مع مطلع عام جديد: أيُّ سياسة نبتغي… والسودان ينزف؟

مع مطلع عام جديد: أيُّ سياسة نبتغي… والسودان ينزف؟

صفاء الزين

لا يطرق العام الجديد أبواب السودان كما يفعل في غيره من البلدان، ففي الوقت الذي تتبادل فيه العواصم عبارات التهنئة وتعيد ترتيب أجنداتها، يدخل السودان عامًا آخر مثقلاً بالحرب، واتساع الخراب، وتآكل المعنى السياسي نفسه، ويتحوّل تبدّل التقويم هنا إلى لحظة مراجعة قاسية، وإلى مناسبة لطرح أسئلة أُرجئت طويلًا منذ اشتعال الصراع.

المواجهة الدائرة ثمرة تراكم ممتد من الإخفاق السياسي، وغياب مشروع قومي جامع، وتقديم المقاربات الأمنية على حساب الحوار وبناء المؤسسات، ومع استمرار القتال تتجاوز المعركة حدود السيطرة الميدانية لتلامس جوهر الدولة: هل يظل السودان وطنًا متماسكًا، أم ينزلق إلى فضاء مفتوح لتصارع المصالح الإقليمية والدولية؟

 

على امتداد عام مضى، تحمّل المدنيون العبء الأثقل. ملايين اقتُلعوا من ديارهم، مدن فقدت وظائفها، اقتصاد تهاوى، ونسيج اجتماعي يتمزق بصمت، فاليوم وفي واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية على مستوى العالم، يحتاج أكثر من ثلاثين مليون سوداني إلى عون عاجل، ويواجه أكثر من اثني عشر مليون نازح ولاجئ واقع التشريد، فيما تتداعى الخدمات الأساسية ويتآكل الاقتصاد تحت وطأة حرب مستمرة.

 

مع بداية هذا العام يفرض سؤال جوهري نفسه: من يتولى إنقاذ ما تبقى من الدولة؟ فالمعارك قد تنتهي بالقوة، غير أن الأوطان تُشيَّد بالسياسة وحدها، والسياسة في السودان تتطلب أكثر من بيانات تنديد أو مبادرات شكلية؛ تتطلب شجاعة مواجهة الأخطاء، وإرادة صادقة لوقف النزيف. المبادرات الدولية المتعثرة والتدخلات الإقليمية فقدت قدرتها على مجاراة تسارع الانهيار.

أخطر ما يهدد السودان اليوم ترسّخ الاعتياد على الحرب اعتياد صور الدمار، وتطبيع الفوضى، والتعايش مع تآكل الدولة بوصفه مصيرًا مفروضًا، وعند هذه العتبة تتحول المأساة من أزمة طارئة إلى واقع مقيم، وتضيع الأجيال بين لجوء وانتظار بلا أفق.

عام جديد يبدأ والسودان يختنق بضيق الخيارات، والبلاد لا تتحمل موسمًا إضافيًا بلا سياسة فاعلة، ولا تحتمل إهدارًا آخر للزمن، ولا استمرار الرهانات التي استنفدت جدواها، فإمّا أن يشهد هذا العام انطلاقة جادة لاستعادة الدولة عبر مسار سياسي حقيقي يوقف النزيف ويعيد البناء على قاعدة العدل والشمول، وإمّا أن يُسجَّل شاهدًا على فرصة أخرى تضيع من تاريخ وطن أرهقته الحروب، فالأوطان تُنقذ بقرارات شجاعة تُتخذ في الوقت المناسب، لا بالأماني وحدها.

 

وما يمنح هذا المنعطف ثقله الحقيقي أن السياسة المطلوبة اليوم لا تُختزل في تسويات نخب أو صفقات إسعافية، وإنما في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وصياغة عقد جديد يعيد تعريف السلطة بوصفها خدمة عامة لا غنيمة، ويضع الإنسان في مركز القرار بعد أعوام من التهميش والعنف والقهر والاستهانة بحقوقه، هذه المهمة تتطلب اصطفافًا مدنيًا واسعًا، وخطابًا قوميًا جامعًا، وبرنامجًا تأسيسيا واضحًا للدولة يربط السلام بالعدالة، ويحوّل التنوع إلى مصدر قوة، ويستعيد معنى المواطنة بوصفها أساس الانتماء، من دون ذلك سيظل كل عام جديد مجرّد رقم إضافي في سجل النزيف، فيما يملك السودان من الموارد والقيم ما يؤهله لفتح صفحة مختلفة متى ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الأخلاقية اللازمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *