لعلهم يعقلون

دور تعدد الجيوش في الانهيار الخاتم لسلطنة الفونج

 

دكتورة ميمان الإمام

 

يتفق معظم المؤرخين، سودانيون وأجانب، على أن تفتت القوة العسكرية للدولة السنارية (1504–1821م) كان من أبرز مظاهر تفككها، وأحد أهم أسباب إضعافها وسقوطها. فالجيش ما عاد مؤسسة وطنية موحدة، بل مجموعة قوى متنافسة مرتبطة بولاءات محلية وشخصية.

فخلال عقود التفكك الخاتم لسلطنة الفونج (من منتصف القرن الثامن عشر حتى سقوط سنار سنة 1821م)، ضعفُ الجيش السلطاني، وما عاد امتلاك السلاح وحمله واستخدامه حكرًا على الدولة، وانما توزع، {قِسْمَةً ضِيزَى}، بين السلطان، وحكام والأقاليم والمشيخات، ونظار وشيوخ القبائل، ثم جماعة “الهمج” التي أصبحت صاحبة القوة الساحقة الماحقة والنفوذ القاهر الطاغي، بعد نجاح قائدها الوزير محمد أبو لكيلك في تنفيذ انقلابه (1761–1762م).

كان للولاة والمكوك جيوشهم الخاصة، استخدموها في حماية مشيخاتهم وأقاليمهم، وفي جمع الضرائب والأتاوات وفض النزاعات، وأحياناً لمقاومة السلطان نفسه والتمرد عليه، كما احتفظت القبائل الكبيرة مثل الشكرية، والشايقية، والكواهلة، والبطاحين، والجعليين، بقواتها التقليدية، التي كان ولاؤها في المقام الأول للقبيلة ولشيخها، ثم للدولة إذا اقتضت مصلحة القبيلة ذلك. لذا فإن “اعتماد السلطنة على التحالفات القبلية، الذي كان مصدر قوة في مرحلة التوسع، تحول إلى مصدر ضعف عندما تراجعت هيبة السلطان وأصبحت القبائل والأقاليم تعتمد على جيوشها الخاصة أكثر من اعتمادها على السلطة المركزية”، وفقًا لما خلص له المؤرخ السوداني العلم بروفيسور يوسف فضل حسن، أمد الله في أيامه، والشواهد عديدة.

الشاهد الأول أن شيوخ القبائل العربية، وبخاصة في مناطق البطانة والجزيرة، أصبحوا أكثر استقلالية؛ يمنعون دخول الجباة، ويرفضون إرسال الرجال، ويهاجمون القبائل الموالية للسلطان، ويعقدون صلحًا أو حربًا دون الرجوع إلى سنار. فيضطر السلطان، غالبًا، إلى استرضائهم بالهدايا والمناصب.

الشاهد الثاني أن شيوخ العبدلاب، بداية من القرن القرن الثامن عشر، أخذوا يجمعون الضرائب بأنفسهم ويحتفظون بمعظم الإيرادات، ويعينون المسؤولين المحليين، ويعقدون التحالفات دون الرجوع إلى سنار، وأصبحت الحلفاية مركزًا سياسيًا يكاد ينافس سنار نفسها. وعندما حاول بعض السلاطين استعادة نفوذهم، واجهوا مقاومة من العبدلاب، الذين أصبحوا قوة سياسية لا يستطيع السلطان إقصاءها.

والشاهد الثالث أن مكوك الجعليين في شندي الذي كانوا يعترفون بسيادة سنار في فترات قوتها، إلا أنهم في أواخر عقود السلطنة أصبحوا يتصرفون باستقلال متزايد، مستقوين بجيوشهم وفرسانهم، محتفظين بعائدات الضرائب، داخلين في تحالفات محلية دون إذن السلطان، وبحلول أوائل القرن التاسع عشر أصبحت سلطة سنار على شندي رمزية أكثر منها فعلية.

وكذلك الحال في بربر، المركز التجاري الأهم بين وادي النيل والبحر الأحمر، فقد وسع ولاتها من نفوذهم الاقتصادي، واحتفظوا بالجزء الأكبر من الرسوم الجمركية، وتصرفوا في كثير من الأحيان بوصفهم حكامًا مستقلين. وكذلك كان الحال مع أمراء كردفان، وملوك تقلي، ومانجل فازغلي، وغيرهم.

أما جيش الهمج، فقصة أخرى. أصبح، وبعد سيطرته على العاصمة حوالي 1761–1762م، أكبر عدةً وعددًا من الجيش السلطاني الذي اقتصر دوره على حماية السلطان وعاصمته سنار، وتنفيذ أوامره التي من ضمنها جمع الضرائب بالقوة عند الحاجة. وهو تفوق في ميزان القوة العسكرية، مكَّن الهمج من السيطرة على مفاصل القرار السياسي، فلم يعد السلطان هو صاحب القرار، وأصبح الوزير الهمجي يعزل ويولي السلاطين، ويدين الجيش بالولاء للوزير أكثر من السلطان. وعندما حاول بعض السلاطين التخلص من هيمنة الهمج، اندلعت صراعات داخلية انتهت غالبًا بانتصار الوزراء. ويتفق المؤرخون على أن استيلاء الهمج على السلطة كان أكبر تمرد عرفته السلطنة، فقد أنهى احتكار الأسرة الفونجية للسلطة الفعلية.

إضافة إلى كل تلك الشواهد، علينا ألا نتجاهل دور الحراسات المسلحة الخاصة التي أحاط بها كبار رجال الدولة من الوزراء، وقادة الجيش أنفسهم. هذه القوة، تجاوزت وظيفتها الأمنية المتمثلة في حماية “الأرباب” وتأمين مقره ومرافقة مواكبه وتنفيذ أوامره، لتصبح أداة للتنافس والضغط السياسي ووسيلة لفرض الإرادة.

كان لهذا الوضع، الذي تعددت فيه الجيوش داخل الدولة، آثاره وتداعياته. فعلى المستوى السياسي فقد السلطان القدرة على فرض قراراته، وأصبح حكام الأقاليم وكبار رجال الدولة أكثر استقلالية وأقل طاعة للسلطان، وأكبر قدرةً على رفض أوامره وفرض إرادتهم، فسهل عليهم الانقلاب عليه وخلعه، بل واغتياله، وفرض سلطان جديد، دون الحاجة إلى بناء أي مؤسسات مرجعية مستقلة مستقرة.

وعلى المستوى الاجتماعي، أصبح حمل السلاح جزءًا من المكانة الاجتماعية. ومع تزايد نفوذ الفرسان والقادة العسكريين على حساب العلماء والقضاة والتجار والحرفيين والمنتجين، تعززت العصبية القبلية فأصبح الولاء للشيخ أقوى من الولاء للدولة، بما أدى إلى إضعاف الهوية المشتركة، وانتشار ثقافة القوة، وزيادة النزاعات، وأصبح الأقوى هو الأكثر احترامًا، الأكثر ثراءً، والأكبر تأثيرًا.

وعلى المستوى الاقتصادي، تصاعدت والرسوم والضرائب والغرامات لتمويل الحملات العسكرية، وانخفض الإنتاج الزراعي بسبب استنفار الناس للقتال، وتعطلت التجارة لعجز السلطة عن حماية طرقها وقوافلها، وبخاصة مع مصر والحبشة والبحر الأحمر، وهرب الكثير من التجار، بعد تزايدت عليهم الضرائب والمكوس ومصادرة الأموال في دولة أصبحت فيها الغنيمة جزءًا من الاقتصاد العسكري.

وترتب على ذلك آثار أمنية عميقة الأثر، لعل أخطرها تحول كل اختلاف أو خلاف أو تنازع مدني إلى مواجهات مسلحة. ونشطت الغارات القبلية (القوم، والهمبتة)، وانتشر قطع الطرق والسلب ونهب المواشي والتنازع حول المراعي، وتراجعت قدرة السلطة المركزية على حماية التخوم وضعفت سيطرتها على الأقاليم البعيدة لانشغال القوى العسكرية بالصراعات الداخلية، وأصبحت معظم القبائل تعتمد في أمنها على قوتها المسلحة أكثر من اعتمادها على السلطة المركزية. وبهذا دخل المجتمع السناري في مرحلة من التفكك السياسي أصبح فيها العنف وسيلة عادية لحسم النزاعات بين القوى المحلية.

أما بالنسبة لعامة السكان فقد دفعوا الثمن الأكبر؛ أفضى تعدد الجيوش وما أنتجته من فوضى سياسية إلى تدهور عميق في حياة عامة السكان. أدى انهيار السلطة المركزية إلى غياب الأمن، وضعف القضاء، وتعدد الجباة والجيوش، وانتشار الغارات ونهب القرى وتعطل التجارة والزراعة. وفي مواجهة هذه الظروف، لجأت الأسر إلى استراتيجيات للبقاء، أهمها الهجرة إلى مناطق أكثر أمنًا داخل السلطنة أو خارجها، والاحتماء بشيوخ القبائل والطرق الصوفية، والابتعاد عن مراكز الصراع. وهكذا أصبح النزوح والهجرة والحماية الشخصية بدائل عن الأمن الذي عجزت الدولة عن توفيره، وكان ذلك أحد أبرز مظاهر تفكك النظام السناري قبيل سقوطه سنة 1821م.

والخلاصة أن تعدد الجيوش في سلطنة الفونج كان سمة بنيوية للنظام السياسي أكثر منه ظاهرة عابرة. ففي مرحلة القوة ساعد هذا النظام على إدارة إقليم واسع عبر التحالف مع القبائل والأمراء، لكنه تحول مع ضعف السلطة المركزية إلى عامل رئيسي في التفكك. وأدى غياب جيش موحد يحتكر القوة إلى تصاعد الانقلابات، واستقلال الأقاليم، وتعزيز العصبيات القبلية، واضطراب الأمن، وانخفاض كفاءة الدولة في الدفاع عن حدودها، وهو ما جعلها عاجزة عن مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، مما سهل لحاكم مصر التقدم نحوها بجيوشه وإسقاطها في وقت قصير مستوليًا على مواردها.

وها هو التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى، وببشاعة أكثر مما عاناه الناس أواخر سلطنة الفونج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *