لـ(ديسمبر) كلمة

فلنبدأ بإيقاف الحرب

 

شهدت أسواق تبادل العملات الأجنبية، داخل السودان وخارجه، تدهوراً جنونياً في قيمة الجنيه السوداني في مقابل العملات الرئيسية (الدولار، الريال السعودي، الدرهم الإماراتي واليورو)، ووصلت قيمة تبادل الدولار في مقابل الجنيه السوداني إلى أكثر من 8000 جنيه في مقابل 6000 جنيه قبل أقل من أسبوع، للحد الذي دفع الكثيرين إلى التوقف عن استبدال العملات التي بحوزتهم لحين اتضاح الرؤية.

وكعادته، لجأ بنك السودان، ومن خلفه حكومة قائد الجيش، إلى الحلول المؤقتة التي لا تسمن ولا تغني، كما أثبتت تجارب السودان منذ ثمانينات القرن الماضي. حيث عمدت السلطة إلى تعطيل التطبيقات البنكية، وفي مقدمتها تطبيق (بنكك)، في محاولة للحد من عمليات شراء الدولار، وهو حل لا يأخذ في الاعتبار أن المعضلة الرئيسية هي شح العرض وارتفاع الطلب على العملات الأجنبية لتغطية الاحتياجات الرئيسية، كما أن ذلك انعكس مزيداً من المعاناة على المواطن الذي لم يعد قادراً على دفع قيمة احتياجات الأساسية بعد تعطيل التطبيقات البنكية.

وتعالت أصوات دعاة الحرب المطالبة باللجوء للحل الأمني عبر اعتقال المضاربين في أسعار العملة وتجار السوق الأسود، ونسي هؤلاء أن تجار العملة لم يعودوا بحاجة للوقوف في “برندات” شارع الجمهورية، أو حول عمارة الذهب في الخرطوم، لإنجاز عملهم في زمن المعاملات غير الورقية عبر التطبيقات البنكية وأنظمة التحويل الالكترونية.

وانعكست أزمة شح الدولار وانخفاض سعره بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطن، حيث ارتفعت أسعار الأساسيات بشكل غير مسبوق، ليصل سعر رغيف الخبز إلى 400 جنيه، وسعر جوال الذرة إلى 550 ألفاً، وجوال الدخن إلى 650 ألفاً وتراصت صفوف المركبات أمام محطات الوقود التي توقفت عن بيع القليل المتوفر في انتظار تحديد السلطات لأسعار جديدة للمحروقات.

وبغضِّ النظر عن صحة المعلومات المتداولة بشأن تحرك “منظومة الصناعات الدفاعية” لشراء الدولار من السوق الأسود لتغطية قيمة صفقة لشراء معدات عسكرية من الصين، إلا أن الشيء المؤكد هو أن بنك السودان أصبح عاجزاً عن توفير العملات الأجنبية لتغطية عمليات الاستيراد ما يؤدي إلى تدهور سريع في قيمة الجنيه السوداني.

ولن نكلف أنفسنا بالسؤال عن عائدات صادر الذهب التي تعجز الحكومة عن استرداد الجزء اليسير منها الذي يمر بالقنوات الرسمية، فضلاً عن الجزء الأكبر الذي يتم تهريبه – وبعلم السلطة – ليذهب إلى جيوب تجار الحرب وقادة المليشيات. ويضاف إلى ذلك الفساد الموثَّق الذي يصاحب عمليات الاستيراد من قبل المحسوبين على سلطة قائد الجيش.

المدخل السليم للتعامل مع هذه الأزمة المتكررة، والتي ستصل إلى مرحلة تصبح فيها قيمة الورقة التي تطبع عليها العملة أغلى من قيمة العملة نفسها، هو وقف الحرب لأنها تسببت في تسارع مؤشرات تدهور الاقتصاد. ونظرة إلى الأرقام تؤكد ذلك: منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 انخفض الإنتاج الزراعي بواقع 50%، وتوقفت وتضررت حوالي 70% من المنشآت الصناعية، وتوقف ثلث الشركات الخاصة عن العمل، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي من 51 مليار دولار في العام 2022 إلى 30 مليار دولار في العام 2025.

إذن أي حلول لا تبدأ بوقف الحرب لن تقود إلا إلى مزيد من الأزمات ومزيد من التدهور في قيمة العملة، وما زالت تجربة الحكومة الانتقالية ماثلة، حيث كان وقف الحرب وتخفيض الانفاق عليها هو المدخل لتطبيق إجراءات اقتصادية جذرية أدت إلى استقرار سعر الصرف وتحسن احتياطيات بنك السودان من الذهب والعملات الأجنبية بعد رفع العقوبات الدولية عن السودان واستعادة علاقاته مع المؤسسات المالية الدولية.

لا للحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *