عبد الواحد نور: عشق “السودان العلماني” في زمن الجحيم

المهندس/ الطيب أبوكروك

 

​تتبدل وجوه الحكّام في الخرطوم، لكن تفصيلاً واحداً يرفض أن يتغير: رجلٌ يرقب المشهد من منفاه في باريس بحزن دارفور الدفين، وحلمٍ يغازله منذ عقود. إنه عبد الواحد محمد نور؛ القائد الذي أسرته فكرة “السودان العلماني الموحد”، فخاض لأجلها أطول معارك الوفاء والرفض.

​لم يمارس نور السياسة كصفقة سلطة، بل كقصة عشق معقدة لأرض تئن. ووسط ألسنة اللهب ونزوح الملايين، وُلدت رابطة مفعمة بالدراما بينه وبين سكان معسكرات النازحين؛ حيث يُنظر إليه كحارسٍ لأحلام البسطاء، يرفض المقايضة على آلامهم.

​تكمن دراماه في “كبرياء الرفض”؛ فبينما تحالف رفاق السلاح مع السلطة ونالوا المناصب، رفض هو اتفاقيات أبوجا، والدوحة، وجوبا. يصرّ نور على أن الحلول الجزئية خيانة، وأن النضال يقتضي إما زفافاً كاملاً للعدالة والمواطنة الشاملة، أو البقاء في المنفى.

​لكن المحللين يضعون هذا الشغف على محك الواقعية؛ فهل خدم هذا الوفاءُ الرومانسي للمبادئ أصحابَ المعسكرات حقاً؟، أم تحوّل إلى تصلُّب أضاع فرصاً ممكنة وترك الضحايا تحت هجير اللجوء؟.

​وحين اشتعلت الحرب بين الجيش والدعم السريع، رفض نور الانحياز، معتبراً إياها صراعاً بين الديوك لا يعكس حلمه. يبقى عبد الواحد نور دراما سودانية بامتياز؛ سحره ومأساته في أنه رفض أن يساوم. وبين من يراه فارساً لا يُشترى، ومن يراه راديكالياً أضاع فن الممكن، يظل ينتظر لقاء حبيبته السمراء (السودان).. حتى لو كان اللقاء سراباً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *