القوى المدنية في أديس أبابا: نخشى على بلادنا من الانقسام وعلى شعبها من المعاناة
أديس أبابا: شوقي عبدالعظيم
مضى على اندلاع الحرب 40 شهراً، ولم تتوقف جهود القوى السياسية المناهضة لها سعياً إلى إيقافها. وقد اجتمعت هذه القوى في عواصم عديدة لهذا الغرض، بعد أن استهدفت من طرفي الحرب بالعنف والاعتقالات والبلاغات الكيدية وخطاب التحريض حتى تعيش في المنافي. في يومي السبت والأحد الماضيين (22 و23 أغسطس 2026) اجتمعت هذه القوى في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.
أجندة الاجتماع كانت واضحة ومحددة: مناقشة دعوة البرهان للحوار، والموقف من المبادرات الدولية والإقليمية، وتقديم رؤية للحوار الذي ينهي الحرب. الحضور أيضاً كان وفق معايير واضحة ومتفق عليها، حيث يشارك كل من يعمل على مناهضة الحرب ولا يصطف مع أحد طرفيها. فبعد (40) شهراً باتت الرؤية أكثر وضوحاً، لذلك جاء الحضور مختلفاً نوعاً وعدداً، وكان الاتفاق أسهل بكثير حول الموضوعات المطروحة مما سبق، وما اتُفِق عليه لا يخرج عن هدفين: حماية المدنيين وتحقيق السلام في ربوع السودان. وكل ذلك لن يتحقق إلا عبر إسكات صوت الرصاص وأزيز المسيرات الفتاكة.
من هم الحاضرون؟
قبل ذكر الجهات المشاركة في المؤتمر، لا بد أن نعود إلى الوراء قليلاً، لنتبين كيف أثرت الحرب في القوى السياسية والمدنية. في أول الأمر تجمعت كثير من القوى السياسية والشخصيات المدنية في موقف رفض الحرب وعدم الانحياز لطرف، باستثناء الأحزاب المشاركة في انقلاب 25 أكتوبر 2021 والتي ظلت تساند قائد الجيش عبدالفتاح البرهان. تجمعت القوى السياسية والمدنية في تحالف (تقدم) والذي يضم قوى الحرية والتغيير وأحزاباً لم تكن ضمن تحالف قوى الحرية والتغيير (قحت)، إلى جانب لجان مقاومة ونقابات وحركات مسلحة. ومع الوقت كان لقوى سياسية وحركات مسلحة وشخصيات مدنية رأي آخر، وهو الانحياز إلى الدعم السريع بحجة منازعة البرهان وحليفه المؤتمر الوطني على الشرعية، إضافة إلى الآثار التي وقعت على أهل إقليم دارفور وكردفان ومنعهم من حقوقهم المدنية (الحرمان من الأوراق الثبوتية، على سبيل المثال).
ولما تمسكت المجموعة بموقفها بأن لا تنحاز لطرف، حدث انقسام في (تقدم)، أو ما يعرف بفك الارتباطـ. وفي حقيقة الأمر كانت الحركات المسلحة الدارفورية أول من غادر (تقدم) وتبعتهم شخصيات دارفورية وأحزاب سياسية وشخصيات من مختلف الوجهات والتوجهات. وهنا خرج تحالف “صمود” والذي يضم كل من رفض هذا الموقف ووقف عند مبدأ عدم الانحياز لأحد أطراف الحرب. تسبب فك الارتباط في إضعاف الجبهة المناهضة للحرب، ليس من حيث الموقف ولكن من حيث الشمول والتمثيل.
لكن عزيمة القوى الرافضة للحرب في (صمود) وغيرها لم تفتر، وأخيراً وفي اجتماع أديس أبابا تحقق ذلك بشكل كبير، وحضر الاجتماع قوى إعلان المبادئ السوداني والتي تضم أحزاباً وحركات مسلحة وكيانات وشخصيات قومية، أبرزها حزب البعث العربي الاشتراكي، حركة تحرير السودان بقيادة عبدالواحد محمد أحمد النور، ويضم أيضاً تحالف (صمود)، بكل مكوناته الحزبية والنقابية والشبابية، وشارك حزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل وحزب المؤتمر الشعبي وأجسام نسوية وأجسام شبابية. وهذا يعني أن مؤتمر أديس أبابا حظي بتمثيل وحضور واسع للقوى المناهضة للحرب وتعمل من أجل تحقيق السلام في السودان، والأهم من ذلك فتح الباب أمام آخرين للاصطفاف ضد الحرب والعمل على إيقافها وإحلال السلام.
لا للحوار التضليلي
الحوار التضليلي المقصود هو الحوار الذي دعا إليه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان. ولا أدري إن كان من حسن الصدفة أم لا. فقبل أن تصدر الوثيقة عن المؤتمر والتي رفضت الحوار جملة وتفصيلاً أكد البرهان بنفسه أن الحوار تضليلي، وبمثابة رد فعل على العقوبات المتوقع أن تصدر في حق الجيش، بحسب البرهان نفسه الذي خرج في مناسبة تخريج ضباط شرطة وقال “المجتمعين في الفنادق لن يحكموا السودان مرة أخرى”. وهنا أهال البرهان التراب على الحوار السوداني – السوداني، وأكد أنه حوار تضليلي.
وبالعودة للمؤتمر والوثيقة التي صدرت عنه من المهم الإشارة إلى أن حوار البرهان هو البند الأول الذي تم نقاشه، لذا تصدَّر الوثيقة بعد الديباجة. أوضحت الوثيقة لماذا ترفض القوى المناهضة للحرب حوار البرهان، وجاء في ذلك أن “السودان يحتاج لعملية سلام حقيقي، وليس حواراً تضليلياً. إن ما يُروَّج له اليوم تحت مسمى “الحوار” ليس، من حيث الجوهر والمنهج، عملية للسلام بالمعنى المتعارف عليه سودانياً أو دولياً في عمليات إنهاء الحروب. فعمليات السلام الحقيقية تقوم على أطر ومراحل معروفة ومجربة: وقف عدائيات لأغراض إنسانية، فترتيبات أمنية وسياسية انتقالية، فوقف دائم ومستدام لإطلاق النار، ضمن مسار يُعرف بالتفاوض ويقوم على الندّية، تُشرف عليه وتضمنه مظلة مستقلة ومتفق عليها”.
لكن النقطة الأهم والأكثر حساسية في رفض القوى المناهضة للحرب تتعلق بوحدة السودان، وهي نقطة تستند إلى منطق قوي، فيها: “حين يُعقد “حوار وطني” حصراً داخل مناطق سيطرة طرف واحد من طرفي الحرب، ويُدار تحت حمايته ورعايته، فإن أول ما يُقال بذلك، ولو لم يُصرّح به، هو أن السودان لم يَعُدْ بلداً واحداً، بل صار جغرافيات سيطرة متعددة، لكل منها سلطتها وحوارها. هذا ليس تفصيلاً شكلياً عن مكان الانعقاد، بل هو جوهر المسألة. فحين يقرر طرف حرب أن يحاور “من داخل مناطق سيطرته” ويستثني بذلك ملايين السودانيين/ات الذين يقيمون أو يُشرَّدون خارج مناطق سيطرته، فإنه يمنح شرعية سياسية لواقع التقسيم الميداني الذي أفرزه القتال، ويحوله من انقسام عسكري مؤقت قابل للعلاج إلى وضعية سياسية دائمة. إن القبول بهذا المنطق هو خطوة على طريق تفتيت الدولة السودانية إلى كيانات متصارعة على الأرض والشرعية والموارد. إننا نرفض، وسنقاوم، بشكل قاطع وحاسم سلوك هذا الطريق”.
وهناك أسباب أخرى لا تقل وجاهة ومنطقاً من سابقتها المتعلقة بوحدة السودان، من بينها أن حوار البرهان لم يهتم بإيقاف الحرب وهي أساس الأزمة في السودان اليوم ولا يمكن تحقيق سلام ينهي معاناة السودانيين عبر هذا الحوار، إضافة إلى أن الحوار يكرس الاستبداد ويضع السلطة في يد رجل واحد اسمه البرهان، وفي أفضل الأحوال في قبضة الجيش.
“السلام الذي نريد”
العبارة أعلاه اتخذتها القوى المناهضة للحرب عنواناً للوثيقة، وخيراً فعلت، إذ إنها لم ترفض الحوار والسلام، وإنما قدمت بديلاً يؤكد أنها لا ترفض الحوار، ولكنها ترفض حواراً تضليلياً، وفق شروط البرهان، يفضي إلى تنصيبه رئيساً، لكنها تقبل بحوار يفضي إلى وقف الحرب وإنهاء الصراع ويخرج السودانيين من المعاناة. وجاء في الوثيقة “عملية سلام متكاملة تنطلق من وقف عدائيات لأغراض إنسانية، ثم ترتيبات للانتقال عبر مسار سياسي مترابط، ثم وقف دائم ومستدام لإطلاق النار، تُدار بمنطق التفاوض الندّي بين الأطراف عسكرية ومدنية، تحت مظلة مستقلة ومتفق عليها، وتُخاطب جذور الحروب السودانية المتكررة لا أعراضها”. وشددت الوثيقة على أن الحوار الذي تريده القوى المناهضة للحرب يجب أن يحافظ على وحدة السودان ويبنى وفق مراحل ثلاث، هي:
- المسار الإنساني: حماية المدنيين فوراً، وفتح الطريق أمام الغوث وعودة من هُجّروا من ديارهم دون قيد،
- مسار وقف إطلاق النار: هدنة إنسانية شاملة وفورية تمهيداً لوقف إطلاق نار دائم يُنهي دوامة القتل،
- المسار السياسي: حوار سوداني-سوداني صريح وشفاف يعالج جذور الحروب الأهلية، ويوفر حلولاً شاملة ومستدامة.
أطراف الحوار
السؤال المفخخ الذي يرد كلما كانت هناك دعوة للحوار هو: “من هم المشاركون في الحوار؟”. أجابت الوثيقة عن هذا السؤال بوضوح: رفضت مشاركة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما، وجاء فيها أن “أطراف عملية السلام يجب أن تعكس الواقع السوداني المعروف، لا الاصطناعي، وتستثني المؤتمر الوطني وحركته الإسلامية وواجهاتهما”. وحددت ثلاثة كيانات للمشاركة في الحوار وهي: “القوى المناهضة للحرب غير المصطفة مع أطرافها، والقوى المصطفة مع القوات المسلحة، والقوى المصطفة مع قوات الدعم السريع، على أن تقتصر مشاركة القوات المسلحة وقوات الدعم السريع على مسار وقف إطلاق النار والمسار الإنساني، دون الخوض في المسار السياسي -إلا فيما يليها ويتفق عليه- والذي هو شأن مدني بامتياز”. واشترطت أن لا يسيطر عليه طرف من الأطراف الثلاثة، مع مشاركة واسعة للنساء والشباب والنازحين والسودانيين في المهاجر.
الرباعية هي الأفضل
في بند المبادرات الخارجية، اتفق أعضاء المؤتمر على أن مبادرة الرباعية هي الأفضل لإحلال السلام وإعادة المسار الديمقراطي المدني. وجاء في الوثيقة “نرى أن خارطة طريق الرباعية الصادرة في 12 سبتمبر 2025 تمثل المرجعية الأفضل لعملية السلام في السودان، ذلك أنها جاءت استجابة لتطلعات الشعب السوداني”.
أما بخصوص مبادرة الخماسية، التي تضم منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والإيقاد، فأكد المؤتمر على دورها وشكرها على جهودها، ووجه لها اللوم، لأنها خرجت عن دور الوسيط والمسهل لعملية السلام إلى الفاعل الذي يقرر في أمر المشاركين. ومع ذلك اتفق الاجتماع على ضرورة التعامل معها، وقال الدكتور عبدالله حمدوك في لقاء عدد من السفراء الأوروبيين والمبعوث الأمريكي إننا “مستعدون للتعامل مع الخماسية منذ الغد”، بعد أن أبلغهم صوت اللوم.
وختم بند المبادرات الخارجية بنقطة مهمة تتعلق بضرورة تنسيق الجهود حتى لا يستفيد دعاة الحرب من التناقضات والتباينات بين المبادرات لاستمرار الحرب “فتعدد المسارات الدولية دون تنسيق يُضعف الضغط الجماعي المطلوب لوقف الحرب، ويفتح الباب أمام تلاعب قوى الحرب بتناقضات الوسطاء، بينما توحيد الجهود هو وحده الكفيل بإنتاج تسوية متماسكة وقابلة للتنفيذ على أرض الواقع”.
نداء للسودانيين والسودانيات
خصصت الفقرة قبل الأخيرة لدعوة السودانيين والسودانيات إلى مناهضة الحرب، وعدم الانسياق وراء دعوات استمرارها تحت دعاوى الكرامة أو جلب الديمقراطية. وجاء فيها “يا أبناء وبنات السودان، في الداخل والمنافي، في المدن والأرياف والمعسكرات، في مناطق السيطرة كلها دون استثناء: لقد آن الأوان أن نقول كلمتنا بصوت واحد. هذه الحرب التي حصدت الأرواح ومَزَّقت النسيج الاجتماعي وشَرَّدت الملايين يجب أن تتوقف الآن وليس غداً.”
الطرق على وثيقة “السلام الذي نريد”
في مجمل القول، كان اجتماع أديس أبابا ناجحاً، ويعد خطوة حقيقية في طريق وحدة القوى المناهضة للحرب. واتسم الاجتماع بروح التوافق والاتفاق، وكثيراً ما كان يُسمع صوت التصفيق داخل القاعة. كما أن الوثيقة الصادرة عنه خاطبت القضايا المطروحة بشفافية ووضوح، وفتحت الباب أمام كل من يؤمن بوقف الحرب ومناهضتها للانضمام والمشاركة والمساهمة. ولكن من المهم البناء على مخرجات الاجتماع والحرص على تطويرها حتى لا تذهب أدراج الرياح وتستمر الحرب.