المعلمون يصعِّدون والسلطة تلجأ للإجراءات الأمنية

وقف الحرب يمهد لإنقاذ التعليم وتحسين أوضاع المعلم المعيشية

خاص: (أفق جديد – صوت الأمة – ديسمبر)

 

أعلنت لجنة المعلمين السودانيين، في بيان بتاريخ 11 يوليو 2026، أن المعلمين سيواصلون تصعيدهم السلمي حتى الاستجابة لمطالبهم العادلة، دفاعاً عن كرامة المعلم، وحمايةً للتعليم الحكومي، وصوناً لحق كل طفل سوداني في تعليم مجاني وجيد. ونوه البيان إلى أن الحراك المطلبي للمعلمين يتواصل في عدد من الولايات؛ حيث يدخل إضراب ولاية كسلا أسبوعاً شاملاً خلال الفترة من الأحد 12 إلى 16 يوليو 2026، فيما يستمر الإضراب المفتوح بولاية الجزيرة، ويُنفَّذ الإضراب المبرمج بولاية الخرطوم يومي الأحد والخميس 12 و16 يوليو 2026.

وأكدت لجنة التصعيد بأن إصرار السلطة على تجاهل المطالب المشروعة للمعلمين، وترك المدارس الحكومية مغلقة كلياً أو جزئياً، مقابل استمرار المدارس الخاصة في عملها، لا يقود إلا إلى مزيد من إضعاف التعليم الحكومي، وهذا النهج يعزز الشكوك في وجود توجه للتخلص من عبء التعليم الحكومي، بدلاً من تحمل الدولة لمسؤوليتها الدستورية والأخلاقية في دعمه وتطويره وضمان استمراره. وشدد البيان على أن التعليم الحكومي ليس عبئاً على الدولة، بل هو استثمار في مستقبل الوطن، وأي سياسات أو ممارسات تؤدي إلى إضعافه سيدفع ثمنها ملايين التلاميذ والطلاب والأسر السودانية.

 

أزمة شاملة

الإضرابات الحالية للمعلمين في عدد من الولايات سبقتها تحركات مطلبية مرتبطة بالواقع الذي خلفته الحرب. صحيح أن هناك كثيراً من المشاكل والقضايا التي كانت مطروحة من قبل المعلمين حتى اندلاع الحرب، لكن التعليم تعرض لكارثة كبيرة منذ 15 أبريل 203، حيث يواجه واحدة من أكبر الأزمات التي واجهها القطاع منذ تأسيس الدولة السودانية الحديثة. فقد أدى القتال إلى تدمير البنية التعليمية، وتعطيل الدراسة، وحرمان ملايين الأطفال من حقهم في التعليم، وسط غياب رؤية وطنية شاملة لمعالجة آثار الحرب على هذا القطاع الحيوي.

وفي الأسابيع الأولى من الحرب، أشارت عمليات الرصد إلى خروج نحو 5 آلاف مدرسة من وظيفتها التعليمية بعد تحويلها إلى مراكز لإيواء النازحين، بينما تعرضت مدارس أخرى للقصف أو الدمار، واستخدم بعضها ثكنات عسكرية، الأمر الذي أدى إلى شلل واسع في العملية التعليمية.

وتوقفت الدراسة بصورة شبه كاملة في ولايات دارفور، ومعظم ولايات كردفان، وأجزاء من ولاية النيل الأزرق، وهي مناطق تضم ما يزيد على 6 ملايين طالب وطالبة، أي أكثر من نصف طلاب السودان. وإلى جانب ذلك، يقدر عدد الأطفال خارج المدرسة على مستوى البلاد بما لا يقل عن 6 ملايين طفل، بينما تراكمت أعداد الأطفال في سن الالتحاق بالمدرسة طوال أربعة أعوام في المناطق التي توقفت فيها الدراسة، بما ينذر بأزمة تعليمية واجتماعية ممتدة.

أما في المناطق التي استمرت فيها الدراسة، فلم تسلم المدارس من آثار الحرب، إذ تواجه الأسر رسوماً دراسية مرتفعة، وبيئة مدرسية متدهورة، ونقصاً حاداً في الكتاب المدرسي والوسائل التعليمية، إلى جانب ضعف أجور المعلمين، وهو ما انعكس على جودة التعليم واستقراره.

كما ألقت الحرب بظلالها على الشهادة الثانوية السودانية، حيث حُرم أكثر من 250 ألف طالب وطالبة من الجلوس للامتحانات خلال سنوات الحرب، بينما يثير تنظيم امتحانات موازية في مناطق مختلفة مخاوف متزايدة بشأن وحدة النظام التعليمي، وما قد يترتب على ذلك من آثار تمس مستقبل الطلاب ووحدة البلاد.

ويجمع مختصون على أن استمرار هذا الواقع يهدد بفقدان جيل كامل لحقه في التعليم، وأن إنقاذ القطاع يبدأ بوقف الحرب، وإعادة تأهيل المدارس، وضمان عودة جميع الأطفال إلى مقاعد الدراسة، والحفاظ على مرجعية قومية موحدة للتعليم والامتحانات باعتبارها أحد أهم ركائز وحدة السودان.

 

إنقاذ التعليم

في مواجهة هذا الواقع، ظل المعلمون يقدمون مطالبهم للسلطات التي تجاهلت هذه المطالب وظللت تتعلل بظروف الحرب في الوقت الذي توجِّه فيه موارد الدولة لشراء الولاءات بملايين الدولارات وتمويل المليشيات التي تزيد نيران الحرب التهاباً. وأمام هذا التجاهل لم يجد المعلمون سبيلاً غير التصعيد، لأن الأمر لا يتعلق فقط بقضاياهم المعيشية، بل بالعملية التعليمية ككل، وأن مستقبل أجيال كاملة أصبح مهدداً بسبب انهيار النظام التعليمي.

ورغم أن تحركات المعلمين بدأت بوقفات احتجاجية محدودة في الولاية الشمالية وولاية النيل الأبيض، لكن الرد الأمني العنيف للسلطات أدى إلى اتساع دائرة هذه التحركات والتي وصلت إلى حد الإضراب في بعض الولايات. إن الإضرابات التي تشهدها ولايات كسلا والجزيرة والخرطوم والنيل الأزرق جاءت بعد استنفاد المعلمين جميع وسائل الحوار والمطالبة السلمية بتحسين أوضاعهم، وأن الأزمة تجاوزت المطالب الفئوية وأصبحت تمس مستقبل التعليم في السودان.

حيث يعيش المعلمون واحدةً من أصعب المراحل في تاريخ المهنة، بعد أن فقدت الرواتب معظم قيمتها الشرائية نتيجة التضخم والانهيار الاقتصادي، فأصبحت عاجزة عن تغطية الحد الأدنى من متطلبات المعيشة. وتشير تقديرات المعلمين إلى أن الأجور الحالية لا تمثل سوى جزءٍ يسيرٍ من قيمتها الحقيقية مقارنةً بما كانت عليه قبل سنوات، الأمر الذي دفع أعداداً كبيرة إلى ترك المهنة أو البحث عن أعمال إضافية، بينما اضطر آخرون إلى الهجرة خارج البلاد بحثاً عن دخل يضمن لهم ولأسرهم حياةً كريمة.

وتنعكس هذه الأوضاع بصورةٍ مباشرة على الحالة النفسية والاجتماعية للمعلمين، في ظل تراكم الديون، وصعوبة تلبية الاحتياجات الأساسية، واستمرار العمل في بيئةٍ تفتقر إلى الاستقرار والدعم. ويرى مراقبون أن إنقاذ العملية التعليمية يبدأ بتحسين أوضاع المعلم المعيشية، باعتباره الركيزة الأساسية لأي إصلاحٍ حقيقي في قطاع التعليم.

 

مطالب واضحة

استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية وتآكل الأجور وتأخر صرف المرتبات والاستحقاقات دفع المعلمين إلى اللجوء للإضراب باعتباره وسيلة مشروعة للضغط من أجل الاستجابة لمطالبهم. وحدد المعلمون مطالبهم في عدد من القضايا الرئيسية المشتركة، مع الأخذ في الاعتبار المطالب الخاصة بكل ولاية والمرتبطة بالأوضاع التي يعيشها المعلمون في هذه الولايات.

أبرز هذه المطالب يتمثل في صرف متأخرات المرتبات والاستحقاقات منذ عام 2023، وإنفاذ هيكل راتبي يضمن الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، وتسوية الترقيات والعلاوات، وتوفير التمويل اللازم للتعليم، ووقف الإجراءات الإدارية التي استهدفت عدداً من المعلمين بسبب مشاركتهم في الإضرابات.

قد أكدت المشاركة الواسعة في الإضراب في الولايات المعنية حجم المعاناة التي يعيشها المعلمون، وتمسكهم بحقوقهم رغم الضغوط المختلفة. السلطات كعادتها لجأت للإجراءات الإدارية والأمنية سعياً لكسر الإضراب، وهي إجراءات ثبت عبر التجارب التاريخية أنها غير مجدية، والأفضل الاستجابة الجادة للمطالب، وفتح حوار مسؤول يفضي إلى حلول عملية تضمن استقرار المعلمين واستئناف العملية التعليمية بصورة طبيعية، لأن تحسين أوضاع المعلم يمثل المدخل الحقيقي لإنقاذ التعليم وحماية حق ملايين التلاميذ والطلاب في تعليم مستقر وجيد.

 

طريق مسدود

وبدلاً من معالجة جذور الأزمة والدخول في حوار مع ممثلي المعلمين للنظر في المطالب المشروعة، تعاملت السلطة مع ملف التعليم وإضرابات المعلمين بمنهج أمني يقوم على التهديد والوعيد والاعتقال وغيرها من الوسائل البغيضة لمحاولة كسر الإضراب. ومنذ بداية سلسلة الإضرابات، اتبعت السلطة سياسة التجاهل في مواجهتها، معتمدة على عامل الزمن بهدف إضعاف موقف المعلمين وإفراغ الحراك من تأثيره، بدلاً من الدخول في حوار جاد حول قضايا التعليم وأوضاع العاملين فيه.

ومن أولى النتائج السلبية لهذا النهج هو فتح المجال أمام استمرار التعليم الخاص في الوقت الذي يتوقف فيه التعليم الحكومي، الأمر الذي يهدد بتوسّع التعليم الخاص على حساب التعليم العام، ويقود إلى إضعاف المدرسة الحكومية التي تمثل حقاً أساسياً للمواطنين، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المجتمع.

وحين فشلت سياسة التجاهل في تحقيقي أهدافها، عادت السلطات لتستخدم سلاح الإجراءات الإدارية للضغط على المعلمين، من خلال النقل التعسفي، وإعفاء مديري المدارس ووكلائها، واتخاذ قرارات تستهدف القيادات التعليمية التي أعلنت دعمها لمطالب المعلمين، وهي سياسة قادت أيضاً إلى نتائج عكسية، حيث أدت إلى زيادة الغضب وسط أولياء الأمور والتلاميذ والمعلمين، واتسعت دائرة التضامن مع المعلمين المستهدَفين، الأمر الذي اضطر السلطات إلى التراجع في بعض الحالات وبشكل تكتيكي حتى تمر العاصفة ومن ثم تعود لمعاقبة المستهدفين.

واستخدمت السلطات أيضاً سلاحاً “صدئاً” ممثَّلاً في نقابات الفلول والإدارات التعليمية المسيطَر عليها من قبل قيادات النظام البائد في القطاع. وتجسد ذلك في إطلاق الكثير من الوعود الكاذبة دون خطوات عملية حقيقية لمعالجة الأزمة، لكنّ المعلمين اعتبروا هذه الوعود وسيلة لامتصاص الغضب، لأنها لا تقدم حلولاً فعلية لمشاكل التعليم المتراكمة والتي كان مطلقو هذه الوعود أحد أسبابها طوال سنوات حكم الإنقاذ وفي مرحلة ما بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021.

ومع استمرار الإضراب واتساع نطاقه، اعتمدت السلطات الأمنية سياسة الإرهاب والتهديد عبر الاستدعاءات لمكاتب الأجهزة الأمنية، وزيارة المدارس، وملاحقة المعلمين، إضافة إلى الاعتقالات في بعض الحالات، فقد تم اعتقال الأستاذة مي عبد اللطيف، إضافةً إلى النقل التعسفي لأكثر من 200 معلم ومعلمة داخل وخارج المحليات في ولاية الجزيرة، وهي سياسة لم يكن حظها بأفضل من غيرها وأدت إلى رد فعل تصعيدي من قبل المعلمين، حيث تدخل الأزمة الآن شهرها الثاني دون أن تنجح السلطات في كسر عزيمة المعلمين.

 

تعديل تكتيك الإضراب

وفي مواجهة الإجراءات التعسفية، قرر المعلمون في ولاية الجزيرة بعد مرور 5 أسابيع على بداية الإضراب تعديل تكتيك الإضراب من شعار «الزم بيتك» إلى الإضراب من داخل المدارس، بعد اتجاه بعض الإدارات إلى رفع أسماء المضربين لإيقاف مرتباتهم، حيث طلب من جميع المعلمين والمعلمات الحضور إلى المدارس لمدة يومين أو ثلاثة أيام أسبوعياً لإثبات الحضور، مع مواصلة الامتناع عن التدريس، حفاظاً على حقوقهم وإفشال محاولات استهدافهم.

وتعيد هذه التطورات تأكيد ما ظلت تردده لجنة المعلمين السودانيين بأن أزمة التعليم ليست أزمة معلمين فقط، بل هي أزمة مجتمع بأكمله؛ لأن تدهور التعليم الحكومي يمس حق ملايين الطلاب والتلاميذ في تعليم مستقر وعادل، ويهدد مستقبل البلاد، لذلك فإن الدفاع عن حقوق المعلمين هو دفاع عن حق المجتمع في التعليم وبناء المستقبل.

وتمثل قضية الأستاذ الوليد محمد الحسن عبدالقيوم، المعلم بمدرسة ود الكاشف، دليلاً حياً على مدى التضامن الذي تلقاه قضية المعلمين. فوجئ الأستاذ الوليد محمد الحسن بخطابٍ صادر من إدارة التعليم يقضي بإبعاده عن العمل وإلزامه بالبقاء في منزله بحجة ظروفه الصحية، رغم أنه ظل يؤدي واجبه المهني بكفاءة واقتدار طوال أكثر من سبع سنوات، ولم يكن محل شكوى أو تقصير. تلاميذ الأستاذ الوليد خرجوا في موكبٍ عفوي إلى منزله، معلنين رفضهم القرار وتمسكهم بمعلمهم، في مشهدٍ مؤثر أجبر إدارة التعليم على مراجعة موقفها، وحضور مدير المرحلة الابتدائية بنفسه إلى منزل الأستاذ الوليد، وتقديم الاعتذار، وإلغاء القرار.

 

منظور شامل

وفي مقابل موقف السلطة التي تسعى لحل آني يضع حداً للإضراب، تطرح لجنة المعلمين السودانيين منظوراً شاملاً للتعامل مع أزمة التعليم الممتدة لسنوات طويلة يعالج جذورها ويضع الأساس لحلول مستدامة تضع النظام التعليمي على الطريق الصحيح. فإنقاذ التعليم في السودان يبدأ بوقف الحرب، باعتبارها العامل الأكبر في تدمير البنية التعليمية، وإبعاد المدارس عن دائرة الصراع، وضمان عودة ملايين الطلاب والتلاميذ إلى مقاعد الدراسة في بيئةٍ آمنة ومستقرة.

وتؤكد اللجنة أن معالجة أزمة التعليم تتطلب تمويلاً حكومياً حقيقياً للقطاع الحكومي، لأنه ليس عبئاً على الدولة، بل هو استثمار في مستقبل الوطن، والالتزام بتحسين أوضاع المعلمين، عبر زيادة الأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، وسداد المستحقات المتراكمة، باعتبار أن استقرار المعلم يمثل الأساس لاستقرار العملية التعليمية. كما تشمل الحلول إعادة تأهيل المدارس التي تعرضت للدمار أو استخدمت لأغراضٍ غير تعليمية، وتوفير الكتاب المدرسي والوسائل التعليمية اللازمة.

وتدعو لجنة المعلمين إلى شراكةٍ واسعة بين الدولة والمجتمع والمنظمات الوطنية والدولية للمساهمة في إعادة بناء التعليم، مع ضرورة توفر إرادةٍ سياسية تضع التعليم ضمن أولويات مرحلة ما بعد الحرب.

كما ترى اللجنة أهمية عقد مؤتمرٍ قومي جامع للتعليم عقب توقف الحرب، بمشاركة المعلمين والخبراء وأصحاب المصلحة، لوضع رؤيةٍ وطنية جديدة تحدد مسار التعليم في السودان، وتعالج الاختلالات المتراكمة، وتؤسس لنظامٍ تعليمي عادل ومستقر يحقق مصلحة الوطن والمواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *