الخزائن البنكية في السودان، بين خراب الحرب وضياع المدخرات

شيماء تاج السر، المحامية

 

في الخامس عشر من أبريل عام 2023، اندلعت الحرب في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لتنقلب حياة الملايين في الخرطوم وسائر المدن رأساً على عقب. في غضون أيام توقفت الحياة الطبيعية، وتحولت العاصمة المثلثة إلى ساحات قتال طاحن، لم تسلم من هذا الدمار سوى القليل من مظاهر الحياة. وفي طليعة ما تعرض للخراب والنهب كانت البنوك والمصارف بكل ما تحتويه من أموال ومقتنيات وأرشيف وأسرار. إنها قصة النظام المصرفي السوداني الذي دُمِّر في أسابيع بعد عقود من البناء والقصص الموجعة لأصحاب الخزائن البنكية الخاصة الذين فقدوا مدخرات العمر في لحظات .

علينا أن ننفض الغبار عن حادثة تكسير ونهب الخزائن البنكية خلال نزاع أبريل 2023، ونناقش آراء الخبراء في البنوك والخبراء القانونيين والإطار القانوني المنظِّم لمسؤولية البنوك عن هذه الخسائر، مع لمحة عن تجارب دول أخرى مرت بظروف مشابهة .

 النظام المصرفي السوداني تحت وطأة الحرب

قبل منتصف أبريل 2023 كان القطاع المصرفي السوداني يضم العديد من البنوك السودانية والبنوك المختلطة والتي كانت تعمل بفروعها المختلفة ونوافذها ومكاتب التوكيلات، لكن الحرب التي اندلعت بين الجيش وقوات الدعم السريع سرعان ما ألحقت بالبنوك أضراراً فادحة: توقف 70% من فروع البنوك في المناطق التي تشهد عمليات عسكرية أو توتراً أمنياً، وتعرَّضت العديد من المؤسسات العامة بما في ذلك بنك السودان المركزي فرع الخرطوم للتخريب أو الدمار .

في أواخر أبريل 2023 تناقل ناشطون مقاطع فيديو تظهر محاولات سرقة عدد من البنوك والمصارف في العاصمة، ووثَّق شاهد عيان لقطات لما قال إنه نهب لمصرف الجزيرة بالسوق الشعبي في أم درمان، وتداول سودانيون مقطع فيديو قالوا إنه لسرقة بنك الخرطوم فرع إستاد الهلال بأم درمان.

وبينما كان المواطنون يتخوفون من توسع رقعة عمليات النهب والسرقة، طمأن بنك السودان المركزي المودعين وأصحاب الحسابات المصرفية بأن أموالهم في الجهاز المصرفي بأمان، مؤكداً أن عمليات النهب أو السرقة لبعض فروع البنوك التجارية لا تؤثر على ودائع الجمهور.

غير أن واقع الحال كان أكثر قتامة من هذه التصريحات المطمئنة. فقد شهدت البنوك في الخرطوم وبحري وأم درمان عمليات نهب واسعة طالت الخزائن الخاصة بالمودعين، إذ كانت هذه الخزن تمثل “كنوزاً سهلة” في نظر المسلحين الذين استولوا عليها وفرغوا محتوياتها . 

قصص لأصحاب خزائن بنكية: مدخرات العمر تتبخَّر في لحظات

يمكن القول إن الخزائن البنكية الخاصة في السودان لم تكن مجرد صناديق حديدية لحفظ الأوراق، بل كانت ودائع للعمر كله: ذهب الأمهات، مدخرات الآباء، عقود الأراضي ووثائق الملكية ومخطوطات عائلية وقطع نادرة لا تقدر بثمن. الحرب لم تميز بين خزينة وأخرى، وكل درج من هذه الأدراج يحمل قصة إنسان وحكاية أمل .

صدمة فقدان مدخرات العمر: شهادة مواطنة عن نهب خزائنها في بنكين سودانيين

تقول عزة سلمان: كان لي خزنتان في البنك السوداني الفرنسي فرع الخرطوم 2 وقد تمّت الإجراءات في عام 2019 بموجب عقد بيني وبين البنك يشمل الحماية، بالإضافة إلى عقد تأمين. كان الاتفاق يقوم على أجر سنوي مقابل كل خزنة. تقع الخزينتان في الطابق الأول وكان نظام فتحهما يقوم على مفتاحين مفتاح لديّ ومفتاح آخر لدى البنك، فلا يمكن فتحهما إلا بحضوري مع الموظف معًا. وضعتُ في هاتين الخزينتين كل ممتلكاتي من ذهب ومجوهرات ووثائق وعملات نقدية وكل ما يخصني .

فوجئتُ عبر موقع فيسبوك بأن الخزينتين قد نُهبتا. كانت صدمتي كبيرة جداً لأن ما فقدته يمثل مدخرات عمر سنوات كاملة.. فالذهب الذي كان فيهما يعود لـ20 سنة من الادخار، أما الخزينة الثانية فكانت تخص أخت زوجي المقيمة في قطر، وكانت تحتوي كل ما تملكه من ذهب ودولارات كانت تدخرها لبناء منزلها.

حاولت التواصل مع موظفي البنك الذين أعرفهم فاكتشفت أن عدداً منهم قد فُصلوا من العمل، وتواصلت مع المدير في بورتسودان لكنه لم يرد إطلاقاً إلى الآن.. لا أحد يريد الرد، ولا أحد يكلف نفسه عناء اطلاعنا على حقيقة ما جرى .

إضافة إلى ذلك كانت لدينا خزينتان أخريان في بنك السلام إحداهما لوالدتي وكانت مسجلة باسمي، والأخرى لأختي سارة. كانت خزائن بنك السلام موجودة تحت الأرض، وبعد مرور سنة وثلاثة أشهر على الحرب تبين أنها نُهبت بعد أن تم حفر نفق تحت الأرض للوصول للخزائن، وفقاً لما أخبرني به مدير البنك .

فاجعة أسرية جديدة: محامية تفقد خزينة والدتها في بنك النيل 

تروي الأستاذة المحامية عفاف إبراهيم أرباب قصتها المؤلمة مع خزينة رقم 67 باسم والدتها الراحلة آسيا عمر محمد عمر في بنك النيل للتجارة والتنمية فرع الخرطوم الواقع في منطقة السوق العربي، تحديداً عند تقاطع شارع داخليات كلية الطب جامعة الخرطوم وشارع رئاسة الجمارك.

تقول عفاف: يعود تاريخ استئجار هذه الخزينة إلى التسعينيات تقريباً حين كان البنك يحمل اسماً آخر غير بنك النيل، وأعتقد أنه كان يُسمى بنك التنمية الصناعية. أذكر بحكم متابعتي لوالدتي أنها وقعت على عقد وأيضاً على دفتر يوضح تاريخ الإيداع والساعة واسم الموظف المسؤول. كان نظام فتح الخزينة يقوم على وجود نسخة من المفتاح لدى الموظف ونسختين لدينا نحن العائلة فلا تفتح الخزينة إلا بمفتاح الموظف ومفتاح الوالدة معاً. كان الموظف يغادر المكان بعد فتح الخزينة وعندما ننهي حاجتنا نستدعيه لإقفال الخزينة بنفس الطريقة .

وعندما تقدمت والدتي في العمر قامت بعمل توكيل لي لمباشرة سداد أجر الخزينة لدى البنك وفتحها وقفلها متى احتجت إلى ذلك. بعد اندلاع الحرب وأنا في مصر علمت أن رئاسة بنك النيل قد باشرت أعمالها في مدينة بورتسودان فطلبت من صديق السؤال عن سلامة خزن العملاء أثناء الحرب والاستفسار تحديداً عن رقم خزينة والدتي، فعاد ليخبرني بغاية الأسف أنه لم تسلم أي خزانة من الكسر والنهب والسرقة .

تستطرد المحامية واصفة محتويات الخزينة: كانت تحتوي على مشغولات ذهبية قيّمة تدخرها والدتي للزمن، وأحياناً كانت تتزين بها بنات العائلة في أفراحهن. كان لوالدتي في الخزينة ما يُسمى بـاللبة وهي عبارة عن عدد كبير يتجاوز الثلاثين جنيهاً ذهبياً، ومثل هذا العدد من أنصاف الجنيهات الذهبية ومثله أيضاً من أرباع الجنيهات الذهبية تتخللها مجموعة من الورود الكبيرة المشغولة يدوياً ولا يجيد عملها إلا الهنود والحرفيون في الخليج والسعودية، كان يربطها جنزير كبير وثقيل لتلبس في الرقبة ولا تحتمل ثقلها إلا العروس في ليلة زفافها على الطريقة السودانية بالإضافة إلى غويشة كبيرة يبلغ وزنها حوالي 80 جراماً من الذهب وبعض السلاسل والخواتم .

تتابع عفاف بحسرة: كنا بعد وفاة والدتي (رحمها الله) نخطط للتصرف في هذا الذهب ببيعه حتى نبني منزلاً في الخرطوم يضم ثلاث شقق سكنية لكل واحد منا شقة على قطعة أرض نملكها أيضاً.. كل هذه المصوغات التي تركتها والدتي كنتُ أنا وحدي من يستعملها لأني الابنة الوحيدة في العائلة ولا يحتاجها أحد غيري لها قيمة معنوية عميقة بالنسبة لي، لأنها جهد أمي ومدخرات عمرها، كانت تقول دائماً “خليها للزمن حتحتاجوا ليها وإن شاء الله تتصرفوا فيها للزواج والفرح”.

واختتمت المحامية عفاف إبراهيم أرباب شهادتها باستنكار شديد: كنت أتوقع من إدارة بنك النيل أن ترسل خطابات للعملاء من ملاك الخزن للاعتذار على الأقل، والتشاور حول ما يمكن أن نفعله.. أين مسئولية البنك من هذا؟! لا أحد يرد، ولا أحد يكلف نفسه عناء اطلاعنا على حقيقة ما جرى.

انهيار الثقة في النظام المصرفي

إن الأضرار التي لحقت بالقطاع المصرفي ليست مجرد خسائر مادية، بل هي انهيار للثقة في النظام المصرفي بأكمله، لأن ما حدث للبنوك لم يكن مجرد نهب وسرقة، بل كان بمثابة تدمير للثقة المصرفية عند المواطن السوداني، من سيثق في البنوك بعد اليوم؟. 

إن البنوك السودانية تأثرت فعلاً بالحرب بصورة مباشرة من خلال نهب الخزائن وسرقة الأصول وكذلك تدمير الفروع وفقدان الأرشيف. لكن الخبراء يجمعون على أن مشكلة الخزائن الخاصة تتجاوز قدرة التأمين على حلها، ذلك أن الخزائن تحوي محتويات غير مسجَّلة وغير معلنة، فالبنك لا يعرف – ولن يعرف – محتوى كل خزنة خاصة .

 من يتحمَّل مسؤولية الخزائن المنهوبة؟

 عند الحديث عن المسؤولية القانونية للبنوك تجاه الخزائن الخاصة في السودان تبرز عدة إشكاليات قانونية معقدة حث تخضع عقود إيجار الخزائن البنكية لأحكام عقد الإيجار في القانون المدني السوداني، وتنص هذه الأحكام عادةً على أن البنك ملزم بالحفاظ على الخزينة وتأمينها ضد السرقة والتلف ما لم تكن هناك قوة قاهرة أو ضرر خارجي لا يمكن توقعه .

لكن حرب أبريل 2023 تطرح تساؤلات حول اعتبارها قوة قاهرة تُعفى البنوك بموجبها من المسؤولية، أو حالة حرب يستحيل فيها على البنك الوفاء بالتزاماته الأمنية. في الدول التي تعاقدت على عقود مماثلة تنص الشروط على أن البنك لا يتحمَّل المسؤولية في حالات الحروب والكوارث الطبيعية التي لا يمكن منعها .

غير أن ثمة رأياً قانونياً مختلفاً يرى أن البنك يظل مسؤولاً حتى في حالات الحرب ما لم تُثبت البنوك أنها اتخذت جميع إجراءات الحماية الممكنة والمعقولة في ظل الظروف .

تُضاف إلى ذلك إشكالية أخرى كيفية إثبات محتوى الخزينة بعد ضياعها بما أن الأرشيف المصرفي دُمِّر في كثير من البنوك وصعبَ تتبُّع السجلات، فإن إثبات وجود ذهب أو عملات أجنبية أو وثائق داخل الخزينة المنهوبة يصبح شبه مستحيل .

كما يبرز عائق قانوني آخر هو أن معظم عقود الخزائن البنكية التقليدية لا تشترط على العميل الإفصاح عن محتويات الخزينة، وهو ما يجعل إثبات المحتوى لاحقاً مهمة صعبة .

 آراء خبراء قانونيين واقتصاديين 

الخبير القانوني والمستشار عبدالله عبدالرحمن الكعب 

إيجار خزانة في البنك هو إيجار لمكان محدد في البنك (بالتحديد خزنة)، بعقد إيجار بين البنك والعميل لحفظ مقتنيات شخصية، وعادةً ما تكون “أصولاً مجمدة” مثل الذهب والمجوهرات والأوراق الرسمية. والخزنة أو الخزانة (والجمع خزن أو خزائن) هي عبارة عن صندوق من مادة في غاية الصلابة، أو خزنة حديدية عادية بقفل رقمي أو عادي. ولكل بنك نظامه وإجراءاته الخاصة في كيفية الحفيظ وتحديد مواعيد حضور العميل صاحب الخزنة لفتحها أثناء ساعات العمل الرسمية، شرط أن يتم ذلك في حضور موظف من البنك. إيجار الخزائن خدمة تقدمها البنوك للمتعاملين معها من أصحاب الحسابات المصرفية، وفي مقابل هذه الخدمة يدفع المتعامل للبنك أجرة شهرية تختلف من بنك لآخر. والمقتنيات التي توضع في الخزنة المستأجرة ليست وديعة، وبالتالي لا تنطبق عليها أحكام الوديعة المصرفية بأي حال من الأحوال. فالوديعة يجب أن تكون من النقود تودع بحساب استثماري أو حساب جارٍ ويدفع البنك عليها أرباحاً في مواعيد محددة.. حسب نوع وطبيعة الوديعة، وحسب ما ينص عليه الاتفاق المبرم بخصوصها بين البنك والعميل.

عادة ينظم القانون التجاري أو المصرفي العلاقة بين البنك والمتعامل فيما يتعلق بإيجار الخزائن، أما في السودان فلا يوجد قانون ينظم هذه العلاقة. فقانون العمل المصرفي وهو قانون عام ينص على المبادئ العامة للعمل للمصرفي، ولم يتطرق لمسألة إيجار الخزائن. الذي يمكن اعتباره من التفاصيل أصبحت المعالجة فيها تتم عن طريق المنشورات التي ينشرها البنك المركزي من وقت لآخر، إضافة للسوابق القضائية، ولكن لا يوجد لدينا قانون واضح يحدد شروط التعاقد في حالة الخزائن المصرفية. الأمر الذي يصح معه القول إن الأصل في هذه العلاقة هو عقد إيجار الخزينة الموقَّع بين البنك والمتعامل، والذي يحدد واجبات وحقوق كل منهما. ومن هنا أخلص إلى القول إنه إذا كان هنالك شرط في إيجار الخزائن يلزم البنك بالتأمين على الخزينة وأخلَّ البنك بذلك الشرط يصبح البنك مسؤولاً.. أما إذا لم يوجد في العقد شرط يلزم البنك أن يؤمِّن على محتويات الخزينة، فيصبح البنك غير مسؤول عن ضياع أو تلف تلك المقتنيات، طالما الأصل في العقود أن المسلمين عند شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرَّم حلالاً.

النقطة الأساسية في هذا الشأن أن كل عقود التأمين، في الغالب الأعم، تستثني ولا تغطي حالات الحرب. ويترب على هذا المبدأ، أن تلف أو فقدان أو ضياع المقتنيات في الخزائن كان بسبب تماس كهربائي، انهيار مباني البنك بسبب سوء التشييد مثلاً.. هنا قد يصبح البنك مسئولاً مسئولية تقصيرية عن التلف أو الضياع.. ولكن في حالة الحرب، بالذات، لا يمكن تحميل البنك تلك المسئولية.. لأن البنك أيضاً تضرر من العمليات الحربية، وما كان في إمكانه اتخاذ أي قدر من الحيطة والحذر ليحول دون حدوث الذي حدث. أخيراً أنصح بالرجوع للعقود المبرمة مع البنوك ومراجعة الشروط المكتوبة .

الخبيرة القانونية دكتورة إشراقة تاج السر

الوضع القانوني فيما يخص الخزانة المؤجرة في البنوك في حالة حرب السودان

العلاقة بين المصرف والعميل كما هو معلوم هي علاقة تعاقدية قانونية تحكمها النظم المصرفية ومبادئ العقود، وتتضمن التزامات وحقوقاً متبادلة، حيث ينظر إليها قانونياً كعلاقة دائن ومدين، مودِع ومودَع لديه أو وكيل وموكل (في تنفيذ العمليات مثلاً) .

فيما يتعلق بالخزائن المؤجرة فهي خدمة مصرفية توفرها المصارف لعملائها لحفظ مقتنياتهم في مساحة تخزين آمنة ومحصنة بسرية تامة، قانونياً هي عقد إيجار لا يتجاوز المصرف فيه دور توفير المكان الآمن والمراقب، ولا يعلم ما تحتويه خزنة العميل التي يحتفظ بمفتاحها العميل المستأجر بنفسه مقابل رسوم إيجار سنوية. وهنا نجد أن العلاقة علاقة إيجار فقط وليست وديعة، لأنه في حالة الوديعة يتسلم المودع لديه الوديعة للاحتفاظ بها وردّها بعينها عند الطلب أو انتهاء مدتها، وعليه التزام ببذل العناية في الحفظ والرد للمودع بنفس المحتويات.

فيما يتعلق بالتأمين والوضع في حالة الحرب، يلزم عقد التأمين المؤمِّن بتعويض المؤمَّن له عن أي خسائر مالية أو أضرار ناتجة عند وقوع خطر محدد مقابل أقساط يدفعها المؤمن له. وفي حالة كان شخص ما لديه وثيقة تأمين لمحتويات خزنة مصرفية ووقعت الحرب فهنا تثار مسألتان؛ الأولى مسألة إثبات محتويات الخزنة وقت نشوب الحرب، وإثبات هذا من الصعوبة بمكان حيث أن شركة التأمين ستدفع بهذا الدفع باستحالة إثبات المحتويات.

المسألة الثانية أن الحرب تعتبر قوة قاهرة والتي تعرف بأنها حدث استثنائي خارجي لا يمكن توقعه ولا دفعه، وأثرها أنها تجعل تنفيذ الالتزام التعاقدي مستحيلاً وتعفي الأطراف من المسئولية القانونية لانتفاء علاقة السببية بين الفعل والضرر. كذلك نجد أن معظم وثائق التأمين تستثني الحرب من التغطية، لذلك يجب الرجوع للوثيقة في كل حالة على حدة.

والقوة القاهرة مفهوم معروف في الفقه القانوني ولم يوردها المشرع لفظاً في قانون المعاملات المدنية السوداني لسنة 1984م، ولكن المادة (130) تتضمن هذا المفهوم وأثره على العقود حيث تنص على أنه “في العقود الملزمة للجانبين إذا انقضى الالتزام لاستحالة تنفيذه بسبب أجنبي لا يد للمدين فيه انقضت معه الالتزامات المقابلة له وينفسخ العقد من تلقاء ذاته”. فهذه المادة أوردت الأثر القانوني للقوة القاهرة أو الحادث الأجنبي المؤدي إلى استحالة التنفيذ، وهو انفساخ العقد بقوة القانون وانقضاء الالتزامات المتقابلة .

موظف ببنك الخرطوم (فضَّل حجب اسمه)

خزنة (صندوق الأمانات) تكون متفاوتة: إما نصف متر، أو 30 سم، أو 40 سم × 10 سم، أو 20 سم، وتختلف من بنك إلى بنك، وتكون تحت الأرض أو في الأعلى، حسب ما يحيط بها: “غرفة آمنة” (غرفة محصنة)، عادة تكون في الفرع الرئيسي ومن الممكن أن تكون في فروع أخرى. مثلاً في بنك الخرطوم، توجد في فرع شارع 15 العمارات، وهكذا.

صندوق الأمانات: أول ما العميل يجي يقول “أنا عايز أدخل الخزنة بتاعتي”، بيعملو ليه تسجيل دخول (visit)، فيه زمن الدخول (دخل الساعة كم والدقيقة كم) وزمن الخروج (خرج الساعة كم والدقيقة كم).

مساعد مدير الفرع  (ABM – Assistant Branch Manager)يكون عنده مفتاح، والمفتاح التاني يكون عند العميل. لأن المفتاحين بيدخلوا سوا ويفتحوا سوا عشان يضمنوا إنه دخل معاه منو. ودخل الساعة كم… دخل بس بفتح له بالمفتاح ويطلع برا. يجي العميل يقول “أنا خلصت”، يدخل تاني المسؤول (المدير أو الشخص المخول اللي عنده مفتاح بتاع الخزنة) ويقفل معاه الخزنة. يدخلوا المفتاحين سوا: مفتاح عند العميل ومفتاح عند المسؤول في البنك. وهو يكون عند مين؟ على حسب، ممكن يكون عند شخص مكلّف، أو عند مساعد مدير الفرع (ABM)، أو عند مدير الفرع (BM – Branch Manager)، أو عند مدير الرقابة (Control Manager)، أو فرع الرقابة (Control Branch)، أو عند مشرف الفرع (Supervisor Branch).

بيكون فيها عقد إيجار لمدة سنة، على حسب البنك. كانت زمان عندنا بـ 700 جنيه في الشهر، وبيكون فيها مبلغ تأمين على حسب البنوك. أي بنك عنده سياسة، كل بنك وله سياسة. في بنوك بتقول لك: لا، تؤجر مني صندوق أمانات. وفي بنك بيقول: لا، أنت يكون عندك وديعة عندي بمبلغ كذا، وأنا أعطيك صندوق أمانات على ضمانها، وأشيل منك خصم (deduction) من المبلغ.. بيستقطع منك سنوياً مبلغ التأمين. 

ما في (صراحةً، لأنه دي للأسف التأمين أنواع طبعاً). وفي بند بتاع الحروب والكوارث، الناس ما بفعّلوه إلا إذا أنت تؤمنه براك. تطلب تأمين الحروب والكوارث. وبرضه أنت طبعاً ما تكون مُفصِح عن الحاجة اللي جوا.

أما إذا انت مُفصِح ومؤمّن (التأمين ده)، فـ”المُفصِح” معناه إن الموظف يكون قاعد معاك جوا، شايف الحاجات اللي بتخش، ومكتوبة، ويكون فيه إقرار وكلام زي ده.. على حسب بعد ذلك. الوضع الحاصل ده – ما في صراحة حاجة عليه متفق عليه، ما معروف حيحصل شنو بالضبط. لكن على حسب شركات التأمين – طبعاً ما حتأمّن. أنا أعرف ناس معرفة شخصية عندهم ده (عندهم ذهب) بقيمة مليون دولار كان في صندوق الأمانات، وأسي (الآن) راح .

 صريحات موظفين في البنك الإسلامي السوداني حول خزائن الأمانات (فضلوا حجب أسمائهم)

الموظفة (أ)

الفروع التي عملت فيها لم يكن بها خزائن أمانات باستثناء فرع جبرة الذي أُنشئت فيه هذه الخدمة، ثم انتقلت من ذلك الفرع في البنك. توجد فروع معينة تمتلك خزائن للإيجار، وعادةً ما يكون لها مكان مخصص وفقاً لهيكل مبنى الفرع، لأن بعض الفروع لا تتوفر فيها مخازن تحت الأرض 

يشترط لتأجير صندوق الأمانات أن يكون للعميل حساب في البنك وتُسجل هويته، بشرط أن تكون سارية المفعول، ويوقّع عقد تأجير مع دفع رسوم سنوية. تُستخدم الخزنة لحفظ الذهب والمجوهرات الثمينة والأوراق والوثائق والشهادات المهمة، ولا يُسمح بحفظ المواد الممنوعة أو المحظورة. لكن في ظل الأوضاع غير الآمنة حالياً لا أعتقد أن أي بنك يخاطر بإنشاء خزائن أمانات.

الموظفة (ب)

الخزائن الشخصية موزعة على الفروع، وتختلف حسب خزنة الفرع.. تكون ملحقة بالخزنة الرئيسية لكنها منفصلة عنها، وهي عبارة عن خزائن صغيرة لكل خزنة مفتاحان واحد يحتفظ به البنك والآخر لدى العميل. تُؤجَّر هذه الخزائن للعميل، ويكون البنك مسؤولاً عن تأمين الخزنة نفسها، لكن المحتويات الداخلية تخص العميل وحده، والبنك غير مسؤول عنها. هذا ما أعرفه، أما العقد فتفاصيله غير معروفة لي لكن هناك دفتر خاص بالمفاتيح .

الموظف (ج)

خزائن الأمانات في البنوك توجد في مكان آمن داخل الفرع، وهي خزائن مصفحة ومؤمَّنة تأميناً محكماً لا يمكن فتحها إلا بمفتاحين، مفتاح بحوزة العميل والمفتاح الآخر لدى الفرع الذي توجد فيه الخزنة. أما ما يوجد داخل الخزنة فمسؤوليته تقع على العميل، والبنك لا يعلم بالشيء الذي يحتفظ به العميل سواء كانت مستندات أو ذهباً أو مبالغ مالية، مسؤولية البنك تقتصر على الحماية الخارجية للخزنة، ويوجد عقد بين البنك والعميل يتضمن جميع الشروط المتفق عليها بين الطرفين على سبيل عقد الإيجار.. البنك لديه فروع كثيرة لكن خزائن الأمانات متوفرة في بعضها وليس جميعها .

 دول أخرى عاشت كوابيس مماثلة

ليست السودان الدولة الوحيدة التي عانت من نهب الخزائن البنكية إثر الصراعات المسلحة وإن كانت طبيعة كل نزاع تختلف .

التجربة اللبنانية (حرب يوليو 2006)

خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006 تعرضت بعض البنوك في الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى للقصف والتدمير، وفقدت خزائن بأكملها في بنك بيبلوس وبنك لبنان والمهجر بسبب الغارات الجوية. اللافت أن المصرف المركزي اللبناني أصدر تعميماً بإجراء جرد شامل للخزائن المتضررة عبر كاميرات المراقبة والسجلات المحفوظة في فروع آمنة، وتم تعويض المودعين بعد أشهر من التقييم. مع ذلك، ظلت الخلافات القانونية حول قيمة بعض المقتنيات التي لا يمكن تقديرها بسهولة . 

التجربة الألمانية (حادثة سرقة خزائن شبار كاسا)

على الجانب الآخر من العالم وفي ظل ظروف مختلفة تماماً شهدت ألمانيا في نهاية عام 2025 واحدة من أكبر عمليات السطو على خزائن الأمانات في تاريخها، حيث تمكن لصوص من سرقة نحو 30 مليون يورو إثر اقتحام نحو 3200 صندوق أمانات في خزينة بنك ادخار شبار كاسا بمدينة غيلزنكيرشن غرب ألمانيا. وقدرت مصادر أن أكثر من 3200 خزينة قد نُهبت أو أُتلفت.

لكن الفارق هنا هو أن النظام الألماني يعتمد على عقود مفصَّلة بين البنك والعميل بشأن محتويات الخزائن، كما أن هيئة الرقابة المالية الألمانية (BaFin) تفرض على البنوك الاحتفاظ بنسخ رقمية عن محتويات كل خزينة على الأقل للأغراض الضريبية، مما ساعد في تحديد الخسائر وتعويض بعض المتضررين .

الدروس المستفادة من التجارب الدولية

 أهمية التوثيق المسبق: الدول التي تطلب من العملاء الإفصاح عن محتويات خزائنهم بشكل تقريبي تتمكن من تعويضهم بشكل أسرع وأكثر عدلاً .

نظام تأميني مركزي: إنشاء صندوق تأمين إلزامي لحماية أصحاب الخزائن في حالات الكوارث والحروب .

الحفاظ على أرشيف خارجي: البنوك التي تحتفظ بنسخ احتياطية من عقود وسجلات الخزائن في فروع بعيدة عن مناطق النزاع تكون أكثر قدرة على إعادة بناء البيانات المفقودة .

مأساة الخزائن البنكية في السودان

ليست مجرد رقم في خسائر مادية بل هي تجسيد حي لكارثة إنسانية وانهيار للثقة في كل شيء. فبينما يكافح السودانيون لتأمين لقمة العيش في ظل حرب مدمرة يجد كثيرون أنفسهم أمام حقيقة موجعة: مدخرات العمر قد تبخرت في لحظات بين عشية وضحاها دون تعويض أو حتى اعتراف بالمسؤولية .

الإطار القانوني الهش وغياب التوثيق المسبق وفقدان الأرشيف وتعقيد الوضع الأمني كلها عوامل تجعل تعويض أصحاب الخزائن أمراً بالغ الصعوبة، كما أن عودة الثقة في النظام المصرفي السوداني ستحتاج إلى زمن طويل وربما إلى إعادة هيكلة كاملة للقطاع المصرفي بأكمله .

ربما يكون الدرس الأهم من هذه الكارثة هو أن حماية الممتلكات الخاصة في زمن الحرب ليست مجرد مسؤولية أمنية بل هي مسؤولية قانونية وإنسانية قبل أي شيء. وإن كان ثمة بارقة أمل فهي أن السودان قد يخرج من محنته أكثر حكمة وقدرة على بناء نظام مصرفي أكثر شفافية وأمناً يحفظ حقوق العملاء حتى في أحلك الظروف، وأن يعي العملاء أهمية التأمين ضد الكوارث والحروب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *