عواصم: (ديسمبر)
نشرت مجلة (فورين بوليسي) الأمريكية فجر أمس الأول الثلاثاء مقالاً لقائد الجيش الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان حمل عنوان (كيف يمكن إحلال السلام في السودان؟). استقبل المقال بتعليقات وتفنيد لما جاء فيه أظهرت (فتوقه) ومواضع خلله وتناقضاته.
أصيبت جهود تسويق البرهان دولياً بنكسة أواخر ذات اليوم بإعلان الإدارة الأمريكية عدم إصدار تأشيرة تسمح له بدخول الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في أعمال الدورة الـ(81) للجمعية العامة للأمم المتحدة بمقر الأمم المتحدة بنيويورك، قبل أن توجه له الخارجية الأمريكية ضربة موجعة إضافية باعتباره “لا يحظى أو الدعم السريع بالشرعية الدستورية”، وتصنيف الحوار السياسي الذي دعا له بأنه “غير ذي معنى”.
رؤية البرهان
طالب قائد الجيش في المقال، الذي نشر مساء الاثنين بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية وفجر الثلاثاء بتوقيت السودان بمجلة (فورين بولسي)، بعدم مساواة الجيش وقوات الدعم السريع، معتبراً الثانية وقادتها منفذين لجرائم الحرب ضد المجتمعات غير العربية إبان حرب دارفور في سنواتها الأولى، معتبراً أن الدعم السريع وفق تصريحات قائده الفريق أول محمد حمدان دقلو “غير راغبين في وقف الحرب وأعلنوا عزمهم الاستمرار فيها لمدة أربعين عاماً”.
ودعا البرهان الأمم المتحدة للمساعدة والإشراف على خطة وقف الحرب التي تقوم على “وقف إطلاق النار ويتم إخراج المقاتلين والأسلحة خارج المناطق المدنية”، وإسناد الأمن لجيش يخضع للإشراف المدني، والتوصل لتسوية سياسية عبر حوار سوداني/ سوداني يقوم فيه السودانيون بكتابة دستورهم القادم بأيديهم ولا تتم صياغته بالخارج، وعقد انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف دولي يعقبها انتقال سلس للسلطة يعيد القرار للشعب. وأضاف: “يجب أن يكون السلام سودانياً خالصاً يصنعه السودانيون، ومن أجل السودانيين، وفي السودان. إن الشراكة مرحَّب بها، ويمكن للمراقبين الموثوقين، بل وينبغي لهم، أن يضيفوا قدراً من الضبط والشرعية. لكن السلام الذي يُملى من الخارج لا يدوم”.
وحثَّ قائدُ الجيش المجتمعَ الدولي للالتزام بأربع أولويات هي “دعم الخطة التي قدمها لمجلس الأمن لتحقيق السلام”، “قطع التمويل وخطط الإمداد التي تمكِّن الدعم السريع من الاستمرار في القتال”، “تقديم المساعدة والدعم للأمم المتحدة حتى تتمكن من مراقبة أي وقف إطلاق مستقبلي”، ورابعتها “إتاحة المجال أمام السياسة السودانية لتقرر ما سيأتي بعد ذلك”.
نكسة التسويق
وقال مراقبون في تعليقات لـ(ديسمبر) على المقال إن الهدف الواضح من المقال المنشور الذي حمل عنوان (تحقيق السلام) هو في حقيقة الأمر تسويق المسار السياسي الذي يديره قائد الجيش ودعوته للحوار بتصويره وكأنه “يمثل تعبيراً كلياً لإرادة السودانيين ويترتب عليها كتابة دستور جديد بأيديهم”، في حين أن الحقيقة أنه حوار يحقق غاياته السياسية في الانفراد بالسلطة، وهو التوجه الذي بات يبحث عن مشروعية إقليمية ودولية لإقراره واعتماده.
وأشاروا إلى أن المسعى الخاص بتسويق “حوار البرهان” مُنيَ بنكسة كبيرة غير مسبوقة ربما تؤدي لتقويضه بالتصريح الصادر عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية يوم أمس الأول الثلاثاء الذي أشار بوضوح إلى أن الأطراف المتحاربة بالسودان ممثلة في الجيش والدعم السريع وقادة أي منهما “لا يمثلون حكماً شرعياً ودستورياً للسودان، فهم لا يحكمون إلا بقوة السلاح، وسلوك كل قائد من قادة الفصائل المتحاربة يجعله غير مؤهل لحكم البلاد. ونحن نسعى إلى استعادة السلام وإعادة السلطة إلى الشعب السوداني”.
ونوه المراقبون إلى ما ورد في ذلك التصريح حول استعداد الولايات المتحدة والرئيس ترامب “لدعم خطة للسلام. والشعب السوداني مستعد للانخراط في حوار مدني ذي معنى”، والذي اعتبروه بمثابة إهالة التراب نهائياً من قبل واشنطن على خطط تسويق حوار قائد الجيش. فالإشارة إلى “حوار مدني ذي معني” تشير لوجود نماذج حوار “بلا معنى” بأن المقصود فعلياً هو حوار البرهان ذاته الذي سعى عبر مقاله في (فورين بوليسي) إلى تسويقه وإقناع الإدارة الأمريكية بجدواه.
(من تخدع؟!)
بدوره سارع القيادي بالتحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” ونائب رئيس حزب المؤتمر السوداني المهندس خالد عمر يوسف للتعليق على ما أورده البرهان بتغريدة نشرها في حسابه على منصة (إكس) صباح الثلاثاء الماضي تطرق فيها للمفارقة الواردة في المقال عند الحديث عن جرائم الإبادة الجماعية بدارفور والتي صدرت من قادة نظام البشير الذين يحميهم البرهان حالياً ويرفض تسليمهم للمحكمة الجنائية الدولية، وحينها كان قائداً ميدانياً رفيعاً في الجيش بدارفور وتولى قيادة مليشيات الجنجويد التي أسسها حليفه الحالي موسى هلال وعمل قادة الدعم السريع تحت إمرته شخصياً، لذلك تساءل خالد عمر في التغريدة: “من يظن أنه يخدع بالضبط؟!”.
واعتبر أن المقال يقول بشكل واضح “انسوا السلام وإنهاء الحرب واعترفوا بي رئيساً سواء كان هذا الأمر بالانقلاب أو الحرب أو السلام”، مبيناً أن كل الطرق تؤدي للوجهة نفسها باستمراره في السلطة، وأضاف خالد عمر: “استقرار السودان يتطلب النقيض تماماً: نزع الشرعية عنه وعن كل بندقية تسعى لفرض نفسها رغماً عن الشعب السوداني”.
النقاط الست
من جهته نشر الأستاذ محمد الشابك تعليقاً منشوراً بصفحته بكل من (فيسبوك) و(إكس) حول المقال عنونه بـ”قراءتي في ست نقاط لمقال قائد القوات المسلحة السودانية عبدالفتاح البرهان في مجلة فورين بوليسي”، وكانت النقطة الأولى في تعليقه وصف البرهان للدعم السريع بأنها مليشيا، حيث أوضح أن قائد الجيش هو الذي أصدر قراراً حذف بموجبه المادة (5) من قانون الدعم السريع التي كانت تضعه تحت قيادة الجيش، وهو ما سمح له بالوجود كجيش موازٍ للجيش السوداني.
تناولت النقطة الثانية استشهاد المقال بفظائع وجرائم الجنجويد في دارفور وذكر تلك الوقائع “وكأنه كان متفرج عليها رغم أنه كان عقيداً في الاستخبارات العسكرية يشارك في تنسيق تلك الهجمات التي يدينها الآن”. أما النقطة الثالثة فهي تجريم مجزرة الفاشر في ذات الوقت الذي يُرحب بانضمام القائد المسؤول عن حصارها اللواء النور القبة ومنحه وآخرين من قادة الدعم السريع العفو.
تناولت النقطة الرابعة إشارة المقال للعقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية على ثمانية أشخاص مرتبطين بقوات الدعم السريع، وإغفاله في ذات الوقت العقوبات التي فرضت عليه شخصياً –أي البرهان- في يناير 2025م بسبب الغارات الجوية التي شنّها الجيش على الأعيان المدنية والحرمان المتعمد من إيصال المساعدات الإنسانية واستخدام الغذاء كسلاح.
أشارت النقطة الخامسة إلى ما ذكره المقال عن الهجمات التي تشنها المسيرات التابعة للدعم السريع على الخرطوم “وهو أمر حقيقي وموثق”، طبقاً لقوله، في ذات الوقت الذي أغفل هجمات مسيرات الجيش التي تسببت في شهر فبراير وحده في قتل 28 شخصاً بسوق الصفية بمدينة سودري، معتبراً أن كلا الجيشين يشن حرباً جوية فوق رؤوس المدنيين.
ونبه في النقطة السادسة والأخيرة لقضية مهمة تتمثل في إغفال الرد أو التعليق على الاتهامات الموجهة له شخصياً في قضية الأسلحة الكيميائية، حيث لزم المقال الصمت الكامل تجاه هذه القضية، وهو ما دفع الشابك لختام تعليقاته بالقول: “بالنسبة لرجل يقدّم قضيته أمام العالم، كانت هذه فرصته لدحض هذه الاتهامات وتبرئة نفسه، لكنه اختار عدم التطرق إليها”.