العنف الرقمي الجندري كسلاح حرب: استهداف المدافعات عن حقوق الإنسان في السودان

شيماء تاج السر، المحامية

تقرير استقصائي: (ديسمبر)

 

 

يكشف هذا التقرير عن تحول الفضاء الرقمي في السودان إلى ساحة قمع موازية تستهدف المدافعات عن حقوق الإنسان بشكل منهجي منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023. استناداً إلى تحليل وثائق وشهادات موثقة من منظمات حقوقية محلية ودولية، ومقابلات مع مدافعات وخبراء. ويرصد التقرير أنماط العنف الرقمي المنظم وتأثيراته النفسية والاجتماعية وفشل منظومة الحماية القانونية والمؤسسية، إلى جانب استراتيجيات المقاومة التي تبتكرها الناجيات.

استند هذا التقرير الاستقصائي على تحليل المحتوى الرقمي لعدد من المنشورات والحملات الرقمية التي استهدفت مدافعات سودانيات، خلال الفترة من أبريل 2023 حتى أغسطس 2026، باستخدام أدوات تحليل وسائل التواصل الاجتماعي. كما اعتمد على مقابلات معمقة شبه منظمة مع مدافعات عن حقوق الإنسان تعرضن للعنف الرقمي، وخبراء في القانون والأمن الرقمي وحقوق المرأة، تم اختيارهم مع مراعاة التنوع الجغرافي والعمري. وتم رصد التقارير الصادرة عن منظمات محلية ودولية وإقليمية تتناول العنف الجندري في النزاعات المسلحة مع جمع لقطات شاشة وروابط لحملات تشويه منظمة وتهديدات ورسائل ابتزاز مع حفظها في قاعدة بيانات مشفرة لحماية هويات الضحايا. كما تضمن التقرير مراجعة النصوص القانونية السودانية والدولية ذات الصلة بجرائم المعلوماتية.

 

ماهية العنف الرقمي الجندري

 

وفقاً للتعريف المعتمد في تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة الصادر في مارس 2024 تحت عنوان “Technology-Facilitated Gender-Based Violence in Conflict Settings” يعرَّف العنف الرقمي الجندري بأنه “أي فعل عنيف يُرتكب باستخدام التكنولوجيا الرقمية يستهدف النساء والفتيات بشكل غير متناسب بسبب جنسهن، ويهدف إلى ترهيبهن ومضايقتهن وتشويه سمعتهن وابتزازهن أو إسكات أصواتهن”. وتشمل أشكال هذا العنف بحسب التصنيف الذي ورد في تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في يناير 2025 بعنوان “Digital Violence Against Women in Armed Conflicts” التهديد بالقتل والعنف الجسدي والابتزاز الجنسي وانتحال الشخصية والتشهير ونشر الصور الخاصة دون رضا والتزييف العميق للصور باستخدام الذكاء الاصطناعي، ونشر الأكاذيب والمعلومات المضللة والمطاردة الإلكترونية والهجمات المنظمة التي تشنها مجموعات موالية لأطراف النزاع.

وتؤكد باحثة وأستاذة علم الاجتماع، فضلت حجب اسمها، أن العنف الرقمي الجندري في سياق النزاعات يختلف عن نظيره في أوقات السلم من حيث الحجم والتنظيم والهدف، إذ يتحول من ممارسات فردية إلى حملات ممنهجة تهدف إلى إسكات الأصوات الداعية للسلام وتدمير شبكات التضامن النسوي. وتشير الأستاذة مريم حامد، المديرة التنفيذية لمنظمة كيان لتمكين المرأة، إلى أن تعدد هويات المدافعات يضاعف من شدة الاستهداف، حيث تواجه المرأة العاملة في مجال حقوق الإنسان حملات تشهير وتهديدات بالعنف الجنسي وخطاب كراهية قائماً على النوع الاجتماعي والانتماء الإثني، إضافة إلى محاولات اختراق الحسابات ومراقبة تحركاتها الرقمية.

 

الإحصاءات المتاحة وتحليل الأنماط

 

لا توجد إحصائية دقيقة وموحدة تحدد العدد الإجمالي للمدافعات السودانيات اللواتي تعرضن للعنف الرقمي الجندري، ويعود ذلك وفقاً لتقرير “حالة العنف الرقمي في السودان”، الصادر عن تحالف المدافعين والمدافعات السودانيين في يونيو 2026، إلى ضعف الإبلاغ بسبب الوصم الاجتماعي والخوف من الانتقام وانقطاع الاتصالات الذي يعطل التوثيق في مناطق النزاع وغياب التصنيف، حيث غالباً ما يُدمج العنف الرقمي ضمن فئة العنف الجندري العامة دون تفصيل. ومع ذلك وفق أحدث تقرير تحليلي أصدره مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR)  في يونيو 2026، والذي يغطي الفترة من 15 أبريل 2023 إلى منتصف أبريل 2026:

وثّق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان  546حادثة من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع في السودان، طالت ما لا يقل عن 838 ضحية، بينهن 539 امرأة و284 فتاة و8 رجال و7 فتيان، وذلك في 16 ولاية من أصل 18 ولاية سودانية. كما تلقى المكتب بلاغات عن 320 حادثة إضافية لم تكن قد اكتملت عملية التحقق منها عند إعداد التقرير. وتؤكد الأمم المتحدة أن هذه الأرقام لا تعكس سوى جزء محدود من الحجم الحقيقي للعنف، في ظل ضعف الإبلاغ عن الانتهاكات، والخوف من الوصمة الاجتماعية والانتقام، فضلاً عن صعوبة الوصول إلى الضحايا والمناطق المتضررة.

 

 

ويضيف محمد إبراهيم نكروما، السكرتير العام لتحالف المدافعين والمدافعات السودانيينـ أن النزاع المسلح خلق بيئة رقمية معادية بشكل غير مسبوق، حيث رصد التحالف ارتفاعاً حاداً في حملات التحريض المنظَّمة والتشهير والابتزاز الإلكتروني والتهديد بالعنف الجسدي ضد المدافعات، باستخدام منصات التواصل الاجتماعي كأداة لإسكات أصواتهن وتهميش دورهن.

ويكشف تحليل المحتوى الذي أجري على المنشورات والحملات الرقمية التي استهدفت مدافعات خلال فترة التقرير، إلى جانب مراجعة قاعدة بيانات تحالف المدافعين والمدافعات السودانيين التي تضم 342 بلاغاً موثقاً عن عنف رقمي جندري عن أنماط متعددة يأتي في مقدمتها التهديدات المباشرة بالقتل والاغتصاب التي تشكل %34 من الحالات الموثقة، حيث تصل هذه التهديدات عبر الرسائل الخاصة أو التعليقات العامة، وغالباً ما تكون مصحوبة بمعلومات دقيقة عن مواقع الضحايا وعائلاتهن. وتشير قاعدة بيانات التحالف إلى أن %82 من هذه التهديدات تأتي من حسابات مجهولة أو منتحلة مما يصعّب تتبع مرتكبيها.

وتأتي في المرتبة الثانية حملات التشهير المنظمة التي تشكل %29 من الحالات، حيث تُشن حملات ضخمة تتهم الناشطات بالخيانة أو العمالة لأجندات خارجية أو الخروج عن القيم المجتمعية. ويكشف تحليل أنماط هذه الحملات، أجري بالتعاون مع مختبر تحليل المحتوى الرقمي بجامعة الخرطوم، عن تزامن زمني مريب بينها وبين التطورات الميدانية، حيث تتصاعد بنسبة %340 في الأيام التي تسبق جولات التفاوض أو إصدار تقارير دولية عن انتهاكات الحرب.

كما تشمل الأنماط الاختراق وسرقة المحتوى الشخصي بنسبة %18 من الحالات، حيث يتم اختراق الحسابات الشخصية لحصد الصور والمعلومات الخاصة وبيانات الاتصال ثم استخدامها في الابتزاز أو التشهير. وتشير شهادات الناجيات، التي وثقها التقرير خلال المقابلات التي أجريت في يوليو وأغسطس 2026، إلى أن %67 من حالات الاختراق طالت حسابات واتساب، مقابل %28 طالت فيسبوك. ويأتي انتحال الشخصية في المرتبة الرابعة بنسبة %12 من الحالات، حيث تُنشأ حسابات وهمية بأسماء وصور الناشطات لنشر محتوى مسيء أو متطرف، وتم رصد 47 حالة انتحال شخصية استهدفت 12 مدافعة خلال الأشهر الستة الأخيرة فقط.

أما الاستهداف الممنهج للمحتوى الرقمي عبر حملات إبلاغ جماعية تؤدي إلى حذف المحتوى أو تعطيل الحسابات فيشكل %7 من الحالات. وتشير بيانات فيسبوك المقدمة للمجتمع المدني بحسب ما ورد في تقرير منظمة “سودان أكشن” الصادر في مايو 2026 إلى أن حسابات المدافعات السودانيات تتعرض للإبلاغ بمعدل يفوق المعدل العالمي بأربع مرات.

 

 

تحليل نماذج للحملات الرقمية المنظمة

 

يكشف التقرير عن ثلاث حملات رقمية منظمة كبرى استهدفت مدافعات سودانيات خلال الفترة المشمولة بالتقرير، تتشابه في أنماطها وتوقيتها وأدواتها. الحملة الأولى التي وثقت انطلقت في سبتمبر 2023 واستهدفت خمس مدافعات بارزات يعملن في توثيق انتهاكات الحرب في إقليم دارفور. وتم رصد 73 منشوراً على فيسبوك متطابقاً تقريباً في الصياغة، تتهم المدافعات بالعمالة للحركات المسلحة ونشر أخبار كاذبة، وقد نشرت هذه المنشورات عبر 27 حساباً مختلفاً، جميعها أنشئت خلال الفترة من يوليو إلى أغسطس 2023، أي قبل الحملة بشهرين.

وتزامنت الحملة مع صدور تقرير للأمم المتحدة حول انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور. وحللت الباحثة سارة إبراهيم المتخصصة في الأمن الرقمي نماذج من هذه المنشورات، وأكدت في شهادتها أن اللغة المستخدمة والأنماط الزمنية للنشر تشير إلى تنسيق عالٍ واستخدام أدوات جدولة النشر الآلي، حيث نشر %85 من المنشورات بين الساعة السادسة مساء والحادية عشرة ليلاً مما يشير إلى تخطيط مسبق واستهداف لأوقات الذروة في التفاعل.

الحملة الثانية التي وثِّقت استهدفت ثلاث مدافعات يعملن في مجال الإغاثة الإنسانية في شرق السودان خلال فبراير 2024. تضمنت الحملة اختراق حسابات واتساب الخاصة بالمدافعات وسرقة محادثات خاصة وصور عائلية، ثم نشرها في مجموعات فيسبوك مغلقة تضم أكثر من عشرة آلاف عضو. وقد أبلغت إحدى المدافعات التي طلبت عدم الكشف عن هويتها خوفاً على سلامتها، أن المهاجمين استخدموا صوراً لعائلتها مع عبارات مسيئة واتهامات بالفساد، وتم تداول هذه المواد في ثماني مجموعات فيسبوك مختلفة خلال أقل من أربع وعشرين ساعة. وكشفت التحقيقات الرقمية التي أجريت بالتعاون مع خبير الأمن الرقمي أنه تم استخدام عناوين بروتوكول إنترنت من خارج السودان في عمليات الاختراق، مما يشير إلى تورط جهات خارجية أو استخدام أدوات إخفاء الهوية.

الحملة الثالثة والأكثر تنظيماً وثقت في مايو 2025 واستهدفت ثماني مدافعات في وقت واحد، تزامناً مع جولة تفاوضية في جدة. تميزت هذه الحملة باستخدام التزييف العميق للصور باستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث انتشرت صور مفبركة للمدافعات في ملابس غير لائقة مع رجال، وتم تداول هذه الصور في أكثر من أربعين مجموعة فيسبوك خلال ثلاثة أيام. ويكشف التقرير، بالاستعانة بأدوات كشف التزييف العميق، أن جميع الصور تم إنشاؤها باستخدام ذات نماذج الذكاء الاصطناعي، مما يؤكد أن الحملة جاءت من جهة منظمة واحدة وليست جهات متفرقة.

وأكدت المدافعة عن حقوق الانسان رحاب مبارك سيد أحمد، أن الحملات التي استهدفتها تركزت في إطارين: قصير المدى يمسك بشخصية المدافعة ويتحدث عن مجال عملها ودورها، لكنه يشير إلى أنها خائنة بقصد خلق ذاكرة تشويه لدى الشعب، وطويل المدى يهدف إلى تخوينها وتشويه سمعتها عبر منصات مختلفة على رأسها فيسبوك، وهي حملات مقصود منها إسكات الأصوات النسوية التي تكشف الحقائق، موضحة أنها تعرضت لأخذ صورها ونشرها مع ألفاظ نابية وإرسال مقاطع صوتية بها إساءات بالغة بسبب عملها في مجال حقوق الإنسان.

 

 

التأثير النفسي والاجتماعي للعنف الرقمي على المدافعات

 

يتسبب العنف الرقمي في أضرار نفسية عميقة وطويلة الأمد للمدافعات المستهدفات. وتشير شهادات الناجيات التي وثقت إلى أن القلق المستمر والخوف المزمن يسيطران على حياتهن، إذ يعشن في حالة ترقب دائم، خاصة عندما تكون التهديدات مصحوبة بمعلومات دقيقة عن تحركاتهن وأماكن أسرهن. وتؤكد المدافعة نون كشكوش، أنها لا تزال تحت تأثير الصدمة مما أعاق اتخاذها لإجراءات قانونية، مشددة على أن غياب الدعم النفسي المتخصص يعد إخفاقاً كبيراً يعيق استمرارية النضال. وتشير كشكوش إلى أن العنف الرقمي أثر على علاقاتها الاجتماعية حيث أصبحت دفعة كاملة شبه منقطعة عن التواصل معها خوفاً من أن يصنَّفوا هم أيضاً في حال علقوا على منشوراتها، مؤكدة أن هذا يؤكد أن العلاقات كانت هشة. وتضيف رحاب مبارك سيد أحمد أن العنف الرقمي تسبب في آثار جسدية مثل النسيان واضطرابات النوم والتوتر وأمراض الضغط مما دفعها لتقليل وتيرة عملها في رصد الانتهاكات من أسبوعية إلى نصف شهرية ثم شهرية.

ويؤكد الدكتور عمر عبد الله (اسم مستعار)، الاختصاصي النفسي، أن العنف الرقمي المنظم يترك آثاراً نفسية مشابهة للعنف الجسدي المباشر، حيث تتطور أعراض اضطراب ما بعد الصدمة لدى 68% من الناجيات اللواتي خضعن للفحص النفسي، وتتفاقم هذه الأعراض عندما تكون التهديدات الرقمية مصحوبة بمعلومات دقيقة عن مواقع الضحايا وعائلاتهن. كما يتجاوز ضرر العنف الرقمي الجانب النفسي ليمتد إلى تدمير الحياة الاجتماعية والمهنية، إذ تُجبر حملات التشهير العديد من المدافعات على الانسحاب من محيطهن الاجتماعي خوفاً من الوصم ورفض المجتمع، ويضطر بعضهن إلى ترك وظائفهن أو مشاريعهن المهنية، كما يستهدف المهاجمون شبكات الدعم من خلال التهديد أو التشهير بالرموز النسوية ومنظمات المجتمع المدني.

 

انهيار منظومة الحماية: فشل الأطر القانونية الوطنية والدولية

 

تُظهر الأبحاث والمراجعة القانونية التي أجريت أن منظومة الحماية القانونية في السودان تعاني من عيوب تشريعية تجعلها غير قادرة على حماية المدافعات من العنف الرقمي. وتشير خبيرة قانونية، فضلت حجب اسمها خوفاً من الاستهداف، إلى أنه لا يوجد في التشريع السوداني قانون محدد يجرم العنف الرقمي الجندري كجريمة قائمة بذاتها، وأن النيابة في جرائم العنف الرقمي تعتمد على مبدأ شخصية المسؤولية الجنائية فلا يعاقب الشخص لمجرد التفاعل بل لدوره الفعلي وقصده الجنائي، فالناشر الأصلي يعد فاعلاً أصلياً بينما تقيَّم مسؤولية المشارك والمعجب والمعلق كل على حدة، والإعجاب وحده لا يكفي بينما قد تشكل إعادة النشر أو التعليقات التحريضية مساهمة جنائية وفقاً للمادة 21 من القانون الجنائي متى توافرت الأدلة على العلم والإرادة. وتضيف الخبيرة القانونية أن التشريع السوداني يفتقر لنظام مستقل لأوامر الحماية في العنف الرقمي الجندري، فتستند النيابة للصلاحيات العامة في قانون الإجراءات مع التنسيق مع الشرطة لتأمين المجني عليها، خاصة إن اقترنت الحملة بتهديدات ميدانية، مع العلم أن التنفيذ يواجه تحديات عملية في مناطق النزاع.

ويشير أ.مساعد محمد علي، المدير التنفيذي للمركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام، إلى أن المواثيق الدولية – مثل اتفاقية سيداو والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية – تفرض التزامات على الدول بتجريم الأفعال الرقمية التي تنتهك الخصوصية والسلامة النفسية وتوفير سبل الانتصاف للضحايا، لكنه يؤكد غياب آلية إنفاذ دولية فعالة وعدم وجود آلية دولية ملزمة لإنفاذ القوانين الدولية في حالات العنف الرقمي أثناء النزاعات، كما تواجه توثيق أدلة العنف الرقمي صعوبات تقنية وقانونية خاصة أن معظم منصات التواصل الاجتماعي مملوكة لشركات أمريكية، وتشير التقارير إلى أن المجتمع الدولي لم يبدِ اهتماماً كافياً بظاهرة العنف الرقمي كسلاح حرب.

وتؤكد المدافعة رابحة إسماعيل، أنها لا ترى آليات حماية واضحة وفاعلة على أرض الواقع، وذلك يعود أساساً إلى غياب أي تشريع أو قانون رادع وجزائي واضح حتى في منصات التواصل الاجتماعي، مما يتركهن في دائرة مفرغة من الخوف والتهديد، خاصة مع استمرار النزاع المسلح الذي يضاعف من هشاشة أوضاعهن واستهدافهن، وتضيف أنه لا توجد ثقة في المؤسسات العدلية، فحين تمشي لتطالب بحقك تفاجأ بنفسك متهماً.

 

استراتيجيات الناجيات في مواجهة العنف الرقمي

 

رغم غياب الحماية الفعالة تبتكر المدافعات السودانيات استراتيجيات متنوعة للصمود. وتشير رابحة إسماعيل إلى أن المدافعات يقمن بتدريب زميلاتهن على مبادئ الأمن الرقمي وكيفية حماية أنفسهن والحفاظ على سلامتهن النفسية والجسدية في الفضاءات المفتوحة. وتؤمن بشدة بضرورة وجود آليات بلاغ رسمية ومتخصصة تكون سرية تامة لتلجأ إليها النساء في أي وقت ومن أي مكان بعيداً عن الخوف من الوصم أو التهديد، كما ترى أن التضامن المجتمعي والمناصرة الفورية يشكلان إحدى آليات الحماية غير الرسمية التي أثبتت فعاليتها النسبية في تخفيف الأثر النفسي.

وتوثق الأستاذة مريم حامد، المديرة التنفيذية لمنظمة كيان لتمكين المرأة، أن العديد من المدافعات طوَّرن استراتيجيات للصمود مثل بناء شبكات دعم بين المدافعات وتقاسم الأدوار والاهتمام بالدعم النفسي والاعتماد على وسائل اتصال أكثر أماناً، وتبتكر المدافعات آليات حماية ذاتية وبدائل علمية، كما توجد جهود تقودها منظمات نسوية ومنظمات مجتمع مدني سودانية لتقديم التدريب على الأمن الرقمي وتوثيق الانتهاكات وتقديم الدعم القانوني والنفسي للمدافعات بالإضافة إلى حملات المناصرة والتوعية، إلا أن هذه المبادرات تواجه تحديات كبيرة بسبب استمرار النزاع وضعف البنية المؤسسية ومحدودية التمويل وتراجع الحماية القانونية.

ويشير محمد إبراهيم نكروما إلى نجاح تحالف المدافعين والمدافعات السودانيين بالتعاون مع منظمات حقوق المرأة والمنظمات الإنسانية في إنشاء قاعدة بيانات آمنة لتوثيق هذه الانتهاكات وإعداد ملفات قانونية وإصدار تقارير دورية، إلا أن هذه الجهود تحتاج إلى دعم دولي وإقليمي أكبر لمواكبة حجم الانتهاكات المتصاعدة.

وتؤكد رحاب مبارك سيد أحمد أنه رغم ما تعرضت له، فهي مستمرة في رصد الانتهاكات والتوثيق، وإن كان بوتيرة أقل بسبب الضغوط النفسية. وتختم نون كشكوش بالقول إن معركة النساء في السودان لا تزال طويلة سواء في مواجهة الحرب أو مقاومة عودة العقلية القديمة، وهي معركة تستوجب توفير مساحات آمنة تمكنهن من العيش بسلام بعيداً عن الاستهداف الرقمي الذي يستهدف إسكات أصواتهن وتقييد وجودهن في المجال العام.

 

التوصيات

 

في ضوء ما كشف عنه هذا التقرير، أوصي بالاعتراف القانوني بالعنف الرقمي الجندري المنظم في النزاعات والضغط باعتباره جريمة حرب يعاقب عليها القانون الدولي والإنساني ودمجه في اختصاصات المحاكم الدولية الجنائية والمحاكم المختلطة، وتعديل القوانين الوطنية بإصلاح القوانين التمييزية ضد المرأة، وإقرار قانون يجرم العنف الرقمي الجندري، وتسهيل إجراءات الإبلاغ وجمع الأدلة الإلكترونية، ودعم الحماية الرقمية بتوفير التدريب والتقنيات والأدوات الرقمية للمدافعات عن حقوق الإنسان في مناطق النزاع بما في ذلك برامج الأمن الرقمي والتوعية بالمخاطر وآليات الإبلاغ، ومطالبة منصات التواصل الاجتماعي بوضع آليات استجابة سريعة وحساسة للنزاعات لحماية المستخدمين المستهدفين، واحترام الطبيعة الخاصة للأوضاع في مناطق النزاع، وتوفير تقارير دورية عن حملات الكراهية المنظمة ضد النساء، وتعزيز التوثيق بدعم جهود توثيق حالات العنف الرقمي الجندري كأدلة قد تستخدم في مسارات المحاسبة المستقبلية، وتطوير معايير موحدة لتوثيق الأدلة الرقمية في النزاعات المسلحة، وإدراج الدعم النفسي الرقمي ضمن برامج الدعم للنساء الناجيات من النزاعات، وتوفير خدمات استشارية نفسية متخصصة في التعامل مع آثار العنف الرقمي الجندري، وتنظيم حملات وطنية ودولية لرفع الوعي بظاهرة العنف الرقمي كشكل من أشكال العنف ضد المرأة في النزاعات، وتدريب الصحفيات والصحفيين على تغطية هذه القضايا بحساسية، ودعوة المجتمع الدولي والمنظمات الأممية خاصة هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى إعطاء أولوية لظاهرة العنف الرقمي الجندري في النزاعات وتخصيص موارد لدعم الناجيات وتطوير آليات حماية فعالة.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *