الجيش يرتكب جرائم على أساس عرقي في ولاية الجزيرة

عواصم: (ديسمبر)

 

كشف تحقيق مشترك أجرته شبكة CNN الأمريكية ومركز Lighthouse Reports الاستقصائي عن أدلة على عمليات قتل ممنهجة للمدنيين في ولاية الجزيرة السودانية، يُشتبه بأنها نُفذت على أساس عرقي خلال العمليات العسكرية للجيش السوداني وحلفائه لاستعادة السيطرة على ولاية الجزيرة.

عنف بدوافع عرقية

 

أوضح التحقيق، الذي نُشر يوم الثلاثاء 16 ديسمبر 2025، أنه استند إلى مراجعة مئات مقاطع الفيديو، وتحليل صور أقمار صناعية، وتتبع بلاغات، وإجراء مقابلات ميدانية مع ناجين داخل السودان، ليخلص إلى وجود مؤشرات على “عنف ذي دوافع عرقية، وعمليات قتل جماعي للمدنيين، وإلقاء جثث في قنوات مائية، واعدام أشخاص وأياديهم موثقة بالقيود بالإضافة إلى دفن الجثث في مقابر جماعية”، خلال استعادة الجيش السوداني مدينة ود مدني والمناطق المحيطة بها مطلع العام الجاري.

فيما أكدت CNN أنها تواصلت مع الجيش السوداني لطلب تعليقه على هذه الاتهامات، دون تلقي رد حتى الآن، بالرغم من أن مصادر متعددة أفادت بأن أوامر هذه الحملة صدرت من مستويات قيادية في القوات المسلحة السودانية، فيما أكد مصدر في الجيش السوداني أن الفريق البرهان كان على علم بهذه الانتهاكات.

ونقل التقرير عن أحد أعضاء بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في السودان وصفه ما جرى في المنطقة بأنه “إبادة جماعية ممنهجة”، قد ترقى إلى “تطهير عرقي”، وهي جرائم قد تُصنّف ضمن جرائم الحرب.

وكان الجيش السوداني قد أعلن في يناير الماضي فتح تحقيق في ما وصفه بـ”انتهاكات فردية” وقعت بعد استعادة ود مدني، مدينًا تلك الممارسات، رافضاً الإقرار بكونها سياسة ممنهجة.

 

تصفية “المتعاونين”

 

وأشار التحقيق إلى أن مقاطع فيديو متداولة تُظهر جنودًا يصفون ضحاياهم بـ”المتعاونين” مع قوات الدعم السريع، وهو توصيف اعتبرته جوي نغوزي إيزيلو، عضوة بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، “اتهامًا بلا أساس يُستخدم لتبرير هجمات ذات دوافع عرقية ضد المدنيين”.

ويظهر مقطع فيديو، تحقق الفريق من موقع تصويره في قرية (الكريبة)، أن القوات المتقدمة نحو مدينة ودمدني تقوم بتعذيب أشخاص بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع.

وفي منطقة (بيكا)، أفاد ضباط في جهاز المخابرات العامة السوداني، تحدثوا للتحقيق، بأن أشخاصًا اتُّهموا بالتعاون مع قوات الدعم السريع قُتلوا وأُلقيت جثثهم في القنوات المائية، وبعضهم أُلقي وهو على قيد الحياة.

 

حملات البرهان الانتقامية

 

وبعد أيام من تلك الأحداث، ألقى قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خطاب “النصر” في المنطقة ذاتها، بتاريخ 16 يناير، متفاخرًا بعمليات عسكرية نُفذت هناك، تزامن نشرها مع مقاطع مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي الأيام التالية، وثّق التحقيق ظهور جثث طافية في القنوات المائية شمالي (بيكا)، حيث أظهرت مقاطع فيديو لا يقل عن ثماني جثث، معظمها لمدنيين، بعضهم مقيّدو الأيدي، مع آثار طلقات نارية في الرأس.

وأكد عالم الأنثروبولوجيا الشرعية لورانس أوينز، الذي راجع المواد المصورة لصالح CNN، أن حالة الجثث تتوافق زمنيًا مع فترة تقدم القوات المسلحة في المنطقة.

كما أظهرت صور أقمار صناعية التُقطت في مايو، وحللها مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل بالتعاون مع CNN، وجود عشرات الأجسام البيضاء في قاع القناة، يُرجح أنها جثث ملفوفة. تم التخلص منها في القناة في منطقة (بيكا)، على بعد أقدام قليلة من المكان الذي ألقى فيه البرهان خطاب النصر.

 

استهداف عرقي

 

وأشار التحقيق إلى أن العنف خلال استعادة ود مدني استهدف بشكل أساسي أشخاصًا من أصول غير عربية، بينهم سكان من دارفور الغربية وجنوب السودان، في نمط يعكس انقسامات عرقية غذّت نزاعات سابقة في البلاد. وتوضح الشبكة الأمريكية: “في السودان، قد يعكس مصطلحا “عربي” و”غير عربي” اختلافات في نمط الحياة والقبيلة، فضلاً عن الانتماء العرقي.. وقد غذّت انقسامات مماثلة الإبادة الجماعية في دارفور مطلع الألفية الثانية”.

وقال ضابط في الجيش السوداني، طلب عدم الكشف عن هويته: “أُطلق النار فوراً على كل من بدا أنه من النوبة (سكان جنوب السودان الأصليين)، أو من غرب السودان، أو من جنوبه”.

كما كشف قائد استخباراتي رفيع المستوى، كان يشرف على القوات على الأرض، أن الجنود أطلقوا النار على مئات الأشخاص الذين خرجوا للاحتفال بوصولهم، واصفاً الضحايا بأنهم من جنوب السودان.

 

كوبري البوليس

 

في فجر يوم 12 يناير، اندلع قتال عنيف عند (كوبري البوليس) – مدينة ود مدني- وخلاله بدا أن الجنود قد ألقوا القبض على أعضاء قوات الدعم السريع الفارين. وأظهرت مقاطع الفيديو التي تم تصويرها بعد الاشتباكات جثثاً متناثرة، يرتدي أفرادها مزيجاً من الزي العسكري الخفيف الذي ترتديه قوات الدعم السريع والملابس المدنية، محاطة بمركبات محترقة ومقلوبة. ورصدت مقاطع فيديو أخرى من (كوبري البوليس) عمليات إعدام واضحة لرجال عُزّل يرتدون ملابس مدنية، حسب CNN.

وتضيف: “في اليوم التالي، أي 13 يناير، تم إخلاء الطريق من المركبات المحترقة والجثث. ويُظهر مقطع فيديو، يُرجح أنه صُوّر في ذلك الصباح استناداً إلى الظلال على الأرض، جنوداً يستريحون في ساحة خالية بجوار نقطة تفتيش تابعة للشرطة”.

وفي وقت لاحق من اليوم نفسه، أظهرت مقاطع فيديو من نفس الموقع، جثث ما لا يقل عن 50 شاباً، جميعهم يرتدون ملابس عادية، وكثير منهم حفاة، دون وجود أي أسلحة ظاهرة. يبدو أن العديد منهم قُتلوا حديثاً، حيث توجد برك دماء حديثة تحتهم، وآثار طلقات نارية واضحة في الرأس. كما يمكن رؤية عكازين على إحدى الجثث.

ونقلت CNN عن ضابط كبير، كان حاضراً عند (كوبري البوليس)، أن بعض الضحايا دُفنوا في مقبرة جماعية في الموقع، إلى جانب مقاتلي قوات الدعم السريع القتلى.

 

الكنابي في عين العاصفة

 

وتقول الشبكة الأمريكية: “يبدو أن ما حدث على طول الطريق المؤدي إلى ود مدني جزءٌ من نمط تكتيكي أوسع تستخدمه القوات المسلحة السودانية وقواتها التابعة لها. ففي الأشهر التي أعقبت استعادة المدينة، شنّ الجنود أيضاً هجمات واسعة النطاق على شعب الكنابي، وهم مجتمع غير عربي مهمّش يعاني من محدودية فرص السكن والتعليم، وينحدر معظم أفراده من عمال مهاجرين من جنوب السودان ومنطقة دارفور.. يُعتقد أن الكنابي يشكّلون نحو نصف سكان ولاية الجزيرة”.

وتضيف: “وفي قرية )، في 10 يناير، أطلقت قوات (درع السودان)، وهي ميليشيا موالية للقوات المسلحة السودانية يقودها أبو عاقلة كيكيل، الذي فرض عليه الاتحاد الأوروبي لاحقاً عقوبات في يوليو بتهمة -استهداف الكنابي-، النار على المدنيين وأضرمت النيران في المنازل، وفقاً لمصدر مطلع وسكان محليين”.

وأفاد ضابط من القوات المسلحة السودانية، كان موجوداً في الموقع وقت الهجوم، لشبكة CNN، بأنه شاهد مقاتلي قوات (درع السودان) يطلقون النار على مدنيين، بينهم كبار سن ونساء وأطفال.

كما أفاد تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” أن الهجوم على (طيبة) أسفر عن مقتل 26 شخصاً على الأقل.

وقالت قناة التلفزة الأمريكية إن الحرب المستمرة في السودان خلّفت خسائر بشرية واسعة، يُعتقد أن أكثر من 150 ألف مدني لقوا حتفهم خلالها، إضافة إلى نزوح نحو 12 مليون شخص قسرًا، في ظل تفاقم أوضاع إنسانية وصفتها بالمجاعة في مناطق عدة. ويواجه طرفا الحرب، بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان والجنرال محمد حمدان دقلو، اتهامات من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية بارتكاب جرائم حرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *