سفروق  

سيرة العنف.. من الإذلال إلى السلطة

د.أحمد الطيب بدرالدين

 

في أطراف شرق المدينة، داخل بيت عريق حديقته واسعة معتنىً بها، تحيط به أشجار النيم العالية والنخيل، جلس سفروق على كرسي وثير منخفض، يراقب الغبار وهو يتحرك ببطء في ضوء المغيب.

كانت بوابة البيت مفتوحة على آخرها، وسفروق ينظر إلى المارة في الشارع يركضون وهم يحملون أمتعتهم. كان صوت الرصاص يملأ المكان، وأعمدة الدخان ورائحة الدماء والموت تغطي على صراخ الأطفال والنساء.

الفضائيات عبر الهاتف في يده كانت تنقل أخبار القتال في الخرطوم، تتوالى الفيديوهات والمشاهد، لكنه لم يكن يصغي.

كان يجلس هادئاً وكأنه يشاهد فصلاً في ملحمة شكسبيرية يعرف نهايتها مسبقاً.

أصابعه الثقيلة كانت تمسح السفروق القديم الموضوع على ركبتيه، تلك العصا القصيرة المنحنية عند رأسها، المصنوعة من خشب قوي، عصا ملساء عبرت عليها الأكف والدماء والسنوات، لونها بني لامع يتسلل إليه احمرار خفيف عند المنحنى.

في الخارج، مرّ صَبيان نحيفان يركضان حفاة خلف شاحنة عسكرية. توقف أحدهما لحظة، ونظر عبر الباب المفتوح إلى الرجل الجالس في الظل.

عينان غاضبتان، جائعتان.

فيهما ذلك البريق الذي يعرفه سفروق أكثر من أي شيء آخر في الدنيا.

ابتسم دون أن يشعر.

ثم عاد ببصره إلى السفروق.

كان أقدم من الدولة نفسها.

أقدم من الرايات التي تعاقبت على البلاد:

رايات التركية السابقة،

راية المهدية،

راية الاستعمار البريطاني،

أعلام الحكومات الوطنية،

شعارات الحركة الإسلامية،

والمليشيات التي خرجت من رماد الجميع.

أما سفروق.. فبقي.

مد يده إلى الندبة الغائرة تحت ركبته اليسرى يتحسسها.

لا أحد كان يعرف عمره الحقيقي.

بعض الشيوخ أقسموا أن جدودهم عرفوه في التركية السابقة ضمن جنود الأتراك، وأن آباءهم رأوه بالشكل نفسه أيام المهدية.

الجميع اتفقوا أن اسمه ظهر أول مرة مع جنود الترك سنة 1822، حين تعلم الناس لأول مرة كيف يخافون من الدولة. بل إن أحد الشيوخ كان يؤكد أن سفروق شارك مع محمد الدفتردار في حملاته الانتقامية على السودانيين، وكان يعمل دليلاً له بين القرى ومسارات البادية.

أما هو، فلم يكن يشرح شيئا.

فقط يعرف أن الدنيا ضربته بالسفروق..

قبل أن تعلِّمه كيف يحمله.

لم يكن يتذكر وجه أمه. كل ما يعرفه عنها أن اسمها بخيتة، كانت تعيش في بلدة “سفاهة” الواقعة جنوب “الضعين”، وأن أباه كان تاجراً إغريقياً أو جندياً تركياً ضمن قوة تتبع للحكم التركي، مرت من بلدة “قوسينقا” قرب “راجا” في غرب بحر الغزال إلى “بابنوسة”. أخذ من والده بياض البشرة والعيون الرمادية.

كانت الحياة تدب في “سفاهة” في الصيف عندما يأتي العرب البقارة بماشيتهم وتجارتهم.

يتضاعف سكان البلدة عشر مرات، وتزدهر الأسواق، وتنتعش أنادي الخمر وبيوت الدعارة في “سفاهة فوق” الواقعة شرق “سفاهة السوق”.

هناك نشأ سفروق، الذي لم يعرف الناس له اسماً غيره، لأنه كان دائماً ممسكاً بسفروق قصير.

هناك بدأت حياته الحقيقية.

كل ما يتذكره هو الاحتقار والعطش.

عطش الطفولة الطويل:

للماء،

للطعام،

للحماية،

ولأن ينظر إليه أحد كإنسان.

كان الجميع يحتقره، لهيئته، للون بشرته مثل الجنود الأتراك أو لأن أمه بخيتة التي تعمل في بيوت الدعارة في “سفاهة فوق”.. حتى الكلاب كانت تنبح عليه دون غيره.

العالم، في نظر سفروق، لم يكن يرى الأطفال الجائعين. كان يراهم فقط حين يسرقون.

أول شيء تعلمه أن الضرب يأتي دائماً أسرع من الرحمة.

كانوا يضربونه بالسياط أو يرمونه بالسفروق.

كان يسمع صفيره في الهواء.. ثم يشعر بالألم.

في البداية كان يبكي.

لاحقاً صار يعضّ شفتيه بصمت.

ثم اكتشف شيئا غريباً:

أن البشر يتوقفون عن ضربك حين يخافون منك.

منذ تلك اللحظة، لم يعد يريد شيئاً آخر في الحياة سوى أن يجعل الناس يخافون منه.

كانت “سفاهة” في ذلك الزمن بقعة من الطين والأعشاب، تمتد حولها مراعٍ خصبة وغابات كثيفة، تتناثر فيها برك ماء تمتلئ في الصيف لتكفي البشر والبهائم، وتقع على طريق استراتيجي يربط جنوب دارفور ببحر الغزال.

الرجال يرحلون مع المواسم، والنساء يخبزن الصبر مع الدخن، والأطفال يتعلمون باكراً كيف يميزون بين صوت الريح وصوت الخطر.

كان نحيفاً كفرخ دجاج مبتل بماء المطر، يحدق في الناس بعينين رماديتين حادتين أكبر من عمره.

كان يسرق حتى أثناء الأكل.

وحين ضُرب أول مرة، لم يبك.

تلك كانت العلامة الأولى.

الأطفال عادة يبكون، أو يهربون، أو يتوسلون.

أما هو فظل ينظر إلى الرجل الذي ضربه بالسفروق كأنه يحفظ وجهه لشيء سيحدث لاحقاً.

كانت ضربة قوية تحت ركبته اليسرى، تركت أثراً دائماً. خطف ذلك السفروق البني الأملس ذا اللون الأحمر في طرفه، وأصبح لا يفارق يده.

بعد سنوات، صار الجميع يعرفه.

إذا اختفى دجاج،

إذا احترقت قطية،

إذا تعرض طفل للضرب قرب البئر،

فالأصابع تشير نحوه فوراً.

مرة هاجمه كلب في السوق، فربطه على شجرة وضربه حتى الموت، ثم علَّقه على الشجرة وجلس على الأرض ينظر إليه مستمتعاً.

كان يكره الصبيان الذين لديهم بيت وأهل بشكل خاص.

ملابسهم النظيفة،

طريقة كلامهم،

ثقتهم بأنفسهم..

كل ذلك كان يشعل داخله نار الحرمان.

مرة أمسك بابن أحد التجار قرب شجرة خلف السوق، لأنه سخر منه قائلا:ً

“سفروق… أمك واحد، أبوك عشرة”.

طرحه أرضاً وضربه ضرباً مبرحاً، ثم وضع السفروق حول رقبته وهمس:

“الناس الزيكم ديل ما بخافوا إلا لمن يدقوهم”

كان عمره يومها أقل من أربعة عشر عاماً.

حين قويَ قليلاً، أخذه أحد تجار الإبل إلى قرية اسمها “كَبُر الهبوب” شمال بارا في كردفان، ليعمل مع الرقيق والرعاة.

ظن التاجر أنه استأجر صبياً يساعده في العمل، ولم يدرك أنه أدخل إلى زريبته وحشاً.

هناك، لأول مرة، صار تحت يده أناس أضعف منه.

كان قاسياً عليهم بصورة أربكت حتى سيده.

يضرب بلا سبب،

يكذب بلا تردد،

ويستمتع بإذلال من يخافونه.

وكان يشعر براحة غريبة كلما تسبب في إيذاء الآخرين.

عندما يعاقبه سيده يشعر بمتعة عجيبة وقوة أكثر ويزداد قسوة.

لكن أسوأ ما فيه لم يكن العنف، بل تلك السعادة الخفية التي تظهر على وجهه بعده.

كأن عقله يعود إلى توازنه كلما أحدث ألماً للآخرين، وكثر صراخهم ومعاناتهم..

كان العنف يخلق في نفسه نشوة ومتعة، يجعل الدوبامين يتفجر في جسمه! ويشعر بلذة واسترخاء عجيب بعدها..

مرة طعن راعياً بسبب شجار على الماء.

ومرة حبس صبياً داخل زريبة الغنم لأنه سرق اللبن.

وما من بنت خرجت لجمع الحطب وحدها إلا واعتدى عليها.

وحين اشتكى الناس منه، قال سيده متنهداً:

“الولد دا أبوه شيطان.. النار ذاتها ما بتنفع معاه”.

ثم جاءت أخبار اندلاع ثورة يقودها رجل يقول إنه المهدي.

كانت سنة 1883.

الرجال يتحدثون عن الانضمام إلى جيش المهدي والجهاد ضد الأتراك.

لكن سفروق لم يكن يهتم بكل ذلك.

الشيء الوحيد الذي فهمه أن البلاد دخلت عصراً جديداً.

وحين قرر سيده إرسال بعض الرجال إلى جيش المهدي المحاصِر للأبيض، كان أول اسم يذكره هو سفروق.

ليس إيماناً به.. بل تخلٌّصاً منه.

في الليلة التي سبقت الرحيل، جلس سفروق خارج الزريبة، يمسح السفروق القديم بقطعة قماش مبللة.

 

كان القمر شاحباً، والهواء مليئاً برائحة الغبار والحطب

وفجأة شعر بشيء لم يشعر به من قبل

الفرح

ليس لأنه سيقاتل في سبيل الله،

ولا لأنه يؤمن بالثورة على الأتراك،

بل لأنه فهم أخيراً أن العالم فتح له الباب 

الذي ظل يبحث عنه طوال عمره، 

الباب الذي يستطيع عبره إيذاء الناس دون أن يعاقبه أحد.

حين وصل إلى جيش المهدي، وجده مثل عاصفة من الغبار والعرق والتكبير وكأنه يوم القيامة.

رجال حفاة،

خيول وجمال،

ورايات سوداء وخضراء وحمراء

تسد الأفق كطيور جارحة.

لكن سفروق لم يرَ في ذلك جهاداَ ولا خلاصاً.

رأى فقط رجالاً يشبهونه..

رجالاً خرجوا من الجوع والقهر، وفجأة صاروا يحملون السيوف ويأمرون الآخرين بالركوع.

ومنذ معركة تحرير الأبيض التي أبلى فيها بلاءً حسناً، فهم القاعدة بسرعة:

كلما ازداد قسوة، قرّبه القادة إليهم أكثر.

كان يدخل المعركة كأنه يعود إلى طفولته لينتقم من العالم كله دفعة واحدة.

يطعن بنشوة،

يضرب الرقاب بلا تردد،

ويحرق البيوت وهو يضحك وسط الصراخ.

أما أكثر ما كان يثير انتباه القادة، فكان هدوؤه بعد القتل.

بينما يرتجف الآخرون أو يتقيأون بعد المعارك، كان هو يجلس قرب النار، يأكل بصمت، ويمسح الدم عن السفروق كما لو أنه يعتني بحصانه.

وذات مرة، بعد مذابح فظيعة في جبال النوبة ارتكبها ضد خصوم الخليفة، حرق فيها الآلاف أحياء، استدعاه خليفة المهدي إلى مجلسه. 

لم يكن يحضر مجلس الخليفة قبل ذلك.

جلس بعيداً متوقعاً أن يعاقبه ويوبّخه الخليفة.

ظل الخليفة يراقبه طويلاً قبل أن يقول:

“سفروق! قالوا لي إنك ما بتخاف”!

رفع كتفيه دون جواب.

ثم سأل الخليفة جميع القادة في المجلس!

“إنتو بتقاتلوا لي شنو؟”

كانت إجابات الرجال كلها حول:

– قتال أعداء خليفة المهدي،

– إعلاء راية المهدية، 

– الجهاد في سبيل الله،

– الدفاع عن الدين والوطن،

– قتال الكفار وناكري المهدي،

لكن سفروق لم يكن يشعر يوماً بشيء من ذلك.

نظر الخليفة إليه منتظراً إجابته!

– وإنت يا سفروق، بتكاتل في شان شنو؟

بعد صمت قصير قال سفروق:

– “عشان الناس تعرف مقامها يا خليفة المهدي”..

ابتسم الخليفة ابتسامة رضا، مسح على لحيته بيده اليسرى ثم نقل بصره إلى بقية القادة دون أن يتكلم.

في ذلك المساء، خرج سفروق من مجلس الخليفة وقد فهم شيئاً جديداً عن الدنيا:

رجال السلطة لا يهمهم الإيمان.

هم فقط يريدون رجالاً مستعدين لفعل ما يخشاه الآخرون.

ومنذ ذلك اليوم، بدأ صعوده الحقيقي.

أهداه الخليفة حصاناً بكامل عدته الفاخرة،

وبيتاً كبيراً في حي الملازمين،

وأصبحت لديه زوجة أولى وزوجة ثانية،

ورجال بأسلحتهم يتبعونه واسم يخافه الناس قبل أن يروه،

وصار يحضر اجتماعات مجلس الخليفة.

أصبح يشعر للمرة الأولى أن العالم يعترف بوجوده.

لم يعد الطفل الذي يُضرب إذا سرق قطعة خبز.

الآن، حين يدخل مدينة، يهتف الرجال “الله أكبر ولله الحمد”، وتنخفض العيون أمامه.

كان ذلك، بالنسبة لسفروق، أقرب إلى الخيال.

لكن السلطة، مثل النار، لا تكتفي أبداً.

كلما ارتفعت مكانة سفروق، ازداد جوعه.

صار يستمتع بالأشياء الصغيرة:

ارتجاف الأصوات،

انحناء الرؤوس،

وصمت الشيوخ والأعيان حين يدخل المجلس.

كان يحتقرهم، وبشكل خاص:

الفقهاء،

الكتبة،

زعماء القبائل،

كبار التجار،

والمتعلمين،

الذين يتحدثون بهدوء وثقة..

هؤلاء كانوا يذكِّرونه دائماً بذلك الطفل الحافي الذي كان الناس يبعدونه عن مجالسهم ككلب ضال.

ولهذا، حين بدأت الصراعات والخلافات داخل الدولة المهدية، اختار سفروق المكان الذي يناسبه أكثر من ساحات القتال:

سجن الساير بأم درمان.

هناك اكتشف موهبته الحقيقية.

أصبح صديقاً لإدريس ود الساير، مدير السجن، وجد أنه يشبهه في كل شيء، حيث إن ود الساير كان زعيم عصابة من اللصوص والقتلة وقُطّاع الطرق في زمن الحكم التركي قبل انضمامه إلى المهدية.

كان سفروق يعرف كيف يجعل الرجال ينكسرون.

ليس بالضرب فقط، بل بالإذلال.

يجبر التاجر المتكبر على تنظيف الأرض،

والمتعلم على التوسل أمام الجنود،

والشيخ الوقور على سماع الشتائم من صبية صغار.

كان يراقب تلك اللحظات بعينين هادئتين، كفلاح يتأمل محصوله.

أحضروا إليه القائد الزاكي طمل محكوماً عليه بالسجن.. كان الزاكي طمل يصوم الاثنين والخميس في حبسه، مما استفز سفروق.. فقال له لماذا لا تتقرب إلى الله أكثر وتصوم الدهر كله؟! لم يدرك الزاكي أن سفروق كان يعني منعه من الطعام والشراب تماماً حتى مات، في ما كان يعرف بالموت بالصبر.

في تلك الليلة، جلس سفروق وحده خارج السجن، ممسكاً بالسفروق القديم.

كان المطر خفيفاً، والطين يلتصق بالحذاء وصوت الرعد والبرق، أجواء تشبه “سفاهة”.. تلك الذكرى القاسية.

فجأة تذكر شيئاً لم يفكر فيه منذ سنوات:

وجه الرجل الذي ضربه أول مرة وهو صبي في “سفاهة السوق”.

أدرك عندها حقيقة غريبة.

هو لم يتوقف يوماً عن كونه ذلك الطفل.

كل ما حدث أنه بدل موقعه فقط.

في الماضي كان الآخرون يقذفونه بالسفروق.. والآن أصبح السفروق في يده هو..

ثم سقطت المهدية.

ودخل الإنجليز البلاد بوجوه باردة وملابس مرتبة ورائحة صابون غريبة.

هرب رجال الأمس،

وقتل بعضهم،

وتخلى آخرون عن المهدية،

أما سفروق، فاختفى لسنوات.. حتى ظن الناس أنه قد مات.

ثم فجأة ظهر بين جنود الإنجليز.

لا أحد عرف كيف وصل إلى الإدارة الجديدة، لكن الإنجليز أحبوا فيه شيئاً مهماً:

أنه يعرف البلاد،

ويعرف الناس،

وليس لديه أدنى تردد في فعل الأشياء القذرة.

وفي سنوات قليلة، صار ظلاً يتحرك بين السجون ومكاتب المخبرين وأسواق المدن.

“لو جاك سفروك.. أهلك فقدوك”.

هكذا كان الناس يقولون.

ومع السنوات تبدلت الحكومات والرايات، لكنهم كانوا يعودون إليه دائماً.

التركية،

المهدية،

الإنجليز،

الحكومات الوطنية،

العسكر،

المليشيات،

كلهم احتاجوا رجلاً يعرف كيف يصنع الخوف.

 

وحين جاءت سنوات الحركة الإسلامية، شعر سفروق أنه وصل أخيراً إلى الزمن الذي يشبهه أكثر من كل ما سبقه.

أحب فيهم الرعب الذي صنعوه:

بيوت الأشباح،

الوجوه المرتعشة،

السياسيين المختفين،

وقرى تحترق بينما يواصل الجنود صلاتهم بهدوء.

وأن العلو في هذا العهد لمن يمارس العنف والقتل..

هناك شعر للمرة الأولى أنه بين أهله الحقيقيين.

كان بينهم مجند شاب يتبعه أينما ذهب.

صامت،

حاد النظرات،

يتعلم بسرعة،

ويراقب التعذيب كما يراقب طفل نجاراً يصنع أثاثاً فاخراً.

وحين سأله الآخرون عن سبب تعلقه بسفروق، كان يقول:

“الناس كلهم بكضبوا.. إلا سفروق”.

كان الفتى قد نزحت أسرته إلى جنوب الخرطوم بعد أن أحرق جنود النظام نفسه قريتهم البعيدة.

عيناه كانتا تحملان الجوع والغضب القديم الذي يعرفه سفروق.

ذات ليلة قال لسفروق مترددا: “عايز أتعلم منك الشغلة الصاح”!

مع السنوات، صار الفتى أكثر شبهاً به.

نفس الصمت.

نفس البرود.

ونفس الجوع المختبئ داخل العينين.

في ذلك اليوم والحرب اندلعت في الخرطوم، 

قال للفتى: سوف تأخذ هذا السفروق القديم.

فرح الشاب وكأنه سوف يأخذ البركة من شيخ!

ثم قال لسفروق: “لو سألوني.. أقول أنا منو؟”

ابتسم سفروق ابتسامة باهتة وقال: “ما تديهم اسمك الحقيقي”.

 

ثم اقترب منه وهمس: “سمي نفسك الحاجة البتخلي الناس تخاف”.

ساد الصمت لحظة.

ثم أضاف وهو يغلق عينيه ببطء:

“قول ليهم أبوي سفروق..

أمشي.. وما تخاف..

إنت ما عندك بداية..

إنت امتداد.”

قال الشاب متردداً: “أنا ما حصل سألتك.. إنت منو يا سفروق؟ لا زول بعرف أهلك.. لا قبيلتك.. لا حتى عمرك الحقيقي”.

ظل سفروق يمرِّر أصابعه على الخشب الأملس، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة.

وقال لأول مرة، كأنه يحدث نفسه: “أنا؟..”

رفع عينيه نحو الشاب.

“أنا النفس البشرية..

أنا الحقيقة التي يهرب منها الناس..

أنا الشر البطلع من البشر لمن يغيب الحساب..

أنا اللعنة”!!!

ثم سكت قليلاً..

“أنا الخوف.. الجوع.. والحقد البتربُّوه جواكم وتقولوا ديل ما نحنا”!

تحرك ضوء النار على الندبة القديمة تحت ركبته.

ثم مد يده إلى السفروق القديم، وظل ينظر إليه طويلاً، كأنه يرى عمره كله محفوراً في ذلك الخشب:

الدم،

الطين،

السجون،

القرى المحترقة،

والوجوه التي نسي أسماءها.

ثم ناوله للشاب ببطء.

وحين لامست أصابع الفتى الخشب الأملس، 

ارتعش،

شعر بشيء بارد يتحرك داخله..

شيء يشبه الطمأنينة أو اللعنة.

قال الشاب بصوت منخفض: “وإنت.. حتمشي وين؟”

ابتسم سفروق لأول مرة منذ سنوات طويلة.

ثم قال: “أنا؟.. أنا خلاص انتهيت”.

لكنه كان يعرف أنه يكذب.

في الخارج، كانت أصوات الرصاص تقترب من البيت.

أما سفروق، فأسند رأسه إلى الكرسي وأغلق عينيه ببطء.

وللمرة الأولى منذ مئات السنين لم يشعر بالخوف من الغد.

لأن البلاد، كما فهم أخيراً، لم تعُد تحتاج إليه شخصياً..

فهي تعرف كيف تصنع سفروقاً آخر.

 

29 مايو 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *