في الأبيض والفاشر، مع إنهاء استخدام المدنيين دروعاً بشرية.

وتأتي هذه الدعوات في وقت يواصل فيه مجلس حقوق الإنسان وآلياته المعنية متابعة تطورات النزاع والانتهاكات المرتبطة به، وسط مطالب متزايدة من منظمات المجتمع المدني بتعزيز آليات التحقيق والمساءلة الدولية، بما في ذلك إجراء تحقيق مستقل وشفاف في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان وبالتنسيق مع الجهات الدولية المختصة. كما تشدد تلك المنظمات على ضرورة ضمان ألا تؤدي إطالة أمد الحرب وتشابكاتها الإقليمية إلى إضعاف حماية المدنيين أو عرقلة جهود توثيق الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها ومكافحة الإفلات من العقاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *