من يكتب ذاكرة رواندا؟ الحكايات التي أبقت التاريخ حيًّا (5)

صفاء الزين

 

في المقال السابق، تناولنا تجربة محاكم غاكاكا في كشف الحقيقة والمحاسبة ومحاولة ترميم العلاقات بعد الإبادة الجماعية. وتفتح تجربة العدالة سؤالًا ملازمًا لها: كيف يحفظ المجتمع ما حدث؟ وكيف تنتقل شهادات الضحايا من قاعات المحاكم إلى ذاكرة الناس ووعي الأجيال التي وُلدت بعد المأساة؟.

في المواقع التذكارية التي زرناها في كيغالي ومناطق أخرى، كانت الذاكرة حاضرة في الملابس والأغراض الشخصية والصور وشهادات الناجين، وفي صمت الأماكن التي احتفظت بآثار أصحابها. لكل قطعة حكاية إنسان كان له بيت وأسرة وأحلام، قبل أن تستهدف الجريمة حياته وهويته.

وقعت الإبادة الجماعية ضد التوتسي بين أبريل ويوليو 1994م، خلال نحو مئة يوم، وأودت بحياة أكثر من مليون إنسان، وفق التقديرات المعتمدة. وشملت الضحايا أيضًا أشخاصًا من الهوتو عارضوا الإبادة. وشارك في تنفيذ الجرائم عسكريون ومليشيات وأفراد من المجتمعات المحلية، حتى تحولت علاقات الجوار والمعرفة الاجتماعية إلى وسائل للملاحقة والقتل.

 

مواقع تحفظ الوجوه والأسماء

أدرجت اليونسكو عام 2023م أربعة مواقع تذكارية للإبادة الجماعية ضد التوتسي ضمن قائمة التراث العالمي: نياماتا، ومورامبي، وبيسيسيرو، ومركز كيغالي في غيسوزي.

في نياماتا، احتمى آلاف التوتسي بالكنيسة قبل أن تتحول إلى موقع للقتل الجماعي. وتقدّر اليونسكو ضحايا الهجوم داخلها بنحو عشرة آلاف خلال يومي 14  و15 أبريل 1994م، بينما يضم الموقع رفات نحو خمسين ألف ضحية من الكنيسة ومحيطها.

ومن الشهادات المرتبطة بالمكان شهادة فيليب كاييتاري (Philippe Kayitare)، الذي فقد 21 فردًا من أسرته، بينهم والداه وأربعة من أشقائه وجدته وأقارب آخرون. أُصيب في وجهه وساقه، وفقد أمه الحامل وأباه، وظل يعود إلى الكنيسة ويعيش بالقرب من موضع دفن أسرته. فالمكان الذي يراه الزائر موقعًا تاريخيًا يمثل للناجي امتدادًا للعائلة والحنين، وشاهدًا على انهيار الحماية في موضع لجأ إليه الناس طلبًا للأمان.

وفي مورامبي، تروي جولييت موكاكابانغا (Juliette Mukakabanga)، وهي امرأة من الهوتو تزوجت رجلًا من التوتسي، تجربتها بعد لجوئها في 10 أبريل 1994م إلى مدرسة تقنية برفقة أسرتها وطفلتها الرضيعة. لجأ إلى الموقع نحو خمسين ألف شخص، ولم ينجُ من مجموعتها العائلية المكوّنة من 45 شخصًا سوى ثلاثة.

وفي هجوم 21 أبريل، طالبها المهاجمون بتسليم طفلتها باعتبارها من التوتسي، وهددوها بالقتل، لكنها رفضت. قُتل زوجها وطفلاها الأكبر سنًا، البالغان ثماني وست سنوات، ونجت مع رضيعتها بولين. تكشف شهادتها كيف امتد التصنيف العرقي إلى داخل الأسرة، وكيف واجهت أمٌّ منطقًا جعل هوية طفلتها سببًا لاستهدافها.

أما مركز كيغالي التذكاري في غيسوزي، فيضم رفات أكثر من 250 ألف ضحية، إلى جانب المعارض والأرشيف. ومن الشهادات المرتبطة به تجربة بريسكا أوموانانكوندا (Prisca Umwanankunda)، التي فقدت والدتها وثلاثة من أشقائها وشقيقتها الكبرى وأقارب آخرين، ونجت من اعتداءات خلفت إصابات دائمة.

اختارت بريسكا العمل في أرشيف الإبادة لحفظ ذاكرة أسرتها والآخرين. وتحمل تجربتها معنى انتقال الناجية من الشهادة إلى حماية الأدلة، وتؤكد أن الذاكرة يمكن أن تتحول إلى عمل مؤسسي يحفظ حقوق الضحايا والأجيال القادمة.

وفي بيسيسيرو، تُحفظ ذاكرة المقاومة إلى جانب ذاكرة الضحايا. شارك أنطوان سيبيرورو (Antoine Sebiroro)، وكان في العشرين من عمره، في رصد تحركات المهاجمين وأسلحتهم ونقل المعلومات إلى المدافعين. وروى هجوم 13 مايو 1994م، الذي فقد فيه والديه واثنين من أشقائه وأقارب كثيرين. ويضم الموقع، وفق مادة اليونسكو، رفات ما بين خمسين وستين ألف ضحية.

تؤكد شهادتهة سيبيرورو أن بعض السكان حاولوا حماية الآخرين ومقاومة القتل رغم اختلال موازين القوة، وأن كتابة التاريخ تقتضي توثيق التضامن والشجاعة إلى جانب الجريمة.

 

من الشهادة إلى الأرشيف

افتُتح أرشيف الإبادة الجماعية في رواندا رسميًا بمركز كيغالي عام 2010م، بالتعاون بين مؤسسة أيجيس ترست والجهات الرواندية، ثم أُطلقت منصته الرقمية الموسعة في يونيو 2015م. ويضم الأرشيف آلاف المواد، بينها شهادات صوتية ومرئية وصور ووثائق وخرائط وتسجيلات مرتبطة بمحاكم غاكاكا.

كما تُحفظ السجلات القضائية للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، التي أُنشئت عام 1994م واختتمت أعمالها عام 2015م، عبر الآلية الدولية المختصة بالأعمال المتبقية للمحكمتين الجنائيتين.

وتختلف وظيفة الأرشيف التاريخي عن الأرشيف القضائي؛ فالأخير يوثق المسؤوليات وفق قواعد الإثبات، بينما يحفظ الأول السياق الأوسع للحياة والمقاومة والفقد والتحولات الاجتماعية. وتنبع قيمة كليهما من سلامة المواد، وتوثيق مصادرها، وإمكان البحث فيها، وحماية الشهود واستقلال المؤسسات القائمة على حفظها.

 

كويبوكا.. ذاكرة تعبر الأجيال

تُعرف الذكرى الوطنية في رواندا باسم كويبوكا (Kwibuka)، وتعني التذكر. وتبدأ في السابع من أبريل، الذي اعتمدته الأمم المتحدة يومًا دوليًا للتفكر في الإبادة الجماعية ضد التوتسي. وتتضمن أسبوعًا للحداد الرسمي حتى 13 أبريل، ضمن فترة إحياء تمتد مئة يوم إلى الثالث من يوليو.

وتتخلل هذه الفترة زيارات للمواقع التذكارية وفعاليات تعليمية ومواساة للناجين. وتكمن أهميتها في نقل الذاكرة إلى الأجيال الجديدة، بحيث تصبح معرفة تاريخية واجتماعية تساعد على فهم جذور الكراهية وآليات إنتاج العنف.

وتشير اليونسكو إلى أن أكثر من 65% من سكان رواندا وُلدوا بعد عام 1994م. ولهذا أطلقت، مع شركاء روانديين ومؤسسة أيجيس ترست، مشروعًا تعليميًا في يونيو 2026م، يمتد برنامجه التجريبي حتى مارس 2027م، لتطوير المواد التعليمية وتدريب المعلمين والمرشدين في المواقع الأربعة. فالهدف يتجاوز نقل وقائع الإبادة إلى فهم جذور التحريض والتمييز وآليات العنف، مع مراعاة الآثار النفسية للشهادات والصور على الطلاب.

فالأجيال الجديدة تحتاج إلى معرفة ما حدث، وإلى فهم مسؤوليتها في حماية المجتمع من عودة خطاب الكراهية، والتمييز بين دراسة التاريخ وتبرير الجرائم.

 

من يملك حق رواية التاريخ؟

تؤدي الدولة دورًا أساسيًا في حماية المواقع والوثائق، لكن الذاكرة الوطنية أوسع من الرواية الرسمية؛ فهي تضم الناجين والأسر والمؤرخين والباحثين والمجتمعات المحلية.

إن احتكار ما يُروى وما يُستبعد قد يحوّل الذاكرة إلى أداة سياسية. وقد وثقت منظمات حقوقية دولية انتقادات تتعلق بقيود على حرية التعبير والبحث في بعض الوقائع التاريخية، ومنها مناقشة انتهاكات منسوبة إلى الجبهة الوطنية الرواندية. وتقتضي النزاهة التمسك بالحقيقة التاريخية المثبتة للإبادة الجماعية ضد التوتسي، ومواجهة إنكارها أو تبريرها، مع ضمان البحث المستقل في الانتهاكات الأخرى وفق الأدلة، دون استخدامها للتقليل من الإبادة أو التشكيك في حجم الجريمة.

فالذاكرة التي تؤسس للمصالحة تحتاج إلى حرية السؤال واستقلال التوثيق، وإلى شعور الضحايا بأن حقهم في الحقيقة قائم على العدالة والأدلة. كما أن شهادة الناجي حق لصاحبها، وتسجيلها ونشرها يستلزمان موافقته المستنيرة وحماية خصوصيته وكرامته.

وقد ناقشت لجنة التراث العالمي عام 2025م تقليص عرض الرفات البشرية في بعض المواقع، والنظر في دفن الضحايا بصورة لائقة، مع المحافظة على القيمة التوثيقية للمواقع. وهنا تبرز ضرورة الموازنة بين حفظ الأدلة وكرامة الضحايا وحقوق أسرهم، خاصة مع انتشار الصور الرقمية خارج سياقها.

 

السودان وذاكرة الحرب

تطرح التجربة الرواندية أمام السودان سؤالًا عاجلًا: من سيحفظ شهادات الناجين وأسماء القتلى ومواقع المقابر والأدلة، قبل تلفها أو تفرق الشهود؟.

يحتاج السودان إلى أرشيف وطني مستقل، متعدد المواقع والمصادر، يراعي تنوع الأقاليم واللغات والمجتمعات، ويحفظ الصور والتسجيلات والوثائق والمقتنيات وشهادات النساء والأطفال والنازحين واللاجئين والأشخاص ذوي الإعاقة، بما فيها الشهادات الحساسة المتعلقة بالعنف الجنسي.

ولا يقتصر بناء الأرشيف على جمع المواد بعد وقوع الأحداث؛ فهو يحتاج إلى سياسة وطنية واضحة تحدد مسؤوليات الجهات المشاركة، ومعايير تصنيف الوثائق، ومدد إتاحتها، وطرق حفظها وإتلاف النسخ غير الآمنة. كما ينبغي إشراك أسر الضحايا في القرارات المتعلقة باستخدام المواد التي تخص ذويهم، وإتاحة آلية لتصحيح المعلومات وتقديم روايات إضافية. فالأرشيف الموثوق مؤسسة عامة تخدم حق المجتمع في المعرفة، وتحمي في الوقت نفسه الأفراد الذين قدموا شهاداتهم، وتمنع استغلال آلامهم في الدعاية أو التنافس السياسي. ويحتاج ذلك إلى تمويل مستدام وكوادر متخصصة، وإلى تعاون عابر للحدود يحفظ النسخ عند تعذر العمل داخل مناطق الحرب.

كذلك تتطلب هذه المهمة التمييز بين الأرشفة التاريخية وحفظ الأدلة الجنائية؛ فالأخيرة تستلزم توثيق المصدر والوقت والمكان وسلسلة الحيازة وحماية النسخ الأصلية. ويقدم بروتوكول بيركلي للتحقيقات الرقمية مفتوحة المصدر مرجعًا مهنيًا لهذه الإجراءات. كما تحتاج عملية التوثيق إلى نسخ احتياطية آمنة داخل السودان وخارجه، وضوابط للوصول إلى المواد الحساسة، ومشاركة الصحفيين والباحثين والمنظمات الحقوقية والمجتمعات المحلية، مع استقلال الأرشيف عن أطراف الحرب ومراكز النفوذ السياسي والعسكري.

وينبغي أن تحفظ الذاكرة أيضًا حكايات النجاة والتضامن والمقاومة المدنية، وأدوار المتطوعين وغرف الطوارئ والعاملين الصحيين والمعلمين والصحفيين. فاختزال تاريخ الحرب في الجرائم وحدها يحجب قدرة السودانيين على حماية بعضهم وسط الانهيار، ويغفل أشكال المقاومة الإنسانية التي تستحق أن تنتقل إلى الأجيال المقبلة.

إن حفظ الحقيقة شرط للمساءلة، ولحق الأجيال المقبلة في معرفة ما جرى. وإذا احتكر المنتصر رواية الحرب، فقد تصبح الذاكرة ساحة جديدة للنزاع؛ أما إذا تأسست على الأدلة وتعدد الشهادات وكرامة الضحايا، فقد تمنح المجتمع أساسًا للعدالة والثقة.

وهنا يعود إلينا السؤال الذي حملناه من مواقع الذاكرة في رواندا: من سيكتب ذاكرة هذه الحرب؟ ومن يضمن أن يبقى لكل ضحية اسم، ولكل شاهد حق، ولكل واقعة دليل، بعد أن تصمت البنادق؟.

فالذاكرة العادلة تحفظ الماضي من النسيان، وتحمي الحاضر من التزييف، وتمنح المستقبل فرصة لتجاوز المأساة.

وفي المقال السادس، ننتقل إلى تجربة النساء في رواندا، من النجاة من الإبادة الجماعية إلى المشاركة في إعادة بناء الدولة وصناعة القرار، وما تحمله هذه التجربة من دروس للنساء السودانيات في مسار السلام وبناء سودان ما بعد الحرب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *