أزمة إنسانية كارثية تضرب الولاية مع تصعيد المعارك العسكرية
موجة نزوح جديدة وظروف إيواء صعبة ونقص غذائي حاد
تقرير (ديسمبر): صلاح المليح
يشهد إقليم النيل الأزرق تدهوراً إنسانياً وصحياً كارثياً غير مسبوق جراء التصعيد العسكري العنيف المستمر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وحلفائها في الحركة الشعبية-شمال في مناطق الكرمك وقيسان وبكوري وسركم، فيما تجاوز عدد النازحين الفارين من العمليات العسكرية 200 ألف شخص بشكل تراكمي. وفرّ مؤخراً نحو 20 ألف شخص من (المدينة 12) بمحافظة قيسان، بالإضافة إلى لجوء مئات الأسر عبر المراكب إلى محافظة ود الماحي، بينما تكتظ مدينة الدمازين (عاصمة الولاية) ومحافظة باو بأكثر من 10 مخيمات إيواء عشوائية ومكتظة، في ظل نقص حاد في الغذاء ومياه الشرب ومواد الإيواء الأساسية، وسط تحذير من تفاقم الوضع الصحي بالمخيمات مع انتشار الأمراض الفتاكة مثل الكوليرا والملاريا وحمى الضنك.
موجة نزوح جديدة
وكشف بيان، صادر عن منظمتي (مناصرة ضحايا دارفور) و(الأمل والملاذ)، عن وجود موجة نزوح جديدة من محافظة قيسان بإقليم النيل الأزرق إلى محافظة ود الماحي وفقاً لإفادات شهود عيان تحدثوا للمنظمتين. وأشار البيان، الذي صدر نهاية شهر أغسطس المنصرم وتحصلت عليه (ديسمبر)، إلى تواصل حركة نزوح المدنيين من عدد من قرى محافظة قيسان إلى محافظة ود الماحي بإقليم النيل الأزرق، مع وصول موجة جديدة من الأسر يوم الجمعة 29 أغسطس 2026م إلى المدينة (4) والمدينة (5) التابعتين لمحافظة ود الماحي بلغ عددها 700 أسرة، وعدد أفرادها 2000 شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، هرباً من استمرار العمليات العسكرية وتدهور الأوضاع الأمنية. وذكر البيان أن الأسر وصلت بعد رحلات شاقة عبر المراكب، وبدت آثار الإرهاق واضحة على النساء والأطفال وكبار السن، الذين يواجهون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل النزوح.
ظروف إيواء صعبة
وتشير تقارير غرف الطوارئ إلى أن عدد الفارين من مناطق القتال في الكرمك وقيسان وباو تجاوز نحو 375 ألف شخص، لجأ العدد الأكبر منهم إلى مدينة الدمازين ومناطق أخرى مثل ود الماحي. وأبانت أن أكثر من 70% من النازحين يعيش في تجمعات غير رسمية ومراكز إيواء تفتقر للمأوى الملائم، بينما تقيم أسر عديدة في العراء أو المدارس. وقد أدى هطول الأمطار الموسمية إلى انهيار العديد من المساكن المؤقتة وتزايد معاناة النساء والأطفال وكبار السن، فضلاً عن توقف وغياب الخدمات الطبية الأساسية في مناطق الاشتباكات والعديد من مخيمات النزوح.
وحذرت غرف الطوارئ الإنسانية العاملة في الإقليم من تفشي أمراض مثل الكوليرا والملاريا بسبب نقص المياه النقية وتردي خدمات الصرف الصحي. ويعتمد السكان والمتطوعون على جهود ذاتية محدودة لنقل المرضى إلى مستشفيات الدمازين في ظل شح الأدوية المجانية.
وتشير غرف طوارئ النيل الأزرق إلى أن الأسر النازحة تتوزع على مخيمات عشوائية أو مدارس في مناطق منخفضة جغرافياً، ومع هطول الأمطار الموسمية والفيضانات، تتعرض مساكنهم المؤقتة للانهيار، مما يتسبب في أزمات بيئية وتفشٍ للأمراض المنقولة بالمياه مثل الكوليرا والملاريا. كما تعاني المخيمات من انعدام شبه تام لشبكات الصرف الصحي، والنقص الحاد في مواد الإيواء والملابس، ويتحمل العبء الأكبر النساء والفتيات اللواتي يقطعن مسافات طويلة خطرة يومياً لتأمين الحطب والماء.
نقص غذائي حاد
ووفقاً لتقارير غرف الطوارئ بإقليم النيل الأزرق يواجه النازحون نقصاً حاداً في الغذاء ومياه الشرب بسبب شح الغذاء وتراجع المساعدات واستمرار القتال والقيود على الحركة، وإغلاق غرف الطوارئ المحلية التي كانت تقدم الوجبات والرعاية، وسط تحذيرات أممية ومحلية من انزلاق المنطقة نحو مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي، فيما تعجز السلطات المحلية ومفوضية العون الإنساني عن تغطية الاحتياجات المتزايدة للوافدين الجدد نتيجة محدودية الإمكانيات وشح الإمدادات.
وتقود المجموعات التطوعية المحلية مثل (غرفة طوارئ قيسان) و(مبادرة المجتمع المدني بالنيل الأزرق) جهوداً ذاتية لتشغيل التكايا والمطابخ الجماعية وتوفير الأدوية والوجبات اليومية للنازحين، فيما تُسيِّر حكومة إقليم النيل الأزرق قوافل إغاثية طارئة محملة بالمواد الغذائية والإيوائية للنازحين الجدد، مثل القوافل المتجهة إلى محافظة ود الماحي لاستيعاب آلاف الفارين، ويواصل برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة توزيع المواد الغذائية على 14 مخيماً في الإقليم، فيما لا تكفي الحصص التي تحصل عليها الأسر لسد احتياجاتها الأساسية، واضطرت أكثر من 10 مدارس للتحول إلى مراكز إيواء مؤقتة.
عقبات تواجه الإغاثة
وذكرت غرف طوارئ ولاية النيل الأزرق أن جهود الإغاثة والعمل الإنساني في الإقليم تواجه أزمة بالغة التعقيد ناتجة عن تداخل التصعيد العسكري الأخير مع العوامل الطبيعية والقيود الإدارية، مما يعوق التدخل العاجل لإنقاذ آلاف المتضررين. حيث أشارت إلى أن امتداد المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع المتحالفة مع الحركة الشعبية جناح عبد العزيز الحلو في قيسان وبكوري وسركم أدى إلى حالة عدم استقرار أمني شديدة، كما تسببت الأمطار الموسمية الغزيرة في فيضان الخيران والوديان، ما أدى إلى عزل محليات بأكملها جغرافياً ومنع شاحنات الإغاثة من الوصول، وتحولت مراكز الإيواء إلى مساحات موحلة ومغمورة بالمياه، مما يضاعف من صعوبة إيصال إمدادات المياه النظيفة وإنشاء شبكات الصرف الصحي.
كما ساهمت القيود الإدارية والأمنية المفروضة على المبادرات المحلية في صعوبة إيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين إليها من النازحين والفارين من جحيم المعارك العسكرية، حيث أصدرت السلطات الحكومية المحلية قرارات بوقف أنشطة غرف الطوارئ والشبكات الشبابية المحلية، مما عزل قنوات الدعم المباشرة التي كانت تمد آلاف العائلات بالوجبات والأدوية اليومية. وتسببت المضايقات والقيود البيروقراطية في حرمان عمال الإغاثة والمتطوعين من التحرك بحرية لتقديم الاستجابة السريعة في مناطق التماس في ظل الأوضاع الصعبة التي يعيشها النازحون.
نقص حاد في التمويل
ساهم النقص الحاد في تمويل الخدمات الإغاثية والخدمية في تفاقم الأزمة الإنسانية التي تواجه إقليم النيل الأزرق. ووفقاً لتقارير الأمم المتحدة فإن العجز الحاد في التمويل الدولي لمشاريع الإستجابة الإنسانية في السودان بسبب عدم التزام الجهات المانحة سوى بتمويل 41% فقط من النداء الإنساني للأمم المتحدة للعام الجاري، حيث تلقت 1.2 مليار دولار فقط من أصل 2.9 مليار دولار كانت مطلوبة لتغطية الاحتياجات العاجلة. ويهدد هذا النقص الحاد في التمويل حياة مئات الآلاف من الفئات الأكثر هشاشة، خاصة في ظل اتساع رقعة المعارك العسكرية التي تجبر المدنيين على النزوح من مناطقهم إلى مناطق أخرى آمنة وهم يواجهون شبح الجوع وسوء التغذية الحاد في ظل عجز المنظمات الإنسانية عن تلبية المتطلبات الأساسية العاجلة. فيما أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة رسمياً خفض مساعداته الغذائية للمتضررين والنازحين في السودان بنسبة 50% لضعف الدعم الدولي. وتشير غرف الطوارئ بإقليم النيل الأزرق إلى تفاقم سوء التغذية الحاد بشكل متسارع بين الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات في مراكز الإيواء، مبينة أن هذا التدهور يتزامن مع نقص الغذاء والمياه الصالحة للشرب والارتفاع الكبير في أسعار السلع الأساسية بالأسواق المحلية.
تدمير المعابر وعسكرتها
كشفت تقارير لمنظمات دولية عاملة في المجال الإنساني عن تأثر الطرق الرئيسية وخطوط الإمداد الإنساني جراء المعارك بشكل كارثي، حيث تحولت شبكات الطرق والجسور الحيوية إلى مناطق عمليات عسكرية مغلقة وأهداف مباشرة للقصف وزرع الألغام. وأدى هذا الاستهداف الممنهج لـ(شرايين الإمداد) إلى عزل ولايات كاملة، وقطع الإمدادات الغذائية والطبية عن ملايين المدنيين، مما دفع فريق الأمم المتحدة الإنساني إلى التحذير من شلل شبه تام في عمليات الإغاثة، حيث تعرضت الجسور والكباري الإستراتيجية للقصف الجوي والمدفعي بوصفها نقاط تحكم عسكرية، مما أدى إلى فصل المدن وعزلها جغرافياً. كما تسببت المعارك البرية واستخدام العبوات الناسفة في تضرر أجزاء واسعة من الطرق القومية المعبدة، وباتت مسارات رئيسية مثل طريق الصادرات (أم درمان – بارا – الأبيض) ومحاور كردفان ودارفور غير صالحة لمرور القوافل التجارية أو الإنسانية بسبب وقوعها في قلب خطوط المواجهة. كما تم تحويل معابر ومثلثات حدودية حيوية كانت تستخدم لمرور الإغاثة إلى مناطق عمليات عسكرية محكمة بهدف خنق إمدادات الخصوم. وامتدت عمليات القصف الجوي واستخدام الطائرات المسيرة لملاحقة الشاحنات والقوافل في الطرق الصحراوية والمفتوحة، ما جعل التحرك عبرها مغامرة مميتة.
وتفرض الأطراف المتحاربة طوقاً أمنياً وإجراءات صارمة تشمل إغلاق الأسواق، ومنع حركة المركبات، وتعطيل شبكات الاتصال الفضائي على الطرق الرابطة بين المدن. وأدى قطع الطرق إلى إحكام الحصار على مئات الآلاف من السكان في مناطق متفرقة، وحرمانهم التام من الرعاية الطبية والمساعدات المنقذة للحياة.
وتواجه الوكالات الإغاثية، بحسب تقارير الأمم المتحدة، خطورة عالية عند عبور خطوط المواجهة، إلى جانب فرض الحواجز العسكرية غير القانونية التي تطلب جبايات أو تمنع الصيدليات والمؤن من العبور، وتضطر المنظمات الدولية إلى استخدام طرق التفافية وعرة وطويلة وغير ممهدة، مما يرفع تكلفة النقل ويضاعف زمن وصول المساعدات الإنسانية لأسابيع طويلة، فضلاً عن تعثر الحركة كلياً خلال موسم الأمطار.
تحذيرات أممية من كارثة إنسانية
أطلقت وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية العاملة في الميدان تحذيرات مستمرة من تحول أزمة إقليم النيل الأزرق إلى كارثة إنسانية لا يمكن السيطرة عليه. وطالبت هذه الجهات بزيادة فورية في تدفق التمويل الدولي المخصص لخطط الإغاثة العاجلة، وتسهيل ممرات آمنة وغير مشروطة لعبور شاحنات المساعدات الطبية والغذائية دون عوائق، وتوفير تمويل خاص لمشاريع الإصحاح البيئي والمياه للحد من تفشي الأوبئة الموسمية.
وبسبب ما يفرضه تزايد أعداد الوافدين من ضغوط متزايدة على المجتمعات المستضيفة، وسط حاجة ملحة إلى المأوى، والغذاء، ومياه الشرب، والرعاية الصحية، ومواد الإيواء، وبما يضمن استجابة إنسانية عاجلة تلبي الاحتياجات الأساسية، أطلقت منظمتا (مناصرة ضحايا دارفور) و(الأمل والملاذ) نداءً إنسانياً عاجلاً لكل المنظمات المحلية والإقليمية والدولية للتدخل العاجل لتقديم المساعدات لهم. كما أطلقت غرف الطوارئ المحلية والمنظمات الحقوقية نداءات استغاثة عاجلة للمجتمع الدولي والمنظمات الإغاثية مثل برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة للتدخل الفوري لفتح ممرات آمنة، وضمان وصول المساعدات والمستلزمات الطبية للمتضررين.