حرق باطن رجله حتى بان العظم

الشهادة الكاملة للناجي من بيوت الأشباح الطريفي الطاهر

عندما يتحدث الجسد قبل اللسان

شيماء تاج السر، المحامية

“مهما تكتب بتشوف الفرقة كبيرة بين ما عشته في الواقع الحي وما تكتبه في الورق… فرق كبير”.

بهذه الكلمات أنهى الطريفي الطاهر الطريفي شهادته المؤلمة، وكأنه يضع يده على حقيقة صادمة لا حبر في العالم يستطيع أن يروي ما جرى داخل بيوت الأشباح، لكنه مع ذلك تحدث رغم الألم رغم الصمت الطويل الذي لازمه 22 عاماً، رغم الجروح التي لا تزال تنزف في راحتي قدميه حتى اليوم.

الطريفي، اعتُقل وعمره 29 سنة في 20 أبريل 1993 من منزل أخيه. لم يكن مقاتلاً، ولم يكن يحمل سلاحاً.. كان شاباً سودانياً بسيطاً جره القدر إلى واحدة من أبشع حلقات التعذيب في التاريخ السوداني الحديث بتهمة ملفقة هي قضية التفجيرات.

أنقل لكم شهادته كاملة لنكشف معاً خريطة الرعب التي رسمها نظام الإنقاذ بيد نافع علي نافع وصلاح قوش، ولنسمع من الرجل الشجاع – كما لقِّب – كيف يتحول الإنسان إلى كتلة ألم، ثم كيف ينجو ليكون صوتاً لمن صمتوا.

 

من هو الطريفي الطاهر؟

الطريفي الطاهر الطريفي، سوداني من مواليد ولاية الجزيرة، خريج كلية الزراعة جامعة الإسكندرية، كان شاباً في مقتبل العمر لم يتورط في أي عمل عسكري، لكن النظام كان يبحث عن كبش فداء في قضية التفجيرات المزعومة، فوقع اختياره عليه كما وقع على غيره من الأبرياء.

 

نص الشهادة: مرحلة الاعتقال

 

أنا الطريفي الطاهر الطريفي، خريج كلية الزراعة جامعة الإسكندرية. عمري قبل الاعتقال 29 سنة. تم القبض عليَّ من الشبارقة من منزل أخي بتاريخ 20 أبريل 1993، بتيم (مجموعة) بقيادة الرائد عبد الحفيظ محمد البشير ومعه 3 أفراد، تقريباً الساعة السادسة صباحاً في قضية ما يسمى بالتفجيرات.

هكذا بدأ الكابوس فجأة.. ففي هدوء الفجر اقتحمت المجموعة المسلحة منزل شقيقي وقبضت عليَّ. لم أكن أتوقع أن أرى النور مجدداً بعد أن مررت بجحيم لا يوصف. وصلنا إلى الخرطوم الساعة التاسعة والنصف صباحاً لمبنى جنوب القيادة العامة، علمت لاحقاً بأنه يسمى بـ”الغار”، في نفس منطقة مبنى مكتب العلاقات الثقافية.

“الغار”، هذا الاسم الذي سمع عنه السودانيون لاحقاً، كان أول محطات الطريفي في عالم التعذيب. مكان تحت الأرض بعيد عن الأعين، حيث يصبح الإنسان خارج نطاق القانون والإنسانية.

 

كيف بدأ التعذيب مع الطريفي؟

 

تم التحقيق معي بواسطة صلاح قوش.. وهو أول شخص قام بتعذيبي بضربات متتالية وسريعة بعصا (بسطونة) على الكتفين والظهر ولكمات في الوجه وأسفل الأنف .

تخيلوا شاب في التاسعة والعشرين يُقتاد إلى غرفة التحقيق ليجد أمامه مسؤولاً كبيراً في جهاز الأمن يضربه بنفسه. لم تكن هناك تهمة واضحة ولا تحقيق رسمي بل كان الهدف هو الإيذاء الجسدي والنفسي منذ اللحظة الأولى.

بعدها أصدر تعليماته لشخص اقتادني لمجموعة من 5 أفراد حيث تم تقييد رجليَّ ويديَّ بقيد مشترك، حيث تبادلت المجموعة ضربي بخراطيم المياه على ظهري وكافة أنحاء جسدي من باطن القدمين حتى الرأس لفترة طويلة جداً تعرضت خلالها لعدد من حالات الإغماء.

هنا يبدأ المشهد الجماعي للتعذيب: خمسة جلادين يتناوبون على ضرب شاب أعزل بخراطيم المياه، وهي أدوات مصممة لإحداث ألم عميق دون ترك جروحاً ظاهرة، لكنها مع ذلك كانت تمزق الجلد وتكسر العظام.

طرحوني أرضاً وتم ضربي بخراطيم المياه في باطن قدميَّ حتى تورَّمتا وأصبحت كمن يلبس حذاء كعب عالٍ.. كان الألم فظيعاً ولا يمكن وصفه.

هذا وصف دقيق لحالة التورم الشديد التي تجعل القدمين كأنهما ترتديان حذاءً غير مرئي، لكن الألم حقيقي لا يحتمل.

 

حرارة الصيف وصاجات المانهولات جحيم مضاعف

سياسة التعذيب بالحرارة

 

ما الذي يميز هذه المرحلة من التعذيب؟

 

الجمع بين التعذيب البدني والبيئي: تم اختيار فصل الصيف وقت الظهيرة مع سخانة المانهولات (أغطية مجاري الصرف الصحي الحديدية) التي تشتد حرارتها تحت الشمس، وهذا يعني أنهم كانوا يعذبون الجسد والحواس معاً ليصلوا بالضحية إلى أقصى درجات الإرهاق والانهيار.

 

التعذيب بالحرارة

 

الوقت عز الصيف والجو سخانة شديدة.. طُرِحت أرضاً وتم وضع أرجل كراسي ذات درجة حرارة عالية على بطني وصدري، ثم أوقفوني على صاجات المانهولات على طريقة الأفران الإيرانية.. أوقات عصيبة يصبح الإنسان كتلة من الألم والوجع مع مواصلة الضرب بخراطيم المياه.

على طريقة الأفران الإيرانية هذه إشارة إلى أسلوب تعذيب معروف، يتم فيه إيقاف الضحية على ألواح حديدية محمّاة بحيث تلتهم الحرارة باطن القدمين، وهو ما حدث بالضبط مع الطريفي حيث كانت حرارة الصيف تضاف إلى حرارة الحديد لتكوي اللحم حتى العظم.

بعد العصر وصل صلاح قوش لمجموعة التعذيب وأمرهم بوقف التعذيب لأنه الزول دا ممكن يموت. وقتها كان قميصي ملتصقاً بلحم ظهري نتيجة للتعذيب.

هنا نرى التناقض المروع: الجلاد نفسه الذي بدأ التعذيب يأمر بوقفه خوفاً من أن تموت الضحية قبل أن يُستخرج منها الاعتراف! إنها لعبة القتل البطيء حيث يراقب الجلادون نبض الضحية لئلا ينقطع قبل الأوان .

 

بعد التعذيب الجسدي ماذا كان يحدث في الليل؟

 

كانت مرحلة الحرمان من النوم والتفكير وهي من أبشع أساليب التعذيب النفسي.. يتم وضع الضحية في غرفة مع حراس يستجوبونه بأي كلام ولا يتركون له لحظة صمت، وكلما دخل أحدهم ضربه بـ الدبشك (مؤخرة الكلاش) على رأسه، بهدف تدمير القدرة على التركيز وإشعار الضحية بأنه لا مفر من الاستسلام.

 

يصف الطريفي ليلة الرعب: تم وضعي في غرفة بحراسة فردين يستجوبونك بأي كلام.. المهم لا يتركون لك فرصة للتفكير والتركيز، وكل من يدخل الغرفة يضربك بالدبشك على رأسك.. عطش وألم فظيع لا يوصف.

إنه مزيج من العطش وألم الضرب المتكرر والحرمان من النوم، تضاف إلى ذلك الإهانات اللفظية التي لم يذكرها الطريفي تفصيلاً لكنها كانت جزءاً من برنامج إذلال منهجي.

 

صباح اليوم التالي.. المشي على الحجارة والورم يتفجر

 

في اليوم التالي كان جسد الطريفي قد تحول إلى لوحة ألم.. ورم باطني القدمين جعلهما كأنهما حذاء كعب عالٍ، ومع ذلك أُجبر على المشي على حجارة خرسانية حادة الحواف.. هذا يعني أن الحجارة كانت تغوص في الورم فتمزقه وتزيد النزيف الداخلي، حتى سقط أرضاً وفقد القدرة على الوقوف.

 

المشي فوق الجراح على لسان الرجل الشجاع

في صباح اليوم التالي تم إخراجي للحوش وأمروني بالتحرك فوق حجارة خرسانية حادة الحواف رافعاً اليدين إلى الأعلى مع ورم القدمين وسخانة المانهولات.. دخلت الحجارة الخرسانية في الورم حتى سقطت أرضاً وفقدت القدرة على الوقوف وحمى شديدة والتهاب الغدد الليمفاوية (أشقدي) في الإبطين ومنطقة الملاين في الرجلين.. فقدت حتى الإحساس بالوقت، وبصعوبة كنت أحاول التركيز

هنا يتحدث عن (الأشقدي) وهي التهابات جلدية شديدة تحدث نتيجة الحرارة والاحتكاك وتصبح مؤلمة جداً، فقد أصبح جسده بالكامل جرحاً مفتوحاً.

 

من كان يحضر التحقيقات؟

كان نافع علي نافع، مدير الأمن العام، يحضر بنفسه مع العميد حسن ضحوى وآخرين، وهذا يؤكد أن التعذيب لم يكن عملاً فردياً بل كان سياسة دولة يشرف عليها كبار المسؤولين. نافع لم يكتفِ بالإشراف من بعيد بل كان موجوداً في موقع التعذيب يسمع الصرخات ويرى الدماء.

 

الطريفي يشهد بحضور القيادات

التحريات كانت بحضور نافع علي نافع والعميد حينها حسن ضحوي وآخرين من ضمنهم الضباط علي حسن وعبد الحفيظ أحمد البشير.. أثناء التعذيب سمعت أسماء صديق وأبو دجانة وعمر من الفريق الذي قام بتعذيبي.

يكشف الطريفي هنا أسماء الجلادين المباشرين، لكن الأهم أنه يضع نافع علي نافع في قلب المشهد، وهذا يتوافق مع ما ورد في رسالة العقيد مصطفى التاي التي اتهمت نافع بأنه أحد المهندسين الرئيسيين لبيوت الأشباح.

 

المكيف سخانة: تعذيب بالصمت والحرارة

هل يمكن أن يكون المكيف أداة تعذيب وكيف يمكن استخدامه؟

 

يتم تشغيل المكيف على وضع الحرارة في غرفة مغلقة صغيرة لترتفع الحرارة إلى درجة لا تطاق مع جفاف الهواء مما يسبب صعوبة في التنفس وشعوراً بالاختناق وفقداناً للإحساس بالزمان والمكان.. إنه تعذيب صامت لا يترك آثاراً ظاهرة لكنه ينهك الجسد والنفس.

 

وصف غرفة المكيف

بعدها تم نقلي لغرفة وصالة، حيث تم وضعي في الغرفة وتم تشغيل المكيف في وضع التدفئة، وهذا نوع قاسٍ جداً من التعذيب.. تفقد الإحساس بكل شيء ولا تستطيع حتى الكلام العادي من الألم. لا أعلم الوقت الذي قضيته بالضبط حيث كنت أُحمَل بواسطة فردين للتحقيق وقضاء الحاجة إن وجدت مع التهاب باطن القدمين.

هنا يصل الطريفي إلى مرحلة فقدان الإحساس بالوقت، وهي علامة على الانهيار النفسي الحاد، فقد أصبح الجسد يعاني بلا توقف، وأصبح النهار كالليل والليل كالنهار.

 

 

ماذا حدث عندما تدخل حسن ضحوي؟

 

حسن ضحوي، الذي كان حاضراً في التحقيقات، أمر بنقل الطريفي للعلاج في معهد الأمن الوطني، لكن العلاج كان جزءاً من مسرحية القمع. تم إجراء عملية لإزالة التالف من باطن القدمين بدون تخدير، مما يعني أن الطريفي عانى ألماً مضاعفاً أثناء ما يُفترض أنه رعاية طبية .

 

العملية بدون بنج: وحشية التعذيب

 

وفي زيارة لحسن ضحوي أمر بتحويلي للعلاج بمعهد الأمن الوطني جوار موقف شندي، حيث أجريت لي عملية إزالة التالف من باطني القدمين وبدون بنج.. ألم فظيع .

“بدون بنج”، هذه الجملة القصيرة تحمل في طياتها وحشية لا توصف. تخيلوا أن يُشرَّح لحم قدميك وأنت واعٍ تشعر بكل قطع وكل خياطة، إنه ليس علاجاً بل هو تعذيب جديد تحت غطاء طبي .

 

العودة إلى الواحة: استقبال بالخابورين في الأذنين

 

مهدي والخابوران.. مشهد من الجحيم

 

كان استقبالاً وحشياً بامتياز. المدعو مهدي، وهو أحد جلادي الواحة، كان ينتظر الطريفي داخل السيارة، وفي مشهد لا يتخيله عقل أدخل خابورين (أسياخ حديدية أو أعواد خشبية غليظة) في فتحتي أذنيه وضرب عليهما بيديه محدثاً ألماً لا يوصف في الأذن الداخلية والرأس. هذا النوع من التعذيب قد يسبب ثقب طبلة الأذن وفقدان السمع الدائم.

 

الطريفي يجسد مشهد الخابورين

بعدها تم إرجاعي لبيت الأشباح أو ما يسمى بـ”الواحة”، ومع دخولنا إلى بوابة الواحة تم استقبالي وأنا داخل السيارة وبحالة لا يعلم بها إلا الله تتمنى الموت لترتاح من الألم والوجع استقبلنا المدعو مهدي وهو يمسك بخابورين أدخلهما في فتحتي الأذنين وضرب عليهما بيديه لداخل الأذنين. هذا وجع لا يوصف.

تم وضعي في مخزن بدون تهوية ولا حتى مروحة، وكل من يدخل عليك يضربك بالدبشك ويلكمك، ويلعنك ويسبك.

 

العناية بالجروح في عزلة تامة

عندما يضطر المعتقل لتمريض نفسه

في مشهد يزيد المأساة إنسانية كان الطريفي يُترك ليعالج جروحه العميقة بنفسه مستخدماً قطن المخدات لنظافة الجروح، لأن أحداً لم يكن يهتم به، وأحياناً كان يأتي من يغير له الضمادات، لكن في كثير من الأحيان كان يفعل ذلك وحده في ظلام المخزن وحرارته.

 

الطريفي: تغيير الجروح بنفسي

أحياناً يتم إجراء غيار للجروح العميقة كبيرة المساحة بباطن القدمين، وأحياناً أضطر للغيار لوحدي بتنظيف الجروح بقطن المخدات.. وضع صعب لن تعبر عنه بالوصف. كنت أحبو وأزحف لعدم المقدرة على المشي لمدة تقارب ثلاثة أشهر، عانيت أشد المعاناة من التعذيب الذي ما تزال آثاره باقية حتى الآن.

كنت أحبو – أي أزحف على يدي وركبتي لأن قدمي كانتا قد فقدتا وظيفتهما. ثلاثة أشهر من الزحف بدلاً من المشي.. ثلاثة أشهر من الألم المتواصل.

 

في الواحة: أسماء الجلادين والمارين

من هم الضباط والعساكر الذين كانوا في الواحة؟

 

يذكر الطريفي أسماء بعضهم: نور الدائم الحكمدار.. عاصم كباشي.. أمجد المصري (خريج جامعة الزقازيق).. ومن العساكر دكين و طوكر وعادل سلطان وأبو زيد وحسين أبكر وساتي. هذه الأسماء أصبحت الآن جزءاً من ملف جرائم بيوت الأشباح وهي تنتظر المحاسبة.

 

تم نقل الطريفي من المخزن إلى الزنزانة 5، ثم الزنزانة 15، التي تبلغ مساحتها 120 سم × 200 سم تقريباً، أي حجم قبر تقريباً، ثم نُقل إلى سجن كوبر.

 

 

رفاق التعذيب والزملاء في المحنة

هل كان الطريفي وحده في هذه المعاناة؟

 

لا.. كانت معه مجموعة من المعتقلين في نفس قضية التفجيرات المزعومة، من بينهم ياسر أبو زيد الذي كان بجانبه في الزنزانة، والحسن أحمد صالح الذي فقد إحدى عينيه لاحقاً، وعثمان محمود الذي كان يحمله على الكرسي الطيب نور الدائم، ود.جعفر يس أحمد الذي اعتُقل في مطار الخرطوم قادماً من شهر العسل، ومبارك جادين .

 

ورد في الشهادة مصطلح الحفلة ما معناه؟

 

الحفلة كانت برنامجاً يومياً للتعذيب الجماعي يشمل تمارين قاسية كالقيامات العسكرية والزحف على الأرض والرش بالمياه الباردة أو الساخنة والضرب والإهانات.. كان الهدف إرهاق المعتقلين جسدياً ونفسياً وخلق جو من الرعب الجماعي.

 

 

كلمة الطريفي عن نظام الإنقاذ والمطالبة بالعدالة

 

ماذا يقول الطريفي عن الإسلاميين السودانيين والموقف السياسي؟

أقول إن الإسلاميين السودانيين أنشأوا نظاماً قمعياً متسلطاً مكّنوا أنفسهم فيه من موارد البلاد ونهبوا وأفسدوا وأشعلوا الحروب الأهلية ودمروا البلاد سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً، وإن على الشعب إسقاطهم وتكوين البديل المدني الديمقراطي الذي يعيد البلاد للحرية والسلام والعدالة

ثم يتحدث عن الإجراءات القانونية.

 

الانقلاب قطع الطريق نحو العدالة

تم فتح بلاغات في النيابة العامة ولم تتقدم أكثر، قطعها انقلاب البرهان وحميدتي.. لكن لا بد من المحاسبة والقصاص في حق كل من أجرم في حق الوطن والشعب السوداني. هذا هو الطريق للعدالة التي يستحقها الشعب السوداني.

 

رغم شجاعته الأسطورية فإن الذاكرة تبقى جرحاً مفتوحاً

منتهى الألم وأنا بكتب وبستذكر كل ما حدث، مؤخراً أصبحت لا أحب الحديث عن هذه التجربة بتفاصيلها لأنها بتوجعني جداً رغم البداية كنت متوقع كل ما حدث وواجهته بقناعة وشجاعة وعدم خوف يفوق الوصف، إلا أنه قد يكون هذا هو أثر الصدمة النفسية..

ثم يعود إلى نقطة العجز عن التعبير ذاكراً: الطريفي الرجل الشجاع.. مهما تكتب بتشوف الفرقة كبيرة بين ما عشته في الواقع الحي وما تكتبه في الورق.. فرق كبير الوجع والألم وعدم النوم استمر فترة طويلة جداً، ونتيجة لذلك قلت لدرجة بعيدة ساعات النوم الطبيعي.. ما زال الوجع موجوداً في باطن القدمين وخز وألم.. أنا لما طلعت من السجن بتشوف الدم تحت الجلد في القدمين .

 

هذه هي الصورة النهائية التي يتركها لنا الطريفي: جسد يحمل آثار التعذيب، ليس فقط في الذاكرة بل في كل خطوة يخطوها، وكل ليلة يسهرها، وكل نظرة يلقيها على قدميه.

 

 

الرجل الشجاع والعدالة الغائبة

 

الطريفي الطاهر الطريفي خرج بعد سنوات من التعذيب وقد حمل على جسده ندوباً لا تمحى، وفي قلبه جراحاً لا تندمل، لكنه لم ينكسر.. واجه التعذيب بقناعة وشجاعة وعدم خوف يفوق الوصف، كما قال هو نفسه.

لكن شجاعته وحدها لا تكفي، فالقضية التي فُتحت في النيابة العامة توقفت، وانقلاب البرهان قطع الطريق على المحاسبة، والجلادون نافع علي نافع وصلاح قوش وحسن ضحوي ومهدي وآخرون ما زالوا طلقاء، أو في مناصبهم، أو فروا إلى الخارج.

شهادة الطريفي الطاهر ليست مجرد سرد لمأساة شخصية، إنها وثيقة تاريخية ودليل إدانة ونداء عدالة، إنها تذكير بأن بيوت الأشباح لم تكن خرافة بل كانت معامل تعذيب حقيقية يُدار بعضها بأيدي كبار المسؤولين.

اليوم وبعد أكثر من 30 عاماً على اعتقاله ما زال الطريفي يعاني من الألم والوخز في باطن قدميه، وما زالت ساعات نومه قليلة، لكن صوته الذي سجله رغماً عنه صار الآن ملكاً للتاريخ وشاهداً على جريمة لن يسقطها النسيان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *