مرام محمد حامد
في أكتوبر 2010، وُلد حلم كبير في قلب الخرطوم: افتتاح «مركز الخرطوم للعناية بالثدي»، أول مركز تشخيصي وعلاجي متخصص في السودان والقرن الأفريقي.
كان حدثاً ضخماً في تغيير خارطة سرطان الثدي في السودان، لكنه انطلق بخطوات خجولة في مجتمع لا يزال يتوجس من كل ما يتعلق بالمرأة.
أتذكر جيداً أول محاضرة توعوية، حين استضافتنا مؤسسة البصر الخيرية. كان الحضور محدوداً، تغلب عليه ملامح الخجل والتردد.
وأتذكر أول معرض توعوي في مركز عفراء للتسوق، حين جذبت الزينة الوردية أنظار السيدات في البداية، لكن سرعان ما ظهر التردد في الوقوف أو الاستفسار أو حتى أخذ مطوية. كان مجرد الاقتراب من الركن الوردي يضع علامة استفهام في عيون المارة.
لم يكن ذلك سهلاً، لكنه لم يكن مستحيلاً. واصل المركز محاولاته، ببرامج توعوية، وبكوبونات مجانية لفحوص الماموغرام، وبمد يد الشراكة مع المؤسسات.
والأهم أنه عمل على تدريب الكوادر الطبية والمبادرات الأخرى، لتمتد رسالته إلى ما هو أبعد من جدرانه.
شيئاً فشيئاً، بدأ الخوف يلين، وبدأ أكتوبر يتحول من شهر الوصمة إلى شهر الوعي، ومن الخجل إلى الاحتفال.
لكن وسط كل هذه الاحتفالات في المدارس والمؤسسات والشركات، كان هناك سؤال لا يفارق النساء: ثم ماذا بعد؟.
المعرفة وحدها لا تكفي إذا ظل الخوف مسيطراً. جاءت الإجابة من خلال تقديم خدمات تشخيصية وعلاجية بمواصفات عالمية، وأجهزة وتقنيات حديثة، وكوادر مؤهلة احتضنت النساء ورافقت خطواتهن نحو الأمان.
اليوم، وبعد خمسة عشر عاماً من تلك البداية، لم يعد أكتوبر كما كان.
الحرب أوقفت الكثير لأكثر من عامين: توقفت الفعاليات، وأُغلقت الأبواب، وتشتتت الجهود.
لكن ما لم يتوقف هو الوعي الذي زرعناه معاً. لم تنطفئ الفكرة، ولم تمت الرسالة، بل بقيت حية في قلوبنا.
أكتب هذه الكلمات في أكتوبر 2025، مؤمنة بأن أكتوبر سيعود يوماً، أقوى من ذي قبل.
سيعود ليكون شهراً نحتفل فيه لا بمواجهة سرطان الثدي وحده، بل بقدرة النساء على الصمود، وبقوة مجتمع يعرف كيف ينهض من جديد.
دمتم، ودام أكتوبر وردياً مهما اشتدت العواصف.
الأول من أكتوبر 2025