المرأة السودانية: صمود أسطوري في مواجهة انتهاكات الحرب

صانعة الحياة في زمن الموت…
المرأة السودانية: صمود أسطوري في مواجهة انتهاكات الحرب

شيماء تاج السر، المحامية

في الثامن من مارس من كل عام يحتفي العالم بالمرأة بإنجازاتها ونضالها وحقها في حياة كريمة. لكن في السودان يأتي هذا اليوم هذا للعام حاملاً بين طياته مرارة استثنائية، إنه يوم يجدّد جراح أمة، ويختزل في امرأة واحدة كل قصص الألم والصمود، فهي التي كانت أماً وأختاً وزوجة أصبحت اليوم وجهاً من وجوه الحرب تحمل على كتفيها هموماً لا تطاق. فهي الضحية، وهي الناجية، وهي الحارسة للوطن رغم تهدمه.

منذ الخامس عشر من أبريل 2023 اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لتتحول حياة المدنيين، ولا سيما النساء، إلى جحيم لا يوصف. لقد تحولت المرأة السودانية إلى هدف سهل للانتهاكات الجسيمة التي بلغت حد القتل والاغتصاب والاستعباد الجنسي والاعتقالات والتهجير القسري. هذا المقال هو محاولة لتوثيق هذه المعاناة، وتسليط الضوء على الإطار القانوني الذي يفترض أن يحميها، واستحضار روح الثامن من مارس كرمز عالمي للنضال من أجل الكرامة والتي تتجسد اليوم في صمود المرأة السودانية.
بعض التفاصيل الواردة في هذا المقال قاسية وصعبة، لكن السرد لا يهدف إلى الإثارة بل إلى توثيق حجم المأساة التي تعيشها آلاف النساء في صمت، على أمل ألا يبقى هذا الصمت هو المصير الوحيد.

 

مرارة الحرب.. انتهاكات منهجية تطال الجسد والروح

لم تكن معاناة المرأة السودانية في هذه الحرب مجرد أضرار جانبية للنزاع، بل كانت منهجية وموثقة استهدفت تدمير النسيج الاجتماعي والإنساني بأبشع الطرق.

القتل والاغتصاب كأدوات حرب

لم تعد رصاصة طائشة هي السبب الوحيد لموت النساء، فقد وثقت منظمة العفو الدولية في تقريرها “لقد جاء الموت إلى منزلنا” (Death Came To Our Home) العديد من الحالات التي قُتلت فيها نساء وهن في منازلهن أو أثناء فرارهن. ففي أم درمان قتلت الطبيبة الشابة آلاء فوزي المرضي برصاصة اخترقت صدرها داخل منزلها. إلى جانب القتل، تحول الاغتصاب إلى سلاح رعب جماعي، فقد أبدى خبراء الأمم المتحدة قلقهم البالغ من التقارير التي تتحدث عن استخدام واسع ومنهجي للاغتصاب والعنف الجنسي من قبل قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها بهدف معاقبة المجتمعات وإرهابها. لم تنجُ فتيات في الثانية عشرة من العمر من هذا المصير.

الاستعباد الجنسي والزواج القسري

تجاوزت الانتهاكات حدود الاغتصاب إلى أشكال أكثر وحشية. أفادت تقارير لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن العشرات من النساء والفتيات تعرضن للاختطاف والاحتجاز في ظروف شبيهة بالرق في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع في دارفور، وتم تزويجهن قسراً واحتجزن مقابل فدية مالية في مشهد يستحضر أسوأ مآسي الرق في العصور الغابرة. بعض المصادر أفادت برؤية نساء مقيدات بالسلاسل في شاحنات صغيرة وسيارات، وفي حالات أخرى تم احتجاز مجموعة من 24 امرأة وفتاة في فندق لعدة أيام في ظروف وصفت بأنها استعباد جنسي.

الجنس مقابل الغذاء والحرمان من الحقوق الأساسية

مع انهيار الدولة واقتصادها وجدت النساء النازحات أنفسهن في مواجهة خيارات مستحيلة في معسكرات النزوح، حيث ينعدم الأمن ويندر الغذاء والدواء، برزت ظاهرة الجنس مقابل الغذاء؛ حيث تُجبر النساء على ممارسة الجنس مقابل قوت يومهن أو قوت أطفالهن. هذا الواقع المأساوي هو نتاج الحرمان القسري من أبسط حقوق الإنسان: الحق في العمل والتعليم والغذاء والأمن.

التهجير القسري معاناة مضاعفة

اضطرت ملايين النساء إلى الفرار من منازلهن تاركات كل شيء وراءهن. لكن النزوح لم يكن نهاية المطاف، ففي معسكرات النزوح داخل السودان تعاني النساء من نقص حاد في الرعاية الصحية وخاصة الصحية والإنجابية. هيئة الأمم المتحدة للمرأة وثقت معاناة نساء مثل آمنة صالح (18 عاماً) التي تعرضت للاغتصاب على أيدي مسلحين وبقيت في منزلها أربعة أيام، لتجد نفسها بعد فرارها إلى أحد مراكز الإيواء حاملاً، تعاني من صدمة نفسية وبدون أي رعاية طبية.

ولم تكن دول اللجوء المجاورة بمنأى عن هذه الانتهاكات. فقد واجهت اللاجئات السودانيات مخاطر جديدة، وفي بعض الأحيان وجدن أنفسهن أمام سياسات ترحيل قاسية كالترحيل القسري المباشر أو الترحيل غير المباشر عبر إجبار أبنائهن على العودة، مما وضع المرأة أمام خيار وحشي: إما البقاء في محنة اللجوء أو العودة مع أطفالها إلى منطقة نزاع محتدم في مشهد يعيد إنتاج حلقة العنف والمعاناة.

 

الإطار القانوني حماية على الورق وانتهاك على الأرض

في مقابل هذه الجرائم، يقف القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان اللذان يضعان إطاراً متكاملاً لحماية النساء في النزاعات المسلحة. لكن السؤال المرير الذي يطرح نفسه: لماذا تفشل هذه القوانين في حماية المرأة السودانية؟

 

الحماية من العنف الجنسي

يُجرم القانون الدولي الإنساني بشدة جميع أشكال العنف الجنسي. فقد نصت المادة (27) من اتفاقية جنيف الرابعة على ضرورة حماية النساء من أي اعتداء على شرفهن، خاصة من الاغتصاب والسخرة والدعارة. ويعتبر البروتوكول الإضافي الأول (1977) هذه الأفعال انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. المحكمة الجنائية الدولية، في لوائح اتهامها ونظامها الأساسي (روما)، تعتبر الاغتصاب والاستعباد الجنسي والدعارة القسرية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وقد أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن هذه الأفعال محظورة بشكل صارم.

 

معاملة خاصة للمحتجزات والمرضعات

ينص القانون الدولي الإنساني على وجوب فصل النساء المعتقلات عن الرجال، وتوفير أماكن إيواء منفصلة تشرف عليها نساء، وذلك لمنع التعرض للاعتداءات الجنسية. كما تنص الاتفاقيات على تقديم رعاية خاصة للحوامل والمرضعات، بما في ذلك توفير الغذاء الإضافي والرعاية الطبية.

 

الحماية من التهجير القسري

يُحظر الترحيل القسري للسكان المدنيين بشكل صارم بموجب القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. اعتبر إعلان حماية النساء والأطفال في حالات الطوارئ والنزاعات المسلحة (1974) أن تدمير المساكن والإجلاء القسري التي ترتكبها أطراف النزاع هي أعمال إجرامية.

 

فجوة التطبيق والمساءلة

مع كل هذا الزخم القانوني تبقى الحماية بالنسبة للمرأة السودانية حبراً على ورق. تعاني آليات المساءلة الدولية من عجز واضح، كما أن النظام القضائي السوداني انهار بشكل كامل في مناطق النزاع، هذا الفراغ القانوني هو ما يسمح باستمرار الانتهاكات دون خوف من العقاب. إن وجود أدلة على ارتكاب جرائم حرب، كما وثقتها منظمة العفو الدولية والأمم المتحدة، لم يردع مرتكبيها، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقيته في حماية المدنيين.

 

من أين أتى الثامن من مارس ذكرى النضال من أجل الكرامة؟

قبل أكثر من قرن من الزمان، وفي الثامن من مارس 1908 خرجت آلاف العاملات في صناعة النسيج في مدينة نيويورك في مظاهرة احتجاجية يطالبن بتخفيض ساعات العمل وتحسين الأجور وإنهاء عمل الأطفال. كانت مطالبهن بسيطة لكنها شكلت نواة حركة عالمية للمطالبة بحقوق المرأة الاقتصادية والاجتماعية.
شهد عام 1910، خلال المؤتمر الدولي للمرأة الاشتراكية في كوبنهاغن طرح اقتراح من قبل الناشطة الألمانية كلارا زيتكين بتخصيص يوم عالمي للمرأة. لكن الشرارة الحقيقية التي حولت هذا اليوم إلى رمز عالمي كانت الحريق المروع الذي اندلع في مصنع ترايانغل شيرت ويست في نيويورك عام 1911 والذي أودى بحياة أكثر من 140 عاملة معظمهن من المهاجرات بسبب ظروف العمل السيئة وإغلاق أبواب الهرب. كانت هؤلاء النساء مثلهن مثل المرأة السودانية اليوم يبحثن عن كرامة وحق في الحياة.
في عام 1977 اعتمدت الأمم المتحدة قراراً دعت فيه الدول الأعضاء إلى اعتبار الثامن من مارس يوماً للأمم المتحدة لحقوق المرأة والسلام الدولي. إن هذا التاريخ ليس مجرد احتفاء بل هو تذكير سنوي بأن نضال النساء من أجل حياة كريمة هو نضال طويل ومستمر، وأنه يواجه دوماً بردود فعل عنيفة كما نرى اليوم في السودان.

 

صمود أسطوري المرأة السودانية حارسة الحياة رغم الموت

في خضم هذا الظلام الدامس تبرز المرأة السودانية كأيقونة صمود لا تُقهَر، فهي التي تحولت من ضحية إلى خط دفاع أول عن مجتمعها. ففي معسكرات النزوح لم تنتظر المساعدة بل بادرت إلى تأسيس غرف طوارئ نسائية لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للناجيات من العنف، وبالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة أقامت مبادرات غرف وضع المرأة (Women Situation Rooms) التي أصبحت ملاذاً آمناً تقدم الرعاية الصحية الأولية خاصة للحوامل وتعمل على لمِّ شمل الأسر المفقودة وتوفير الغذاء والماء.
هذه المرأة التي تعرضت لأبشع أنواع الانتهاكات ترفض أن تلقن درساً في الكراهية، إنها تعمل بجد في المجالات المختلفة من الخياطة إلى إعداد الطعام لتأمين قوت أطفالها، إنها تحافظ على تماسك الأسرة في غياب الرجال، وتغرس في نفوس الصغار قيم السلام والتعايش. إن مقاومتها اليومية للحرب، ومحاولتها المستمرة والمتكررة للحفاظ على بقايا وطن متفتت، وعملها في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية هي أروع صور النضال الإنساني.

 

رسالة إلى العالم

في اليوم العالمي للمرأة لا تطلب المرأة السودانية التعاطف، إنها تطلب العدالة، تطلب من المجتمع الدولي أن ينتقل من مرحلة الإدانة إلى مرحلة الفعل: فرض حظر شامل للأسلحة، ودعم آليات توثيق الجرائم تمهيداً للمحاكمة، والضغط لفتح ممرات إنسانية آمنة، ووقف سياسات الترحيل القسري للاجئات.
قصة المرأة السودانية هي صرخة مدوية في وجه عالم يتخلى عن مسؤولياته، هي تذكير بأن الاحتفال بالمرأة لا يكتمل إلا بحماية كرامة النساء في كل مكان، وخاصة في بقعة من الأرض تسمى السودان، حيث تدفع النساء ثمن صراع لم يصنعنه، ورسالتهن للعالم في هذا اليوم واضحة: “لا تتحدثوا عنا فقط، بل تحرَّكوا من أجلنا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *