هل تنجح خطة (واشنطن) المدعومة من (الرباعية) في تحقيق السلام في (السودان)؟

هل تنجح خطة (واشنطن) المدعومة من (الرباعية) في تحقيق السلام في (السودان)؟

تقرير خاص: (ديسمبر)

فيما ينتظر الملايين من السودانيين أن تحدث الخطة الأمريكية المدعومة من الرباعية اختراقاً جوهرياً في مسار تحقيق السلام وإنهاء الحرب في السودان، تصطدم الخطة برفض حاد من دعاة الحرب في معسكر حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، مع تأكيد قياداته على استمرار الحرب حتى تحرير كل شبر من التمرد – على حد تعبيرهم – ، يقابله موقف ضبابي لا هو مؤيد ولا هو رافض للخطة من المعسكر الآخر الذي يقوده تحالف تأسيس، متحججاً بأن الخطة الأمريكية لم تقدم لهم بشكل رسمي. فيما يرى المراقبون أن أكبر عائق أمام هذه الخطة هي حالة الاستقطاب الحاد داخل الساحة السياسية السودانية.

 

خارطة طريق

طرحت الإدارة الأمريكية خطة متكاملة في مسعى دبلوماسي حثيث لإنهاء الصراع الدموي في السودان. وتأتي هذه الخطة التي توصف بأنها “خارطة طريق واقعية” لوقف الحرب بعد مباحثات قام بها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للشؤون العربية والإفريقية، منذ تكليفه بهذا الملف منذ ما يقارب العام، وتقوم على (5) محاور رئيسية تبدأ بهدنة إنسانية غير مشروطة، حماية المدنيين وضمان تدفق الإغاثة، أن تتحول الهدنة المؤقتة إلى وقف دائم للنار، يقود إلى انتقال سياسي شامل بقيادة مدنية، وتنتهي بإعادة الإعمار مع عدم الإفلات من العقاب والمساءلة. وحظيت خطة واشنطون بتأييد دول مبادرة الرباعية التي تضم كلاً من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر ودولة الإمارات العربية المتحدة.

 

هدنة فورية وانتقال مدني وإعمار شامل

تدعو خطة واشنطن إلى وقف فوري وغير مشروط للأعمال العدائية لأغراض إنسانية، على أن تدعم بآلية أممية لمراقبة تنفيذ الهدنة وضمان عدم انتهاكها. كما تنص على فتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات وتخفيف المعاناة المتفاقمة جراء المجاعة والنزوح وانعدام الأمن الغذائي، في محاولة لاحتواء الكارثة الإنسانية قبل الانتقال إلى ترتيبات سياسية وأمنية أوسع، فيما تضع الخطة أولوية قصوى لضمان وصول المساعدات بشكل مستدام إلى المناطق الأكثر تضرراً، مثل دارفور والخرطوم وكردفان، مع إنشاء آليات دولية لمراقبة حركة قوافل الإغاثة وتأمينها. كما تشدد على حماية المدنيين وتنسيق عودتهم الآمنة إلى منازلهم، في إطار مقاربة إنسانية–أمنية متكاملة.

وتنتقل الخطة في الشق الأمني، لتقترح الانتقال التدريجي من هدنة مؤقتة إلى وقف دائم لإطلاق النار عبر مفاوضات مباشرة، تتضمن انسحابات متبادلة من المدن الرئيسية وترتيبات أمنية مرحلية، قد تشمل مراقبة دولية أو قوات مشتركة لضمان الالتزام. وترى الأطراف الداعمة للخطة أن تثبيت وقف إطلاق النار هو المدخل الضروري لأي عملية سياسية ذات مصداقية.

وتنص الخطة على إطلاق عملية انتقال سياسي بقيادة مدنية، تضم قوى الثورة السلمية التي أطاحت بنظام البشير في العام 2019، والشباب، والمجتمع المدني، وصولاً إلى تشكيل حكومة مدنية انتقالية تقود عملية صياغة دستور جديد وتنظيم انتخابات نزيهة، كما تؤكد على إبعاد الأطراف العسكرية والجماعات المتطرفة المرتبطة بالنظام السابق عن التحكم في مسار الانتقال.

وتختتم الخطة محاورها الخمسة بالدعوة إلى إنشاء صندوق دولي لإعادة إعمار السودان، وتوفير دعم اقتصادي لإعادة بناء البنية التحتية واستعادة الاستقرار وتوليد فرص العمل، كما تشدد على مبدأ عدم الإفلات من العقاب، عبر مساءلة وطنية ودولية لمرتكبي الفظائع، بما يضمن تحقيق العدالة وترسيخ أسس سلام مستدام.

 

لا اتفاق حول الهدنة

من جانبه نفى رئيس وزراء حكومة الأمر الواقع كامل إدريس في تصريحات صحفية بمطار الخرطوم عقب عودته من القاهرة وجود أي اتفاق بين حكومته والرباعية حول مسألة الهدنة، مبيناً أن النقاش حول الهدنة الإنسانية لا يزال مستمراً، فيما أعلن في ذات الوقت رفض حكومته لأي هدنة، وقال: “لا نقبل بأي هدنة منقوصة غير مكتملة الأركان لا تأتي بسلام دائم، حتى لا تشتعل الحرب مرة أخرى”، وأعلن تمسكهم بخارطة الطريق المعلنة من جانبهم لتحقيق السلام الشامل بالسودان.

كما أشار محيي الدين سالم، وزير خارجية حكومة الأمر الواقع، إلى أن حكومته لن تقبل بأي تسوية سلام لا تراعي إرادة الشعب وتطلعاته، حسب تعبيره، وقال خلال مخاطبته الجالية السودانية في مصر إن أي اتفاق “لا يستجيب لرغبات السودانيين لن يكتب له النجاح”، مشدداً على أنهم “لن يرضخوا للضغوط الدولية ولن يقبلوا بالذل”.

 

الخطة لم تقدم

من جانبه نفى المتحدث باسم تحالف تأسيس علاء الدين نقد تلقيهم أي إخطار من المبادرة الرباعية حول الخطة الأمريكية تتعلق بإنهاء الصراع الدائر بينهم والجيش السوداني، وأشار في تصريح خاص لـ(ديسمبر) إلى أن الخطة لم تعرض عليهم حتى الآن، وقال: “سمعنا أن الوسطاء قالوا إن الخطة في مراحلها النهائية إلا أنها لم تقدم لنا بشكل رسمي لنقول رأينا فيها”.

 

استمرار الحرب.. الخيار الأرجح

يرى الكاتب والمحلل السياسي عثمان ميرغني أن استمرار الحرب لا يزال الخيار الأكثر ترجيحاً. وأشار في حديث لـ(ديسمبر) إلى أن أجندة الرباعية الدولية لم تتغير منذ لحظة إعلان خارطة الطريق في سبتمبر 2025م، مضيفاً أن الحكومة السودانية – في إشارة إلى حكومة الأمر الواقع – لم يتغير رفضها لخارطة الطريق رغم زخم الاجتماعات والمشاورات التي عقدت في واشنطون في الفترة ما بين أكتوبر ونوفمبر 2025، واللقاءات والاتصالات الثنائية على مستوى القمة بين السودان والسعودية ثم مصر، وقال: “يبدو أن الخرطوم لم تصل إلى قناعة كاملة بالسير في المسار التفاوضي حتى نهاياته”.

 

فك الارتباط بين الجيش والإسلاميين

وذكرت الكاتبة المصرية المتخصصة في الشأن السوداني أماني الطويل أن نجاح أي مبادرة يتطلب أولًا قبول الأطراف المتحاربة بفكرة الآلية الإنسانية التي تحدّث عنها مسعد بولس، بما يشمل إتاحة هدنة إنسانية حقيقية وتأمين خروج فعلي للمقاتلين من مناطق المدنيين، وشددت على أهمية فك الارتباط بين القوى المدنية وبعض التشكيلات العسكرية؛ فـ”حلفاء الجيش من تيار الجبهة القومية الإسلامية، على سبيل المثال، مطالبون بفك ارتباطهم به لضمان حيادية المؤسسة العسكرية وحصر دورها في المهام العسكرية فقط”، مشيرة إلى أن العائق الأكبر أمام الخطة يتمثل في حالة الإستقطاب الحاد داخل الساحة السياسية السودانية، إذ باتت القوى المختلفة غير مستعدة لتقبّل بعضها البعض، ما يعرقل أي مسار للحل أو التسوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *