بنك “بي إن بي باريبا”: منظمات حقوقية تقدم مذكرة دعماً للضحايا السودانيين

برلين: (ديسمبر)

 

قدّم تحالف من المنظمات الحقوقية الدولية يوم الاثنين الماضي مذكرة قانونية إلى الدائرة الثانية بمحكمة الاستئناف الأمريكية بنيويورك دعماً للمدعين السودانيين في القضية المعروفة باسم “كاشف وآخرون ضد بنك بي إن بي باريبا”. وتعارض المذكرة استئناف البنك الفرنسي حكماً صدر في أكتوبر 2025، وحمّله مسؤولية المساهمة في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها حكومة السودان خلال فترة حكم عمر البشير.

وتعود القضية إلى دعوى مدنية رفعها نحو عشرين ألف لاجئ سوداني أمام المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية من نيويورك. ويتهم المدعون البنك بتمكين نظام البشير، خلال الفترة الممتدة بين عامي 1997 و2008، من الوصول إلى النظام المالي الدولي والاستفادة من عائدات النفط لشراء الأسلحة وتمويل حملات عسكرية ارتبطت بجرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية في دارفور وجنوب السودان. وكان البنك قد أقر في عام 2014 بخرق العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان وإيران وكوبا ودفع غرامة بلغت 8.97 مليار دولار للخزانة الأمريكية من دون أن يستفيد الضحايا من تلك الأموال.

وفي حكم وُصف بالتاريخي، قضت هيئة محلفين اتحادية بمنح ثلاثة من المدعين الأوائل تعويضات تجاوزت 21 مليون دولار، معتبرة البنك مسؤولاً عن مساعدته في وقوع تلك الانتهاكات. غير أن البنك استأنف الحكم، محتجاً بأن القانون السويسري، الذي استندت إليه المحاكمة بسبب تنفيذ المعاملات عبر فرعه في جنيف، قد فُسّر بصورة غير صحيحة. كما قدّمت الحكومة السويسرية مذكرة دعمت فيها موقف البنك، مؤكدة أن تصرفاته كانت قانونية وفقاً للقوانين المدنية والمصرفية وقوانين العقوبات السويسرية.

وترد المنظمات الحقوقية على هذا الموقف بالتأكيد أن تمويل الجرائم الدولية أو المشاركة فيها يُعد فعلاً غير قانوني وجنائياً بموجب القانون السويسري، مستندة إلى سوابق قضائية وإجراءات اتخذتها السلطات السويسرية في قضايا مماثلة. كما ترى أن موقف الحكومة يقلل من جهود سويسرا الرامية إلى إخضاع قطاعها المالي للمساءلة. وتهدف المذكرة إلى إقناع محكمة الاستئناف برفض طعن البنك وتأييد حكم هيئة المحلَّفين، بما قد يرسخ سابقة قانونية مهمة لمحاسبة الشركات والمؤسسات المالية عن الجرائم الدولية.

وتتجاوز أهمية القضية حدود النزاع بين الضحايا والبنك، إذ تعيد طرح دور المؤسسات المالية في النزاعات المسلحة. فكما استُخدم النفط سابقاً في تمويل نظام البشير، أصبح الذهب اليوم مورداً رئيسياً للحرب السودانية. وتشير تقارير أممية إلى تهريب نسبة كبيرة من الذهب إلى الخارج، بينما تُستخدم شبكات الصرافة والحوالة في نقل الأموال بعيداً عن الرقابة الرسمية. وقد أدى انهيار البنية المصرفية إلى ازدهار الاقتصاد الموازي مما يزيد صعوبة ضبط تمويل الجماعات المسلحة.

وتبرز المذكرة، في هذا السياق، أهمية إخضاع المؤسسات المالية لمعايير صارمة في مجال العناية الواجبة، ولا سيما عندما تتعامل مع حكومات أو كيانات تنشط في مناطق تشهد انتهاكات واسعة. فغياب الرقابة الفعالة لا يؤدي إلى خسائر مالية فحسب، بل قد يساهم في إخفاء المسؤولية وتعقيد سبل إنصاف الضحايا. ومن ثم، فإن تطبيق قواعد المساءلة على البنوك من شأنه تعزيز الشفافية، وتحفيز القطاع المالي على تقييم المخاطر الإنسانية والقانونية قبل تنفيذ المعاملات، والحد من قدرة الأطراف المتحاربة على استغلال النظام المالي العالمي.

ويؤكد نجاح الدعوى المحتمل أن العدالة لا ينبغي أن تقتصر على ملاحقة الأفراد، بل يجب أن تشمل المؤسسات التي تُسهّل تدفقات الأموال المرتبطة بالانتهاكات. كما قد تشجع القضية ضحايا آخرين على رفع دعاوى مماثلة، وتدعم إنشاء صناديق دولية للتعويض. وفي النهاية، فإن ضبط حركة الأموال العابرة للحدود يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق سلام مستدام ومنع تحوّل الموارد الطبيعية إلى وقود للصراعات، ويُعيد تعريف دور المؤسسات المالية: فإما أن تكون شريكاً في بناء الأوطان، أو شريكاً في إبادتها  (UN Panel of Experts 2023- AfDB 2025)”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *