عندما يفقد الوسطاء ثقة الشركاء

المِلكية السودانية… أزمة تهدد مسار السلام

تقرير خاص: (ديسمبر)

 

انصبّ الخلاف الذي فجّر اجتماعات أديس أبابا في نهاية يوليو 2026 على سؤال يتجاوز المقاعد وأسماء المشاركين: من يملك العملية السياسية في السودان؟ فقد رأت الآلية الخماسية أن توسيع المشاركة يهدف إلى بناء توافق أوسع، بينما اعتبرت قوى مدنية رئيسية أن الطريقة التي أُعيد بها تشكيل قائمة المشاركين غيّرت طبيعة العملية السياسية نفسها، وأضعفت مبدأ «الملكية السودانية»، أي حق السودانيين في تحديد أطراف الحوار وأجندته وآلياته. وهكذا تحولت أزمة إجرائية في ظاهرها إلى خلاف أعمق حول حدود دور الوسطاء، ومن يملك رسم مسار السلام.

 

رفض التزييف

 

في بيانها الصادر في 28 يوليو، أكدت قوى إعلان المبادئ أن قرارها بمقاطعة الاجتماعات لا يعني الانسحاب من جهود السلام، بل يعكس اعتراضها على الطريقة التي تُدار بها العملية السياسية. ووفقاً للقوى المقاطِعة، كانت التفاهمات السابقة تقضي بمشاركة 38 ممثلاً في المشاورات التحضيرية، قبل أن تُضاف في اللحظة الأخيرة 32 شخصية أخرى، وهو ما اعتبرته تغييراً لقواعد العملية السياسية من دون توافق مسبق.

ولم تقتصر الاعتراضات على قوى إعلان المبادئ. فقد أعلن تحالف «تأسيس» هو الآخر اعتذاره عن المشاركة، وأرجع المتحدث باسمه أحمد تقد لسان قرارهم إلى ما وصفه باختلالات في إدارة المرحلة الاستكشافية وآليات اختيار المشاركين، مع تأكيده الاستعداد لمواصلة العمل مع الآلية الخماسية إذا أُعيد النظر في أسس العملية السياسية.

كما شدد رئيس تحالف صمود؛ عبد الله حمدوك، على أن الخلاف لا يتعلق بالحوار في حد ذاته، وإنما بطريقة إدارته، معتبراً أن دور الوسطاء يجب أن يقتصر على التيسير لا على تحديد أطراف الحوار أو صياغة مخرجاته.

ويوضح عضو الأمانة العامة في تحالف القوى المدنية الديمقراطية «صمود» شهاب الطيب أن موقف التحالف من العملية السياسية لم يتغير منذ أيام تحالف «تقدم»، ويستند إلى مبدأ أساسي يتمثل في أن تكون ملكية العملية السياسية للسودانيين، بحيث تتولى القوى السياسية والمدنية تحديد أجندة الحوار وأطرافه، بينما يقتصر دور الشركاء الإقليميين والدوليين على التيسير والدعم. ويرى الطيب أن الخلاف مع الآلية الخماسية يتمحور حول ما يصفه بمحاولة فرض أطراف على العملية السياسية من خارج التوافق بين القوى السودانية، معتبراً أن هذا النهج يمثل خروجاً على التفاهمات السابقة مع الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيقاد، وكان السبب المباشر وراء قرار «صمود» مقاطعة الجولة الأخيرة من المشاورات. ويضيف أن إصرار الآلية على هذا المسار يثير شكوكاً لدى التحالف بشأن حياد بعض القائمين عليها.

ويكشف تقاطع هذه المواقف، رغم التباعد السياسي بين أصحابها، أن الأزمة تجاوزت الخلاف بين القوى السودانية، لتصبح أزمة ثقة في تصميم العملية السياسية نفسها.

 

سلسلة الإخفاقات

 

لفهم عمق الاعتراضات التي برزت في يوليو 2026، ينبغي النظر إليها باعتبارها امتداداً لمسار بدأ قبل ذلك بسنوات، لا باعتبارها خلافاً طارئاً. فمنذ يوليو 2024 تعثرت محاولات إطلاق حوار سياسي جديد بعد تجاهل مذكرة تقدمت بها قوى مدنية طالبت بأسس واضحة للعملية السياسية. وفي أبريل 2025 تكرر الخلاف عندما رفضت أطراف مدنية المشاركة في اجتماعات دعت إليها جهات إقليمية، معتبرة أن تصميم الحوار لا يعكس التفاهمات السابقة. كما تعثرت لاحقاً محاولات نقل المشاورات إلى لواندا ثم جيبوتي لتشكيل لجنة تحضيرية، قبل أن تتجدد الخلافات حول معايير التمثيل في اجتماعات أديس أبابا خلال يونيو ويوليو 2026.

وترى مجموعة الأزمات الدولية أن جوهر المشكلة ليس تعدد المبادرات، بل “غياب عملية تحظى بثقة الأطراف السودانية”.

وهنا يبدو واضحاً أن تعدد المنصات الإقليمية والدولية أتاح للأطراف المتحاربة مساحة أوسع للمناورة، وتحويل الخلاف من التفاوض فيما بينها إلى التنافس بين الوسطاء أنفسهم. وفي هذا السياق، لم تعد أزمة يوليو 2026 مجرد خلاف على آليات التمثيل، بل مؤشراً على أزمة أعمق تتعلق بثقة الفاعلين السودانيين في بنية الوساطة الدولية نفسها.

 

شَرْعَنة مشوَّهة

 

تربط مؤسسات بحثية دولية أزمة الوساطة في السودان ببنية العملية السياسية نفسها، إلى جانب تعدد المبادرات وخلافات التمثيل. وترى مجموعة الأزمات الدولية أن غياب إطار دولي موحد سمح بـ”تعدد المنصات والمرجعيات”، وأتاح للأطراف المتحاربة “هامشاً أوسع للمناورة بين المبادرات المختلفة، بما أضعف موقع القوى المدنية وأربك جهود الوصول إلى مسار تفاوضي واحد”.

ويحذر المعهد الأوروبي للسلام من أن أي عملية سياسية تُبنى على موازين القوة العسكرية القائمة، بدلاً من المبادئ المتوافق عليها، قد تتحول إلى “وسيلة لتكريس الأمر الواقع”، أكثر من كونها أداة لإنهاء النزاع. فكلما غلبت الاعتبارات السياسية الآنية على قواعد الشرعية والتمثيل، ازداد خطر أن تمنح المفاوضات غطاء لترتيبات فرضتها الحرب بدلاً من معالجتها.

وتتقاطع هذه القراءة مع ما تطرحه الصحفية والمحللة السياسية رشا عوض، التي ترى أن الآلية الخماسية “فقدت جزءاً من حيادها”، نتيجة ما تعتبره “نفوذاً متزايداً لبعض القوى الإقليمية، وارتباط شخصيات مؤثرة داخل بعض مسارات الوساطة بشبكات النظام السابق”. ووفق هذا التحليل، فإن الخطر لا يكمن فقط في تعثر الوساطة، بل في احتمال أن تنتهي إلى تسوية تمنح السلطة القائمة غطاءً سياسياً جديداً من دون معالجة الأسباب البنيوية التي قادت إلى الحرب.

وتفيد ثلاثة مصادر سياسية، فضلت عدم الكشف عن هويتها، بأن الآلية الخماسية وجهت دعوات إلى 32 شخصية وصفتها المصادر بأنها «غير معرفة سياسياً»، مقابل تمثيل محدود لبقية الكتل والقوى السياسية. وترى المصادر أن غالبية هذه الشخصيات تنتمي إلى مجموعات تتقاطع مع المسار السياسي الذي يدعمه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، والذي يهدف، بحسب تقديرها، إلى تهيئة عملية حوار تمهد لتكريس سلطته. وتعتبر المصادر أن طريقة توزيع الدعوات كانت من بين الأسباب الرئيسية التي دفعت عدداً من القوى المدنية إلى مقاطعة اجتماعات الآلية.

وتقول المصادر إن أحد أبرز أسباب تعثر عمل الآلية يعود، من وجهة نظرها، إلى الدور الذي يؤديه الممثل الخاص للاتحاد الأفريقي في السودان؛ السفير محمد بلعيش، متهِمة إياه بالانحياز إلى رؤية البرهان وبعض القوى الإقليمية، وهو ما ترى أنه أضعف فرص بناء عملية سياسية تحظى بثقة مختلف الأطراف السودانية. وتضيف المصادر أن تحفظاتها على دور بلعيش تعود إلى ما قبل اندلاع الحرب، مشيرة إلى مواقف تعكس، بحسب روايتها، انحيازه في إدارة مسارات حوار سابقة.

وترى المصادر أن هذه الوقائع عززت قناعتها بعدم حياد بلعيش في إدارة العملية السياسية، وتعتبر أن استمرار هذا النهج يخدم، بحسب تقديرها، مصالح عناصر النظام السابق، ويعرقل جهود القوى المدنية الرامية إلى إطلاق عملية سياسية مستقلة وشاملة، بما يقوض فرص التوصل إلى تسوية تحظى بقبول واسع بين الأطراف السودانية.

ومن هذا المنطلق، تتمسك قوى مدنية بأن تكون العملية السياسية مستقلة عن طرفي النزاع، وأن تستبعد القوى المرتبطة بالنظام السابق من تحديد مسار المرحلة الانتقالية.

 

تيسير أم وصاية؟

 

ومع تصاعد الانتقادات، انتقل الجدل من أسماء المشاركين إلى طبيعة الدور الذي ينبغي أن يضطلع به الوسطاء الدوليون. فالقوى المدنية التي قاطعت اجتماعات يوليو ترى أن إعادة تصميم العملية السياسية منذ بدايتها تمثل المدخل إلى معالجة الأزمة، عبر تشكيل لجنة تحضيرية يتفق عليها السودانيون أنفسهم، تتولى تحديد الأطراف المشاركة، وصياغة جدول الأعمال، ورسم مسار التفاوض، على أن يقتصر دور الوسطاء على التيسير وتوفير الضمانات.

ويؤكد شهاب الطيب أن «صمود» طرح تصوراً عملياً لإدارة العملية السياسية، يقوم على تشكيل لجنة تحضيرية تضم القوى المدنية والسياسية الرئيسية، بما في ذلك الكتلة الديمقراطية، وتحالف «تأسيس»، و«صمود»، وقيادة حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، إلى جانب ممثلين للنساء والشباب، على أن تتولى هذه اللجنة إعداد أجندة الحوار، وتحديد المشاركين، ووضع تصور واضح لمخرجات العملية السياسية قبل انطلاقها. ويعتبر الطيب أن تجاوز فكرة اللجنة التحضيرية، رغم ما يقول إنه كان محل توافق في اجتماعات سابقة مع الآلية الخماسية وممثلي القوى المدنية في أديس أبابا، يمثل “محاولة لإغراق العملية السياسية وإضعاف فرص نجاحها”.

وفيما يتعلق بالدورين الإقليمي والدولي، يرى الطيب أن المبادرة الرباعية لا تزال تمثل “المرجعية الأنسب لجهود وقف الحرب”، داعياً إلى البناء عليها ومراجعة أداء الآلية الخماسية بما يعزز فرص التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وإطلاق عملية سياسية سودانية تعالج جذور الأزمة، لا تقتصر على إنهاء الحرب فحسب، وإنما تمتد إلى معالجة أسبابها وبناء سلام مستدام.

ويجد هذا الطرح سنداً في تقارير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن السودان، التي شددت مراراً على أن استدامة أي تسوية ترتبط بقيادة السودانيين للعملية السياسية وامتلاكهم لها، إلى جانب مشاركة واسعة للقوى المدنية والنساء والشباب والمجتمعات المتأثرة بالحرب. وفي هذا الإطار، يقتصر دور الأمم المتحدة والشركاء الإقليميين والدوليين على الدعم والتيسير، فيما تبقى مهمة تحديد الأطراف وصياغة مخرجات التفاوض بيد السودانيين.

ويتقاطع ذلك أيضا مع توصيات مراكز بحثية دولية، مثل مجموعة الأزمات الدولية و«تشاتام هاوس» التي ترى أن الوسيط “يفقد جزءاً من شرعيته عندما يُنظر إليه باعتباره طرفاً يحدد شكل العملية السياسية، لا جهة تساعد الأطراف على التوصل إلى توافق”. فكلما اتسعت الفجوة بين تصور الوسطاء للعملية السياسية وتصور الفاعلين المحليين لها، تراجعت فرص نجاح أي اتفاق، مهما بدا متماسكاً على الورق.

ومن هنا، تبدو أزمة «الملكية السودانية» أكثر من مجرد خلاف إجرائي؛ فهي تمس جوهر شرعية أي عملية سلام مقبلة. فالاتفاقات التي يشعر السودانيون بأنها صِيغت خارج إرادتهم قد تنجح في وقف القتال مؤقتاً، لكنها تظل مهدَّدة بالانهيار عند أول اختبار سياسي أو أمني.

 

إنذار أخير

 

تمثل مقاطعة اجتماعات يوليو 2026 محطة جديدة في مسار طويل من التعثر، لكنها كشفت أيضاً عن أزمة تتجاوز الخلاف حول قوائم المشاركين وآليات التمثيل. فالقوى المدنية التي اختارت المقاطعة تطرح سؤالاً يتعلق بملكية العملية السياسية، وتطالب بمسار يحدد السودانيون قواعده وأطرافه وأهدافه. أما الآلية الخماسية، فأصبح تحديها استعادة الثقة التي تراجعت لدى جزء مؤثر من الفاعلين السودانيين، إلى جانب إدارة أي جولة تفاوضية جديدة.

وفي السودان، حيث تتداخل الحرب مع أزمة الدولة وأزمة الشرعية، تبدو هذه المعضلة أكثر تعقيداً. فحين يُنظر إلى الوساطة باعتبارها فاعلاً يعيد توزيع النفوذ، تتراجع قدرتها على أداء وظيفتها الأساسية في إدارة التفاوض، وتتعرض الثقة التي يقوم عليها أي مسار سلام للاهتزاز.

وهكذا اتسعت معركة السلام من البحث عن وقف إطلاق النار إلى سؤال أكثر جوهرية: من يملك العملية السياسية؟ وقد تحدد الإجابة عن هذا السؤال فرص إنهاء الحرب، كما قد ترسم ملامح الدولة السودانية التي ستولد بعدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *