مجلس الأمن الدولي يناقش مخاطر الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل القوة ومخاطر الصراع العالمي

الذكاء الاصطناعي أصبح عاملاً مهماً في الأمن الدولي

 

نيويورك: (ديسمبر)

 

نيويورك: (ديسمبر)

انتقل النقاش الدولي بشأن الذكاء الاصطناعي من التركيز على فرص الابتكار والنمو الاقتصادي إلى البحث في مخاطره على السلم والأمن الدوليين، بعدما أصبحت الأنظمة المتقدمة قادرة على كتابة البرمجيات وتحليل كميات ضخمة من المعلومات وتنفيذ مهام مترابطة بدرجات متزايدة من الاستقلالية.

ولم يعد الذكاء الاصطناعي مجالاً علمياً محصوراً في الجامعات وشركات التكنولوجيا، بل أصبح قوة مؤثرة في الاقتصاد والسياسة والإعلام والعمليات العسكرية والعلاقات الدولية. ومع تعاظم قدراته، تصاعدت المخاوف من إساءة استخدامه في الهجمات السيبرانية والتضليل السياسي والمراقبة والأسلحة الذاتية، فضلاً عن احتمال تجاوز بعض الأنظمة نطاق السيطرة البشرية.

 

تقرير يربط التكنولوجيا بالجغرافيا السياسية

وسلط تقرير بحثي أصدره مجلس الأمن في سبتمبر 2026 بعنوان “الذكاء الاصطناعي والجغرافيا السياسية ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة” الضوء على تأثير هذه التكنولوجيا في البيئة الأمنية والجيوسياسية التي يعمل فيها المجلس. ويقدم التقرير تحليلاً لدور الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل النزاعات وموازين القوة الدولية والقيود السياسية والمؤسسية التي تواجه انخراط المجلس في القضية، إلى جانب خيارات عملية لتعزيز تعامله معها.

ويؤكد التقرير أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدعم مهام مجلس الأمن، وبصفة خاصة فيما يتعلق بالإنذار المبكر والوساطة وحفظ السلام ومراقبة وقف إطلاق النار وتنفيذ العقوبات وحماية المدنيين. لكنه يستطيع في المقابل توسيع نطاق الهجمات السيبرانية والتضليل والمراقبة والأسلحة الذاتية وتسريع اتخاذ القرارات العسكرية بما يرفع مخاطر الخطأ والتصعيد.

ويلفت التقرير النظر إلى أن المنافسة الدولية لا تقتصر على تطوير النماذج الأكثر قدرة من الذكاء الاصطناعي، بل تشمل السيطرة على أشباه الموصلات ومراكز البيانات والطاقة والمعادن الحيوية والبيانات وسلاسل الإمداد. وبذلك أصبح الذكاء الاصطناعي عنصراً أساسياً في التنافس على القوة والنفوذ، خصوصاً بين الولايات المتحدة والصين.

ويحذر التقرير من أن هذا السباق قد يدفع الحكومات والشركات إلى تسريع التطوير على حساب السلامة، خشية منح المنافسين أفضلية استراتيجية. وفي المقابل، تجعل المخاطر العابرة للحدود التعاون بين القوى الكبرى ضرورياً، خصوصاً في الإبلاغ عن الحوادث ومنع إدخال الأنظمة الآلية في قرارات قد تؤدي إلى تصعيد غير مقصود.

ولا يقترح التقرير أن يتولى مجلس الأمن تنظيم جميع جوانب الذكاء الاصطناعي، بل يدعو إلى التركيز على التداعيات المتصلة مباشرة بالسلم والأمن. ويشمل ذلك إدماج المخاطر التكنولوجية في الملفات القُطرية وولايات عمليات السلام وأنظمة العقوبات ومناقشات حماية المدنيين ومكافحة الإرهاب، مع عقد إحاطات استشرافية والاستفادة من العلماء والمجتمع المدني وشركات التكنولوجيا.

 

من البدايات إلى الأنظمة المتقدمة

تعود الجذور الفكرية للذكاء الاصطناعي إلى النصف الأول من القرن العشرين. ففي عام 1950، نشر عالم الرياضيات البريطاني آلان تورينغ بحثه “آلات الحوسبة والذكاء”، متسائلاً عما إذا كان يمكن للآلة إنتاج سلوك يبدو ذكياً. وظهر مصطلح “الذكاء الاصطناعي” رسمياً خلال ورشة بحثية عقدت في كلية دارتموث بالولايات المتحدة عام 1956. واعتمدت الأنظمة الأولى على قواعد مكتوبة مسبقاً، لكنها واجهت صعوبات في التعامل مع السياقات المتغيرة. وبدأ التحول الأكبر عندما انتقل الباحثون من كتابة القواعد إلى تدريب الحواسيب على اكتشاف الأنماط في البيانات.

وشكل فوز حاسوب “ديب بلو” على بطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف عام 1997 محطة بارزة، تلاها تقدم شبكة “أليكس نت” في التعرف على الصور عام 2012، ثم فوز نظام “ألفا غو” على أحد أبرز لاعبي لعبة “غو” عام 2016. وفي عام 2017، أسهم ابتكار بنية “المحوّل” في ظهور نماذج اللغة الكبيرة.

ومنذ إتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي عام 2022، دخلت هذه الأنظمة مجالات التعليم والبحث والإعلام والطب والإدارة. وبحلول 2026، أصبحت النماذج المتقدمة قادرة على التعامل مع النص والصورة والصوت والفيديو والبرمجيات، مع استمرار احتمال إنتاجها معلومات خاطئة أو استنتاجات تبدو واثقة رغم افتقارها إلى أدلة كافية.

 

مخاطر عملية متزايدة

بدأت مخاطر الذكاء الاصطناعي في الظهور قبل وصول الأنظمة إلى مستوياتها الراهنة. فقد أظهرت تطبيقات مستخدمة في التوظيف والإقراض والخدمات العامة وإنفاذ القانون قدرتها على إعادة إنتاج التحيزات الموجودة في البيانات التاريخية، بما قد يؤدي إلى التمييز على أساس العرق أو النوع الاجتماعي أو الوضع الاقتصادي. كما أسهمت خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي في تسريع انتشار خطاب الكراهية والمعلومات المضللة. وأتاح تطور تقنيات توليد الصور والأصوات والفيديو إنتاج مواد مزيفة يصعب تمييزها عن المحتوى الحقيقي، بما يزيد مخاطر الاحتيال والتلاعب السياسي وانتحال الشخصيات.

ولا تقتصر مخاطر «التزييف العميق» على نشر معلومات وصور زائفة، بل تمتد إلى إضعاف الثقة في الأدلة الحقيقية، إذ قد يلجأ مرتكبو الانتهاكات إلى إنكار صحة الصور والتسجيلات الموثقة والادعاء بأنها مصطنعة. وفي مجالات مثل الطب والقانون والأمن، قد يؤدي الاعتماد غير المتحقق على إجابات الأنظمة إلى نتائج خطيرة.

وتصاعد القلق بشأن القدرات السيبرانية. فالذكاء الاصطناعي يساعد المدافعين على اكتشاف الثغرات، لكنه قد يمكّن المهاجمين من إعداد رسائل تصيد وكتابة شفرات ضارة وتنفيذ عمليات أكثر سرعة وتعقيداً.

 

مجلس الأمن يستمع إلى الخبراء

وعقد مجلس الأمن في 23 سبتمبر 2026 إحاطة رفيعة المستوى بشأن الذكاء الاصطناعي والأمن الدولي تحت بند “صون السلم والأمن الدوليين”. ودعت إلى الاجتماع فرنسا، التي تتولى رئاسة المجلس خلال سبتمبر المنصرم، وترأسه وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، وذلك بالتزامن مع الجزء رفيع المستوى من الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة.

وشارك في تقديم الإحاطات يوشوا بنجيو، الرئيس المشارك للفريق العلمي الدولي المستقل المعني بالذكاء الاصطناعي التابع للأمم المتحدة؛ وسام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن إيه آي”؛ وداريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة “أنثروبيك”؛ وكليمان ديلانغ، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “هاغينغ فيس”.

كما شارك في الاجتماع ممثلو الدول الخمس عشرة الأعضاء في مجلس الأمن: الجزائر والبحرين والصين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية والدنمارك وفرنسا واليونان ولاتفيا وليبيريا وباكستان وبنما وروسيا والصومال والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

وحذر بنجيو من أن بعض الأنظمة المتقدمة أظهرت سلوكيات خطرة، شملت تجاوز القيود وإخفاء التصرفات وتنفيذ عمليات سيبرانية منسقة. وحدد ثلاثة تهديدات رئيسية: هي إساءة الاستخدام على نطاق كارثي، تركيز القوة في أيدي عدد محدود من الشركات والدول، واحتمال فقدان السيطرة البشرية.

ودعا إلى تقييم النماذج بصورة مستقلة قبل تدريبها أو نشرها، وفرض الإبلاغ عن الحوادث، ووضع نظام لترخيص التقنيات المتقدمة، وتحديد المسؤولية القانونية للشركات. كما طالب بتعريف دولي مشترك لحوادث الذكاء الاصطناعي وآلية لتبادل المعلومات بشأنها.

وقال ألتمان إن سرعة تطور النماذج جعلت فوائد التكنولوجيا ومخاطرها أكثر إلحاحاً. وحذر من أن الأنظمة القادرة على تحسين قدراتها قد تتقدم بوتيرة تتجاوز قدرة المؤسسات على فهمها أو التدخل فيها. واقترح وضع معايير وطنية ودولية لقياس قدرات النماذج وتقييم مخاطرها، إلى جانب نظام سريع للإبلاغ عن الحوادث وقنوات اتصال بين الحكومات والشركات ومشغلي البنية التحتية الحيوية.

أما أمودي فحدد خطرين أساسيين؛ هما إساءة الاستخدام وفقدان السيطرة، ودعا إلى إنشاء آليات دولية للتقييم والتحقق والإخطار بالحوادث المؤثرة في الأمن العالمي.

واستند ديلانغ إلى هجوم سيبراني نفذه نظام مستقل ضد البنية التحتية لشركة “هاغينغ فيس” للدعوة إلى تعزيز المراقبة والشفافية والإفصاح عن الحوادث. لكنه حذر من تركيز القدرات في عدد محدود من الشركات، مؤكداً أهمية النماذج مفتوحة المصدر في مساعدة الحكومات والمؤسسات على اكتشاف الثغرات والدفاع عن نفسها.

 

الاستخدام العسكري والأسلحة الذاتية

يُستخدم الذكاء الاصطناعي في تحليل المعلومات الاستخباراتية وصور المراقبة والمساعدة في تحديد الأهداف وتشغيل الأنظمة غير المأهولة. ويرى مؤيدوه أنه يحسِّن الدقة والإنذار المبكر، بينما يحذر منتقدوه من أخطاء البيانات والتحيز والثقة المفرطة في مخرجات الآلة. وتزداد المخاطر مع تطوير أسلحة قادرة على اختيار الأهداف ومهاجمتها بدرجات متفاوتة من التدخل البشري، بما يطرح أسئلة بشأن المسؤولية القانونية والامتثال للقانون الدولي الإنساني.

وأعرب أعضاء في مجلس الأمن عن قلق خاص من إدخال الذكاء الاصطناعي في أنظمة القيادة والسيطرة النووية. فقد تؤدي سرعة التحليل إلى تقليص الوقت المتاح للقادة، بينما قد يتسبب إنذار خاطئ أو تقدير لا يمكن تفسيره في تصعيد عسكري غير مقصود.

وأكدت عدة دول أن قرارات استخدام القوة المميتة يجب أن تبقى خاضعة لسيطرة بشرية فعلية، وأن القانون الدولي، بما فيه ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، يظل سارياً على استخدامات التكنولوجيا.

 

مخاطر الأسلحة البيولوجية والكيميائية

وبرز خلال الإحاطة تحذير متزايد من إمكانية استخدام النماذج المتقدمة لتسهيل الوصول إلى معلومات متخصصة في مجالي البيولوجيا والكيمياء. وقد تُمكّن الأنظمة -المصممة أساساً لدعم البحث العلمي واكتشاف الأدوية- جهات محدودة الخبرة من فهم عمليات معقدة والوصول إلى معلومات عن مواد وأساليب يمكن توظيفها في أغراض ضارة.

ولا يعني ذلك أن النماذج الحالية قادرة بمفردها على إنتاج سلاح بيولوجي أو كيميائي، إذ يظل الانتقال من المعلومات الرقمية إلى القدرة العملية مرتبطاً بالحصول على مواد ومختبرات وتجهيزات وخبرات متخصصة. لكن احتمال خفض الحواجز المعرفية وتسريع البحث والتجريب يثير مخاوف من استفادة دول أو جماعات إرهابية أو شبكات إجرامية من هذه القدرات.

وحذر أمودي خصوصاً من استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير الأسلحة البيولوجية، واقترح أن يبدأ التعاون الدولي باتفاق يحظر استخدام التكنولوجيا للمساعدة في إنتاجها. كما دعا إلى وضع معايير لاختبار قدرات النماذج والتحقق منها وإنشاء نظام للإبلاغ عن الحوادث التي قد تهدد الأمن العالمي.

وتشمل التدابير المقترحة إخضاع الأنظمة لاختبارات مستقلة قبل نشرها، وتقييد قدرتها على تقديم إرشادات شديدة الخطورة، ومراقبة محاولات إساءة الاستخدام وتبادل المعلومات بين الحكومات والمختبرات وشركات التكنولوجيا والمنظمات الدولية، وذلك من دون تعطيل الاستخدامات المشروعة في الطب والبحث العلمي والصحة العامة.

 

التنافس الأمريكي–الصيني والفجوة الرقمية

ويمثل التنافس بين الولايات المتحدة والصين محوراً رئيسياً لمستقبل الذكاء الاصطناعي. وتحتفظ واشنطن بموقع متقدم في تطوير النماذج والاستثمار والحوسبة السحابية وتصميم الرقائق، بينما تمتلك بكين قاعدة صناعية واسعة وقدرات متنامية في الأبحاث والروبوتات.

وفرضت الولايات المتحدة قيوداً على تصدير بعض الرقائق ومعدات تصنيعها إلى الصين، في حين وسعت بكين استثماراتها في الإنتاج المحلي. ويمتد التنافس إلى وضع القواعد؛ فالولايات المتحدة تشدد على الابتكار ودور القطاع الخاص والأمن القومي، بينما تؤكد الصين على السيادة الرقمية وحق الدول في التنمية، وتعارض القيود التي قد تكرس احتكار التكنولوجيا.

وخلال جلسة المجلس، دعت الصين إلى نظام دولي أكثر عدلاً للحوكمة وإتاحة التكنولوجيا للدول النامية. وحذرت روسيا من أن يؤدي تناول الموضوع داخل مجلس الأمن إلى تمكين الدول الغربية من فرض رؤيتها، داعية إلى مناقشته في محافل أممية متخصصة وأكثر تمثيلاً.

وفي المقابل، أيدت المملكة المتحدة والدنمارك واليونان ولاتفيا وليبيريا استمرار انخراط مجلس الأمن في بحث هذه المخاطر، باعتبار أن الهجمات السيبرانية والأسلحة الذاتية والتهديدات التي تستهدف البنية التحتية تقع ضمن مسؤولياته. واقترحت ليبيريا إنشاء فريق عامل غير رسمي معني بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة.

وحذرت باكستان والصومال وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية من تحول معايير السلامة إلى وسيلة لمنع نقل التكنولوجيا. وطالبت بتمثيل حقيقي للجنوب العالمي وتوفير الخبرات والبنية التحتية والحوسبة اللازمة لمشاركة الدول النامية في تطوير الأنظمة وتقييمها.

 

مسار تدريجي داخل مجلس الأمن

هذا، وكان مجلس الأمن قد بدأ في مناقشة الذكاء الاصطناعي رسمياً في يوليو 2023 عندما بحث فرص استخدامه في منع النزاعات والإنذار المبكر، إلى جانب مخاطر التضليل والهجمات السيبرانية والأسلحة الذاتية.

وفي ديسمبر 2023، بحث المجلس استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المعلومات المضللة وخطاب الكراهية. وعاد المجلس إلى القضية في ديسمبر 2024، مع تركيز أكبر على التطبيقات العسكرية والحرب السيبرانية.

واعتمد المجلس في أكتوبر 2024 بياناً رئاسياً أقر بأن التطورات العلمية والتكنولوجية قد تحمل آثاراً إيجابية وسلبية على السلم والأمن الدوليين، لكنه لم ينشئ آلية دائمة لمتابعة الذكاء الاصطناعي. وتواصل النقاش خلال عامي 2025 و2026 من دون اعتماد قرار مخصص له.

واختُتم اجتماع سبتمبر 2026 من دون قرار أو بيان رئاسي، لكنه رسّخ الاهتمام بمخاطر أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة وسلامتها ضمن مناقشات مجلس الأمن. وشملت مجالات المتابعة المقترحة التقييم المستقل والاختبارات المشتركة والإبلاغ عن الحوادث وضمان السيطرة البشرية على التطبيقات العسكرية.

 

هل يحتاج العالم إلى معاهدة دولية؟

تتزايد الدعوات إلى معاهدة دولية تُحدد الاستخدامات المقبولة للذكاء الاصطناعي وتفرض التزامات قانونية على الدول، ولا سيما في المجالات العسكرية والأمنية. ولا توجد حتى الآن معاهدة أممية شاملة تنظم جميع استخداماته.

ويمكن لأي اتفاق مستقبلي أن يحظر ترك قرارات القتل للآلة من دون سيطرة بشرية فعلية، ويمنع دمج الأنظمة المستقلة في قرارات إطلاق الأسلحة النووية، ويُقيد التطبيقات التي تسهل تطوير أسلحة الدمار الشامل أو الهجمات على المنشآت المدنية. كما يمكنه فرض اختبارات قبل نشر النماذج والإبلاغ عن الحوادث وإجراء تقييمات أمنية وحقوقية وتحديد المسؤولية القانونية.

لكن المفاوضات ستواجه عقبات، بينها صعوبة تعريف تكنولوجيا سريعة التغير، وتعقيد التحقق من الامتثال، وامتلاك شركات خاصة جانباً كبيراً من القدرات، فضلاً عن تردد القوى الكبرى في قبول قيود تحد من مزاياها العسكرية والاقتصادية.

ولهذا قد يبدأ المسار باتفاقات محددة، مثل منع استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير الأسلحة البيولوجية وضمان السيطرة البشرية على الأسلحة الذاتية والأنظمة النووية. وقد تكون الجمعية العامة وهيئات نزع السلاح أكثر ملاءمة للتفاوض على قواعد شاملة، بينما يركز مجلس الأمن على الاستخدامات التي تهدد السلم والأمن الدوليين.

 

مستقبل غير محسوم

تشمل الأضرار الموثقة للذكاء الاصطناعي التمييز وانتهاك الخصوصية والاحتيال والمراقبة والتزييف العميق والمعلومات المضللة. أما السيناريوهات المتعلقة بفقدان البشر السيطرة الشاملة على أنظمة فائقة القدرة، فما تزال غير مؤكدة. ولا توجد أدلة على أن الأنظمة الحالية تمتلك إرادة مستقلة، لكن ازدياد استقلاليتها وربطها بالبنية التحتية والخدمات الأساسية يجعلان الاختبار والرقابة أكثر إلحاحاً.

وتكمن أهمية تقرير “الذكاء الاصطناعي والجغرافيا السياسية ومجلس الأمن” في نقله النقاش من سؤال ما إذا كان ينبغي للمجلس تناول القضية إلى سؤال أكثر عملية: كيف يستطيع التعامل مع آثارها الأمنية ضمن ولايته الحالية، وبالتكامل مع الجمعية العامة والهيئات الأممية المتخصصة؟.

وأظهرت الإحاطة أن الخلاف لم يعد يدور حول ضرورة التعاون الدولي، بل حول شكله والجهة التي ينبغي أن تقوده. وسيتوقف مستقبل الذكاء الاصطناعي على قدرة المجتمع الدولي على التوفيق بين الابتكار والسلامة والمساواة، وتحديد ما إذا كانت التكنولوجيا ستصبح أداة لدعم التنمية والسلام، أم عنصراً جديداً في سباق التسلح وتعميق الانقسام وعدم الاستقرار.

وخلاصة الأمر، يعكس إدراج الذكاء الاصطناعي على جدول أعمال مجلس الأمن إدراكاً متزايداً بأن تطوره المتسارع بات يحمل آثاراً مباشرة على السلم والأمن الدوليين. فبينما يتيح الذكاء الاصطناعي فرصاً واسعة لدعم التنمية ومنع النزاعات وحماية المدنيين، فإن استخدامه دون ضوابط قد يفاقم الهجمات السيبرانية والتضليل وسباق التسلح ويزيد مخاطر فقدان السيطرة البشرية. ولذلك، تبرز الحاجة ملحة إلى تعاون دولي يضع قواعد واضحة للسلامة والشفافية والمساءلة، ويضمن مشاركة جميع الدول بصورة عادلة في صياغة مستقبل هذه التكنولوجيا والاستفادة منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *